فتحى غانم، كاتب صحفى بلغ قمة السلم الوظيفى الذى يتمناه الصحفيون منذ دخولهم من أبواب المؤسسات الصحفية وهم شباب غض
، طرى الأظافر، ولكل واحد من الصحفيين خاصة من أبناء جيلى له حكاية مع هذا الرجل، وحكايتى معه تستحق أن أرويها، ليس لأنها مثيرة، لكن لارتباطنا إبداعياً ونفسياً، رغم عدم لقائى به رحمه الله، وكل ما حدث بيننا، مكالمة تليفونية، طلبت منه التعليق على حدث رياضى فى بداية تسعينات القرن الماضى، فجاوبنى معتذراً بأنه لا يعلق على هذا النوع من الأحداث، وأنا لم أكن يوما محرراً رياضياً، لكن الحدث كان كبيراً وكانت «سكينة فؤاد» رئيس التحرير، ترغب فى إشراك القامات الكبرى، ولم يتكرر التواصل بينى وبين الكاتب الكبير، وكنت فى سنوات الجامعة قرأت جانباً من روايته «الأفيال» ولم أكملها، لأننى فقدت النسخة، ولم أنس الرجل، بحثت فيما بعد عن روايته «الرجل الذى فقد ظله» و«زينب والعرش» وقرأتهما، وهما عملان كبيران، من الناحية الفنية، رواية «الرجل الذى فقد ظله»، تروى أحداثها شخصيات أربع، وكل شخصية تروى تفاصيل من تاريخ مصر، ورواية «زينب والعرش» تكمل الصورة، تروى تفاصيل ما جرى عقب صدور قانون تنظيم الصحافة فى العام 1960، وأزعم أن «فتحى غانم» قال كل شىء عن مهنة الصحافة فى زمانه، وزمانه امتد من أربعينات القرن العشرين، حتى نهايته «توفى فى 24 فبراير 1999» وهو من مواليد «24 مارس 1924»، وصف لنا العلاقة المتشابكة بين «الصحفى» «والسياسى»، ورسم الشخصيات الصانعة للدراما، كما يكون الوصف النفسى الدقيق، وباعتراف عميد الرواية العربية نجيب محفوظ فإن «فتحى غانم» روائى كبير، موهبته كبيرة، رؤاه عميقة، وشاءت الأقدار أن أمضى على طريقه الروائى، فكتبت روايتى «26 أبريل» وصدرت فى العام «2009» وكانت محل اهتمام الصحفيين المصريين، لأنها قدمت تفاصيل ما جرى فى أروقة الصحف المملوكة لرجال الأعمال، فإذا كانت «زينب والعرش» رسمت لنا مشهد انتقال «ملكية الصحف» من الأحزاب والأفراد، إلى «الحكومة» فإن روايتى «26 أبريل» رصدت لحظة ظهور «الصحف الخاصة» وقيام «الكوادر» الصحفية العاملة فى الصحف الحكومية، بتحرير هذه الصحف، ولم تنته قصتى مع فتحى غانم بل تواصلت مع روايتى «قهوة الصحافة» وفيها تأريخ موازٍ، للتأريخ الذى قدمته «زينب والعرش»، ولكن مع اختلاف فى الأسلوب والشكل الفنى، كانت «زينب والعرش» رواية التحول من الملكية الخاصة للملكية الحكومية، وكانت «قهوة الصحافة» رصداً للسياسة والصحافة فى الفترة الممتدة بين «1960» و«2011» ولكننى قدمت عشر شخصيات فى روايتى، تمثل شرائح الصحفيين العاملين فى الصحف الحكومية والحزبية، وهو الأمر الذى لم يكن موجوداً فى «زينب والعرش» ومن المهم القول، إن آخرين من الكتاب كتبوا عن عالم الصحافة المصرية، منهم الكاتب «محمود الوردانى» وله رواية «باب الخيمة» ترصد العلاقات بين الصحفيين فى مكتب صحيفة «خليجية» فى مدينة «القاهرة» والكاتب «عبدالوهاب داود» له رواية ترصد معاناة الصحفى فى المؤسسة الصحفية «ظهورات» ويبقى للكاتب الكبيرـ فتحى غانم فضل السبق، والريادة فى تحويل مجتمع الصحيفة إلى عالم روائى، وقدمت السينما له أفلاماً مهمة منها «الرجل الذى فقد ظله» و«الجبل» وقدمت له دراما التليفزيون «زينب والعرش» وشاركه فى كتابة السيناريو الكاتب الصحفى «صلاح حافظ» و«بنت من شبرا» وغيرها، لأنه رحمه الله كان يعرف المجتمع المصرى ويعرف تفاصيله ويمتلك الرؤية الإبداعية التى جعلته كاتبا من أهم من كتبوا الرواية.
