«Jellyfish And Lobster» فاز بأفضل فيلم بريطانى قصير

سيد بدرية.. البورسعيدى الـــــــــــذى حصد جائزة «البافتا» / نجح الفيلم فى المزج بين الدراما والكوميديا والواقعية السحرية/ بدرية هو ثانى مصرى يحمل عضوية نقابة السينمائيين الأمريكيين/ جوائز «البافتا» مؤشر للأوسكار على الطريقة البريطانية

فى عام 1957، عندما وُلد سيد بدرية فى مدينة بورسعيد، وكان شقيقاً لست بنات وولدين آخرين، كان والدهم موظفاً بسيطاً فى البلدية، ولكنه توفى عندما بلغ عمر سيد تسع سنوات، فوقعت كل أعباء الحياة على كاهل أم سيد بمفردها؛ ولكن الطفل الصغير استطاع الهروب من كل هذه الهموم الصعبة إلى عالم الأبطال والأفلام المثيرة.

وفى ذلك الوقت كانت سينما الأهلى هى دار العرض الوحيدة فى مدينة بورسعيد، ويستطيع سيد أن يدخر ثمن تذكرة دخولها؛ فقد كان برنامجها الأسبوعى مغرياً للغاية، فيلم كارتون قصير، ويليه فيلمان مصريان، وفيلم أجنبى أيضاً، ولكثرة تردده عليها، أصبح العاملون فيها يعرفونه جيداً، فكانوا يسربونه داخلها فى فترة الاستراحة إشفاقاً وعطفاً، وهناك انجذب الطفل الفقير لكلاسيكيات السينما المصرية فى عصرها الذهبى، فوقع فى حب نجيب الريحانى وأنور وجدى وعبدالفتاح القصرى، كما انبهر بأفلام الغرب الأمريكى بطولة: جون وين، وأفلام المحقق الخاص بطولة: هامفرى بوجارت.

وظل بدرية يتنقل ويعافر مع الدنيا، حتى واتته فرصة للسفر لأمريكا، وهاجر إلى أرض الأحلام كى يحفر لنفسه مكاناً وسط عمالقة التمثيل وأساطير السينما.. إلى أن وصل إلى أن تسلم واحدة من أكبر وأهم جوائز السينما؛ وهى جائزة البافتا  التى تقيمها سنوياً الأكاديمية البريطانية لفنون الفيلم والتليفزيون؛ وهى الشبيه البريطانى لجائزة الأوسكار.

فيلم «قنديل البحر وجراد البحر» فيلم قصير سيبقى فى ذهنك لفترة طويلة بعد انتهاء المشاهدة، وهذا سر جماله، وما منحه جائزة أفضل فيلم قصير، فهو يترك تأثيراً دائماً على الجمهور خلال فترة العرض القصيرة مما يُعد إنجازاً رائعاً، وهذا ما فعلته المخرجة ياسمين عفيفى بكل مشاهدى الفيلم؛ من كوميديا سوداء تبلغ مدتها 20 دقيقة، مغامرة سينمائية ساحرة تتعمق فى موضوعات الشيخوخة، وحتمية الموت وحب الحياة.

يدور هذا الفيلم حول شخصيتين ينفد منهما الوقت، وهما فى حيرة من أمرهما كيف يعيشان الأيام الباقية من عمرهما، ينسج فيلم «Jellyfish And Lobster» قصة بسيطة، ولكنها عميقة تتبع رحلة مريضين وحيدين يعيشان فى دار رعاية؛ جريس التى تواجه تشخيصاً بمرض السرطان فى مراحله النهائية، وميدو الذى يعانى من الخرف، تتقاطع مساراتهما بشكل غير متوقع، بينما يكون ميدو فى خزانة الغسيل التى تدخلها جريس لتدخن سيجارة بعيداً عن عيون الأطباء، لقاء الصدفة هذا هو الذى يخلق رابطاً فريداً يتجاوز الحقائق المتباينة، ويوفر العزاء الذى تتوق إليه كل شخصية.

قدمت المخرجة الماهرة ياسمين عفيفى صراعات ومشاعر جريس وميدو، وهما يصارعان الأحاسيس المتضاربة بين رفض الحياة واستعجال النهاية، وبين القبول بالواقع والاستمتاع بما تبقى من دقائق، كلتا الشخصيتين كتبتا بعمق وأصالة ملحوظين، وقدما مشاعر الخوف من الموت القريب؛ خوف يجذب المشاهد إلى تجاربهما وعواطفهما من خلال مزيج متوازن تماماً من اللحظات الكوميدية والمأساوية، إن الكيمياء بين البطلين، والتى صورتها فلو ويلسون مع سيد بدرية ببراعة، تعزز مصداقية علاقتهما الجديدة، وتبنى علاقة حقيقية مع الجمهور.

