ذكريات خالدة على صفحات المجلة (1) التاريخ الغنائى لحرب العاشر من رمضان

كانت مجلتنا فى قلب الحدث، تواكب وقائع النصر، وتلهث خلف الخبر لترصد توابع زلزال حرب العاشر من رمضان.

 

مضت اللحظات مسرعة، وكان على محررى المجلة أن يجمعوا تفاصيل الحدث، وينظموا منها سيمفونية صحفية شاء القدر أن تتحول- هى الأخرى-  لذكريات خالدة على مر السنين.

يمضى بنا الحنين لخمسين عاماً مضت، فنستعيد تراث النغم الذى واكب لحظات الانتصار، حين خرجت الأغنيات الوطنية من استديوهات مبنى ماسبيرو، لتصبح مادة أساسية على صفحات مجلة الإذاعة والتليفزيون.

وبين أيدينا الآن كتاب بعنوان "هكذا غنى المصريون" يتناول فى أحد فصوله أغانى حرب رمضان، استناداً لما نشرته مجلتنا العريقة من تغطيات صحفية عن أغانينا الوطنية الخالدة.. إليكم الدليل الكامل حول التاريخ الغنائى لحرب رمضان.

عندما عبرت طلائع الجيش المصرى من غرب قناة السويس إلى شرقها يوم العاشر من رمضان 1393 هجرية الموافق للسادس من أكتوبر 1973، كان ذلك إيذاناً بتفجير طاقات كامنة وطرح رؤى جديدة فى الغناء المصري.. هكذا يستهل الدكتور نبيل حنفى محمود حديثه عن التناول الغنائى لوقائع حرب رمضان ويضيف: شهدت الإذاعة تسابق جميع أهل الغناء لتخليد تلك الحرب، فكان العبور الأسطورى لمانع القناة أول ما التقطه أهل الغناء من بين تلك الوقائع، إذ ألهبت صحف يوم الأحد السابع من أكتوبر حماس المصريين بحديثها عن عبور الجنود لقناة السويس وهم يرددون - مسلمين ومسيحيين - صيحة الله أكبر، فألهمت تلك الصيحة الشاعر الغنائى عبد الرحيم منصور فكرة أغنية "بسم الله"، وقد تلقف الموسيقار بليغ حمدى كلمات عبد الرحيم منصور ليضع لها لحناً بسيطاً يسهل على جموع الشعب ترديده، وسرعان ما سجل بليغ حمدى الأغنية الأولى عن حرب أكتوبر فى استديو 46 بالإذاعة لينطلق بها صوت مجموعة المنشدين منذ اليوم الثانى للحرب، ولعل أهم ما تميزت به تلك الأغنية - إلى جانب البناء على صيحة الله أكبر - هو مباشرة الأفكار وبساطة الصياغة، مما جعلها على كل لسان منذ أول إذاعة لها.

التقطت الشاعرة علية الجعار خيط الأفكار الذى أطلقته أغنية بسم الله لتكتب إحدى أجمل أغنيات المرحلة "سمينا وعدينا" التى لحنها عبد العظيم محمد، وانطلق بها الصوت القادر للمطربة شهرزاد.. اختار عبد العظيم محمد للأغنية قالب الطقطوقة، وبدأتها شهرزاد بغناء المذهب "المطلع" على النحو التالي:

جمعنا كل قوتنا

وسندتنا عروبتنا

وسمينا وعدينا

وإيد المولى سعدتنا

ومضت بقية أغصان (أى مقاطع) الأغنية فى صورة حوار بين صوت شهرزاد وأصوات مجموعة المنشدين، حيث كانت شهرزاد تبدأ بغناء الشطر الأول من البيت، لتتبعها أصوات مجموعة المنشدين بترديد الشطر الثانى وهو ما يتضح للقارئ من النص التالى للغصن الأول فى الأغنية:

شهرزاد: سمينا وعدينا

المجموعة: وشقينا طريق النصر

شهرزاد: وإيد المولى ساعدتنا

المجموعة: ورجعنا ابتسامة مصر

ولم تُفلِت الشاعرة علية الجعار – التى عُرِفت بتوجهاتها الدينية- فرصة الأجواء والمشاعر الإيمانية لمعركة العبور، فعبرت عنها فى المقطع الثانى من الأغنية على النحو التالي:

خيوط الفجر بتنور

وكل الشعب بيكبر

وفى رمضان وبالإيمان

أراضينا بتتحرر

إن نظرة إلى ما قُدم أثناء حرب أكتوبر من أغنيات استلهمت الجانب الروحى والإيمانى الذى غمر مصر والمصريين آنذاك، تكشف حجم المد الدينى الذى سوف يجتاح مصر فى سنوات ما بعد أكتوبر، وكان من حسن الحظ أن قدمت مجلة الإذاعة والتليفزيون فى عددها رقم 2020 الصادر فى 1/ 12/ 1973 بيانا بما أطلقته الإذاعة خلال الأيام الأولى من الحرب من أغنيات، وقد أوضح البيان أن عدد ما قدم من أغنيات وطنية جديدة منذ اندلاع الحرب وحتى الأيام الأولى من شهر نوفمبر 1973 قد بلغ   34 أغنية، وبمراجعة ذلك العدد من الأغنيات تبين أن ما دار منها حول الأجواء الدينية للحرب وما صاحبها من مشاعر إيمانية بلغ فى العدد ست أغنيات، وهى تمثل 18% من مجمل ما أنتج من أغنيات وطنية، وفيما يلى نقدم أسماء تلك الأغنيات الست مرفقا بها ثلاثى المؤلف والملحن والمؤدى: (صدق وعده: عبد الفتاح مصطفى، بليغ حمدي، المجموعة)- (بسم الله: عبد الرحيم منصور، بليغ حمدي، المجموعة)- (سمينا وعدينا: علية الجعار، عبد العظيم محمد، شهرزاد)- (الفجر لاح: مرسى جميل عزيز، بليغ حمدي، عبد الحليم حافظ)- (صوت المآذن: أحمد عثمان المراغي، أحمد صدقي، نجاح سلام) و(من بكفاحك: حسين السيد، عبد العزيز محمود، المجموعة).

ويعلق الكاتب نبيل حنفى: إن نسبة 18% قد يراها البعض الآن نسبة صغيرة يصعب التعويل عليها، لكنها تعد نسبة كبيرة إذا ما قورنت بالصفر الذى حققته الأغنيات ذات الطابع الدينى قبل نكسة يونيو 1967.

ويضيف: حازت مصر العدد الأكبر بين ما رصدته "مجلة الإذاعة والتليفزيون" من أغانى أكتوبرية، وقد تضمن ذلك العدد الأغنيات التالية، مُوضحاً قرين اسم الأغنية أسماء كل من المؤلف والملحن والصوت الغنائي: (أغنية حلوة بلادي: تأليف عبد الرحيم منصور، لحن بليغ حمدي، غناء وردة الجزائرية)- (ياغنوة مصر: محسن الخياط، على اسماعيل، المجموعة)- (عيون مصر: نبيلة قنديل، على اسماعيل، المجموعة)- (يا مصرنا يا حرة: فتحى سعيد، محمد الموجي، محرم فؤاد)- (النصر لمصر: فتحى سعيد، محمد سلطان- فايزة أحمد)- (مصر أول حب: محسن الخياط، بليغ حمدى، محمد رشدى)- (صوت بلادى: محسن الخياط، على اسماعيل، الثلاثى المرح)- (كل شيء يا بلادى: مجدى نجيب، كمال الطويل- نجاة)- (ونادت مصر: محسن الخياط، عبد العظيم محمد، محمد رشدى) و(حبايب مصر: مصطفى الضمرانى، حلمى بكر، عُليا التونسية) .. عشر أغنيات تغنت بمصر، ومثلت أكثر من 29% من الأغنيات التى قدمتها الإذاعة أثناء حرب أكتوبر، ولعل أشهر تلك الأغنيات العشر هما أغنيتان: أغنية وردة (حلوة بلادى) وأغنية عُليا التونسية (يا حبايب مصر)، وتعد أغنية وردة ثانى الأغنيات الوطنية التى قدمها بليغ حمدى خلال إقامته المستمرة بمبنى الإذاعة والتليفزيون أثناء الحرب، وتبدأ هذه الأغنية - التى وضع لها بليغ حمدى لحناً شعبياً فائق الجمال يتردد بين المطربة ومجموعة المنشدين- تبدأ بالمقطع التالي:

حلوة بلادى السمرة

بلادى الحرة بلادى

وأنا على الربابة بغنى

ما املكش غير أنى أغنى

وأقول تعيشى يا مصر

 أما أغنية المطربة عُليا فقد بنى الشاعر مصطفى الضمرانى نصها على عبارة قالها الرئيس الراحل أنور السادات فى إحدى خطبه: "ما تقولش إيه اديتنا مصر" ليصوغ بها الضمرانى إحدى أغنيات المرحلة.

يتبقى من الأغنيات الأربع والثلاثين التى أنتجتها الإذاعة فى أكتوبر من عام 1973، ثمانى عشر أغنية، ونقدم فيما يلى البيانات الكاملة لهذا العدد من الأغنيات: ( حقك معاك: كمال بدر، عبد العظيم محمد، المجموعة) (بالأحضان يا سينا: محمد كمال بدر، أحمد صدقى، المجموعة)- (عبرنا الهزيمة: عبد الرحيم منصور، بليغ حمدى، شادية)- (صبرنا وعبرنا: كمال عمار، محمود الشريف، ثلاثى النغم والمجموعة)- (سكة واحدة: عبد الرحيم منصور، بليغ حمدى، وردة)- (يا قمر خدنى: نادر أبو الفتوح، بليغ حمدى، عفاف راضى)- (خلى السلاح صاحى: أحمد شفيق كامل، كمال الطويل، عبد الحليم حافظ)- (لفى البلاد يا صبية: محسن الخياط، محمد الموجى، عبد الحليم حافظ)- (شعارات جماعية: حسين السيد، محمد الموجى، المجموعة)- أنشودة العبور: كمال عبد الحليم، عبد العظيم محمد، فايدة كامل)- (جندى بلادى: عبد الرحيم منصور، بليغ حمدى، موفق بهجت)- (من باب الفتوح: كمال عمار، محمود الشريف، نجاة الصغيرة)- (المعارك وحدتنا: محسن الخياط، حلمى بكر، المجموعة)- (عاش اللى قال: محمد حمزة، بليغ حمدى، عبد الحليم حافظ)- (الحرب والسلام: عبد الرحيم منصور، أحمد فؤاد حسن، وردة)- (تسلمى يا شدة: السعيد أبو العيلة، محمود الشريف، عفاف راضى)- (ابنى البطل: نبيلة قنديل، على اسماعيل، شريفة فاضل) و(جنب بعض: عبد الرحيم منصور، بليغ حمدى، وردة).