يوسف السويفى.. الانتهازى الكبير الذى فقد ظله وخسر نفسه
فى مصر، يهوى الناس التلصص على كل شىء، يريدون أن يعرفوا «البذرة ومن زرعها» ويجدون متعة فى معرفة «الأصل الحى» أو الواقعى الذى يكتب منه وعنه الروائيون بالذات، وحكى الكاتب الرائد «يحيى حقى» مرة عن موقف اجتماعى محرج ومؤلم تعرض له فى بدايات كتابته «القصة القصيرة» على صفحات «السياسة» وهى صحيفة كانت مملوكة لحزب «الأحرار الدستوريون» قبل ثورة 23 يوليو 1952»، قال الكاتب الراحل إنه كتب أحداثاً حقيقية وضمنها إحدى قصصه، وقرأها أصحابها وعاتبوه، واعتبروه متجاوزاً حدود الأمانة والثقة، ومن يومها قرر رحمه الله أن لا يكتب قصة واقعية بنسبة مائة بالمائة، وما حدث للكاتب «يحيى حقى» حدث للكاتب «نجيب محفوظ» عقب صدور روايته «زقاق المدق»، فوجئ بأبناء «صاحب المقهى» يطاردونه، ويتوعدونه، لأنه قدم تفاصيل شخصية والدهم، وذكر أمراضه النفسية والاجتماعية التى كانت مجهولة لسكان الحى، ولما تحولت الرواية إلى فيلم سينمائى، كان المخرج ذكياً، وذكر هذه الأمراض النفسية بالصورة، فلم يرد ذكرها فى حوار، لكن ما كتبه محفوظ ظهر على هيئة صور، ووصلت الرسالة للجمهور، وبعد فوزه بجائزة نوبل، تذكر أبناء صاحب المقهى ما كتبه الروائى الكبير، وبدا من أحاديثهم الألم والغضب رغم مرور السنوات على صدور الرواية، ولم يسلم الكاتب الراحل «فتحى غانم» من هواة التلصص، ولما أصدر روايته «الرجل الذى فقد ظله» فى العام «1961» فوجئ بمن يقول إن «يوسف السويفى» بطل الرواية هو الكاتب الصحفى «محمد حسنين هيكل» والأسباب التى تدعم موقف هواة التلصص والتفتيش فى نوايا الروائيين موجودة، فالتعارف والتواصل بين «هيكل وغانم» معروف، وهما ينتميان لزمن واحد وجيل واحد، وهناك حديث منسوب للكاتب فتحى غانم قال فيه إن «هيكل» كانت عينه على «كرسى السلطان» بمعنى أنه منذ دخوله مهنة الصحافة كان يبحث عن «السلطة» والتمتع بالقرب والاقتراب منها، وهذا لا ينفيه هيكل فالرجل رحمه الله قال إنه تعلم الصحافة، واقترب من الوزراء والرؤساء وكان «ترجمان» الفكر الناصرى، أو بمعنى أدق حسب النص المنقول عن «عبدالناصر» الذى قاله «الراجل ده كأنه قاعد جوه دماغى» وكان المقصود هو هيكل والدماغ المقصود، هو دماغ «عبدالناصر»، ولم يكن فى الأمر سر، كان هيكل هو «قلم وعقل» عبدالناصر، لكن «يوسف السويفى» الذى رسمه فتحى غانم فى روايته «الرجل الذى فقد ظله» التى تحولت إلى فيلم سينمائى أخرجه «كمال الشيخ 1968» انتهازى، فارغ القلب والروح، معاق نفسياً، غير قادر على الحب، هو «نرجسى» مريض بعشق ذاته المريضة، ولا مكان فى قلبه للعلاقات الإنسانية، أو قرابة الدم، لا يهمه أخوه، ولا يهتم بوالده، كل ما يشغله هو «الصعود الاجتماعى» والهروب من الفقر، وعلى النقيض منه «شوقى» الفنان المثقف الراقى الطامح إلى بناء حياة أفضل وأجمل للجميع، و«يوسف السويفى» رغم صعوده المهنى، وترقيه الاجتماعى، لم يحقق شيئاً يضمن له احترام الآخرين أو احترام التاريخ، عاش ومات ولم يكسب شيئاً، عاش موصوماً بالانتهازية، مكروهاً من المحيطين به، وفقد ظله وخسر نفسه وأهال التراب، بنفسه على نفسه، وبقى «يوسف السويفى» شاهداً على عبقرية الروائى «فتحى غانم» الذى قدم من خلال هذه الشخصية المشوهة، تفاصيل عصر وحكاية نظام سياسى عاش المصريون فى ظله.
سهير رمزى.. النجمة التى استعادت نفسها فى زينب والعرش
كانت «سهير رمزى» نجمة إغراء، وقبلها كانت ممثلة أدوار ثانوية، وقبل الوقوف أمام الكاميرا، كانت مضيفة جوية، وعارضة أزياء، وهما وظيفتان تقومان على الأنوثة والجاذبية والجمال، وسهير رمزى، منحها الله قسطاً وافراً من الأنوثة والجمال، وهى نفسها «سهير محمد عبدالسلام نوح» ووالدتها هى الفنانة المطربة والممثلة «درية أحمد»، ومشوار «سهير رمزى» ارتبط بلحظة التحول السياسى والاقتصادى الذى عاشته مصر، التحول من «الناصرية» وتوجهات «القومية العربية» إلى «الساداتية» وسياسات «الانفتاح الاقتصادى» والابتعاد عن العروبة والقومية والذوبان فى الغرب الرأسمالى بزعامة ورعاية «واشنطن»، ورغم أن «سهير» قدمت دورين قصيرين فى فيلمى «ميرامار وثرثرة فوق النيل» إلا أن نجوميتها الحقيقية وجدتها مع يحيى العلمى فى حلقات «زينب والعرش»، المأخوذ عن رواية «فتحى غانم»، فى هذا المسلسل شاهدنا «الممثلة» سهير رمزى، وهى تعبر عن شخصية «زينب» وترسم صورة لها بانفعالات منضبطة دالة على موهبة حقيقية، ورغم عشرات الشخصيات التى قدمتها سهير إلا أن «زينب» فى هذا المسلسل عاشت فى وجدان الناس.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...
فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...
منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...
فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...