أحد العناصر الأكثر إثارة للاهتمام فى الفيلم هو حوض السباحة الذى يعثر عليه الثنائى، يحمل حوض السباحة سراً سحرياً؛ عندما تغمر جريس وميدو نفسيهما، يتحولان إلى نفسيهما الأصغر سناً والأكثر صحة، الرمزية هنا قوية، وتمثل الرغبة فى الهروب من قيود وأمراض الشيخوخة، وإيجاد العزاء فى وقت يشعرون فيه بمزيد من الحياة والحيوية.

تم نسج العناصر المجازية فى «قنديل البحر وجراد البحر» بمهارة فى السرد، مما يترك مجالاً للتفسير الشخصى وزيادة إثراء السرد؛ قنديل البحر، وهو مخلوق غالباً ما يرتبط بالولادة والتجديد، يجسد رغبة الشخصيات فى استعادة شبابهم الضائع، إذا أصيب قنديل البحر، فيمكنه تغيير بنيته الخلوية والعودة إلى مرحلة مبكرة من تطوره، تماماً مثل غريس وميدو، عندما يعودان إلى صغرهما فى حوض السباحة.

على العكس من ذلك، يتمتع الكركند بقشرة علوية صلبة، تمثل القوة والحماية، لكن بطونه السفلية أكثر هشاشة بكثير، مما يعطينا درساً حول التوازن بين المظهر الخارجى الذى نظهره للعالم وقلوبنا فى الداخل، وهذا مناسب لشخصية جريس، فبعد تشخيص إصابتها بالسرطان فى مراحلها الأخيرة، حافظت على مظهرها الخارجى الصلب، قبل أن تعترف أخيراً بمخاوفها لميدو معاً، يُجسد قنديل البحر وجراد البحر ازدواجية الحياة ويدعوان إلى التأمل فى غرض ومعنى وجودنا.

يستحق تصميم الإنتاج والتصوير السينمائى لفيلم «Jellyfish and Lobster» إشارة خاصة، تم تصوير  دار الرعاية بدقة، مما يدمج المشاهدين فى عالم الشخصيات، ويعزز واقعية الفيلم، يتم التعامل مع تجاور هذا المكان الكئيب مع لحظات الواقعية السحرية فى حوض السباحة ببراعة من قبل DOP Linda Wu مما يخلق تجربة مذهلة بصرياً.

بفضل مزيج من الفكاهة والدراما والواقعية السحرية، يُعد «Jellyfish and Lobster» جوهرة الفيلم القصير الذى سيبقى فى ذهنك لفترة طويلة بعد انتهاء العرض، إنه يغوص ببراعة فى معنى الموت، والربط بين الماضى والحاضر؛ مهارة المخرج فى سرد القصص، إلى جانب الأداء الرائع والكادرات الرائعة، تجعل من هذا الفيلم القصير فيلماً لا بد من مشاهدته لمحبى الكوميديا السوداء والواقعية السحرية.

درس بدرية فنون المسرح والسينما، واكتسب صداقات كثيرة منذ أول عام درسه فى أمريكا، وتخرج، وبدأ العمل فى الإعلانات والمسلسلات التليفزيونية وبعض الأفلام السينمائية.

أما أول ظهورلسيد بدرية ممثلاً فكان أمام نجم من نوع آخر هو بيليه، لاعب منتخب البرازيل الأسطورى الملقب بالجوهرة السوداء، فى فيلم Hot Shot (الهاوى - 1988).

وبعد ظهور سريع فى إحدى حلقات Seinfeld، وفى أفلام تليفزيونية هى The Flight (الرحلة - 1988) مع لندساى واجنر وIntimate Stranger (غريب ودود - 1992) مع ديبورا هارى وThe November Men (رجال نوفمبر - 1992) حصل سيد على أدوار قصيرة، ولكن فى أفلام هوليوودية أكثر أهمية.

لم يصدق سيد بدرية نفسه وهو يقف أمام محبوبه آل باتشينو فى مشهدين أحدهما صُور فى هوليوود، والآخر فى «أم الفحم» بفلسطين ضمن أحداث فيلم The Insider؛ وأصبح سيد أيضاً صديقاً مقرباً لجورج كلونى ومارك وولبرج بعد أن شارك فى بطولة فيلمهما «الملوك الثلاثة» الذى أدى فيه دور ضابط عراقى، كما استغله الشقيقان المخرجان بوبى وبيتر فيرلى فى أفلامهما الكوميدية Kingpin (المحترف - 1996) مع وودى هارلسون وShallow Hal (هال الساذج - 2001) مع جوينث بولترو وStuck on You 2004)، حيث قام بدور الطبيب الذى يفصل الشقيقين الملتصقين مات ديمون وجريج كينير!