ويعلق المؤلف: إن النظرة المدققة إلى ما أنتجته الإذاعة من أغنيات أكتوبرية تكشف عن عديد من الحقائق والدلالات، وأولاها: أن اثنين من أهل الغناء فقط كانا وراء إنتاج العدد الأكبر من تلك الأغنيات، وأولهما هو الموسيقاربليغ حمدى الذى لحن 12 أغنية، وثانيهما هو الشاعر عبد الرحيم منصور الذى نظم سبعا من تلك الأغنيات، وتتمثل دلالة ذلك فى ابتعاد نجمى الستينات (كمال الطويل وصلاح جاهين) عن الصدارة إما بالإهمال أو الاكتئاب.

وتتبلور الحقيقة الثانية فى بقاء عبد الحليم حافظ- صوت الثورة فى الستينات- فى الصدارة بما قدمه من أغنيات، حيث قدم أربع أغنيات: "خلى السلاح صاحى- لفى البلاد يا صبية- الفجر لاح- وعاش اللى قال".. ويُستدل من ذلك على أن الغناء للوطن وقضاياه لا يكون حكراً على عهد أو تعبيراً عن أيديولوجية فكرية أو سياسية، وتتبقى هنا أهم الحقائق التى باح بها ذلك العدد من أغنيات أكتوبر، وهى أن معظم الغناء فى تلك الأغنيات كان جماعياً، حيث كان الصوت الغنائى فى 11 أغنية منها للمجموعة (أى ما يقرب من ثلث عددها)، كما لعبت أصوات المجموعة أدواراً مهمة فى كثير من الأغنيات التى أدتها أصوات فردية لمطربين أو مطربات، مما يعطى دلالة مهمة مضمونها أن الغناء الجماعى هو الأكثر صدقاً فى التعبير عما تحس به الشعوب من مشاعر فى اللحظات المصيرية من تاريخها.

تحت عنوان "أم البطل" يختم الكاتب الدكتور نبيل حنفى محمود حديثه عن أغانى أكتوبر بالقول: لا يمكن لمتحدث أو كاتب أن يبلغ نهاية حديثه عن الأغنية الأكتوبرية دون أن يشير إلى أصدق أغنيات تلك المرحلة، ونعنى بذلك أغنية شريفة فاضل "أم البطل" التى كانت من نظم الشاعرة نبيلة قنديل ومن ألحان على اسماعيل، ولم تلق أغنية من أغانى أكتوبر تعاطفا من جميع المصريين قدر ما لقيت تلك الأغنية من تعاطف، كان الجميع يعرفون حين يستمعون إلى صوت شريفة فاضل فى تلك الأغنية، وقد امتلأ بالأسى واختنق بالدموع، كانوا يعرفون أن سبب ذلك الأسى وتلك الدموع هو استشهاد ابن شريفة فاضل فى معارك أكتوبر، ولاشك فى أن استعادة بعض من أبيات تلك الأغنية الوافرة الصدق والإنسانية، تعد تذكيرا للأجيال الحالية بمن سقط فى حرب أكتوبر المجيدة من شهداء من أبناء هذا الوطن، وتعريفاً صادقاً لمعنى الشهادة أمام أجيال اختلطت عليها الأمور:

ابنى حبيبى يا نور عينى

بيضربوا بيك المثل

كل الحبايب بتهنينى

طبعا ما انا أم البطل

يا مصر.. ولدى الحر

اتربى وشبع من خيرك

اتقوى من عظمة قلبك

اتعلم على إيد أحرارك

اتسلح بإيمانه واسمك

شد الرحال.. شق الرمال

هد الجبال.. عدى المحال

رفع العلم.. طرح الأمل

وبقيت أنا أم البطل

انتظرونا فى العدد القادم مع

( قصة أناشيد النصر فى ابتهالات النقشبندي).

Katen Doe

محمد مسعد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

(بوسي..رحلة البحث عن الجمال الخفي) كتاب جديد للكاتبة الصحفية هبة محمد علي

يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...

صورة من قريب للناقد الـذى خسر العالم وربح نفسه

فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...

أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ فى قلب معــــركة السد العالى

منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...

جوائز الجولدن جلوب هيمنة سينمائية.. مفاجآت تليفزيونية.. ومواهب جديدة

فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...


مقالات