كما اضطر سيد لحلاقة رأسه تماماً مع الاحتفاظ بلحيته لأداء دور إرهابى فى الفيلم التليفزيونى Mirage (سراب - 1995) مع الممثلة شون يونج، وحقق حلماً آخر عندما ظهر فى فيلم Land of Plenty (أرض وافرة - 2004) للمخرج الألمانى الكبير فيم وندر.

تلقى سيد بصفته سينمائياً محترفاً وثانى عضو مصرى الأصل فى نقابة السينمائيين الأمريكيين، بعد الفنان الكبير عمر الشريف، عرضين رسميين بترميم كلاسيكيات السينما المصرية: الأول من أكاديمية فنون وعلوم السينماAcademy of Motion Pictures Arts & Science (AMPAS) - وهى الجهة التى تنظم الأوسكار الأمريكية- بترميم فيلم المومياء (1969) إخراج شادى عبدالسلام، والثانى من معامل CFI بترميم الفيلم الكلاسيكى «زهرة»، ورغم جهوده فى تنفيذ هذين العرضين منذ عام 2001، خاصة أن الجهتين كانتا ستتحملان التكلفة كاملة، إلا أنه فشل فى إدخال الاقتراحات من خلال غرفة صناعة السينما أو من خلال محمود معروف، بوصفه نائباً فى مجلس الشعب آنذاك، يقول سيد ضاحكاً: «وكأن الروتين يقول لى إن السينما المصرية لا تحتاج مساعدات خارجية من أمريكا، ولكن مع ظهور شركات جديدة، بدأت عمليات الترميم ونلاحظ أن العرض الأمريكى كان بالترميم فقط.

كان فيلم «إنقاذ كلاسيكيات الأفلام المصرية» أول إنتاج لسيد بدرية من خلال شركته الخاصة Zoom in Focus Productions، ومن خلالها أيضاً، قدم الفيلم القصير The Interrogation (الاستجواب -2002)، الذى كان العمل الأول للمخرج المصرى هشام عيسوى، الذى درس السينما أيضاً فى جامعة كولومبيا الأمريكية، وحصل هذا الفيلم على جائزة مهرجان نيويورك للأفلام المستقلة 2002، وفى العام التالى، استمر تعاون سيد وهشام ليقدما الفيلم القصير T for Terrorist (الإرهابى - 2003)، الذى لعب بطولته سيد، بالاشتراك مع الممثل الأمريكى اللبنانى الأصل تونى شلهوب، الذى نعرفه بطلاً لمسلسل Monk؛ هذا الفيلم تكمن أهميته فى انتقاد الأسلوب النمطى المنتشر فى رسم شخصية العربى الإرهابى، وطريقة تناولها فى الأفلام الأمريكية، خاصة بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر، فقد لعب سيد دور ممثل اسمه سيد (وكأنه يروى قصه حياته)، يؤدى دور إرهابى فى فيلم أمريكى، ويطلب منه المخرج أن يتكلم ويتصرف بنفس الطريقة المتعارف عليها فى إنتاج هوليوود، لكن الممثل يستحوذ على الكاميرا، ويصبح هو البطل الطيب الذى يفوز بالفتاة الجميلة، بل ويجبر المخرج ذا العينين الزرقاوين والشعر الأشقر على أن يرتدى ملابس الإرهابى، ويضع لحيته المستعارة ولو لمرة واحدة فى التاريخ! والجميل أنه رغم الانتقاد الصارخ للصناعة الأمريكية، فقد حاز هذا الفيلم على إشادة النقاد الأمريكيين، وأيضاً حصل على جوائز كثيرة فى مهرجانات مهمة، مثل مهرجان بوسطن السينمائى الدولى.

 

 	أميمة فتح الباب

أميمة فتح الباب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

على ربيع يعود للدراما بمسلسل جديد

بدأ الفنان على ربيع التحضيرات لمسلسل جديد يعود من خلاله إلى الدراما بعد غياب.

أحمد حلمى يستعد ل «حدوتة»

يواصل الفنان أحمد حلمى التحضيرات النهائية لفيلمه الجديد «حدوتة »، والمقرر أن يعود من خلاله إلى السينما بعد غياب.

الحمل يبعد أسماء أبواليزيد عن الدراما

اعتذرت الفنانة أسماء أبواليزيد عن بطولة مسلسل جديد مع الفنان عصام عمر، كان من المقرر أن تقوم بتقديمه خلال الفترة...

شعارها «مصر أولاً» شيرين تعود لأحضان المصريين

عادت صاحبة التجربة الاستثنائية... حتى في أزماتها، عادت لتمنحنا درساً جديداً في فنون الحياة وتقدم لنا تجربة من لحم ودم......