فريق تمثيل من الطراز الرفيع خلق الروح الشعبية فى الحارة

في الصعيد الأعلى عرفت كلمة الحارة من حكاية شعبية عن طفل يتيم تكفل به ولى أمره، وكان بين الحين والآخر يسأله لوعطيتك فلوس تعمل بها إيه ؟»..

وكان الطفل يجيب إنجيب صفارة ونلعب في الحارة».. فيسكت ولى الأمر، لأن الإجابة دلت على أن الطفل ما زال غير مدرك لقيمة الفلوس.. وبعد سنوات شاءت الظروف العائلية أن أركب القطار من محطة طما مع والدتى رحمها الله وأقضى فيه ست ساعات ولما وصلنا محطة بنى سويف كان الأهل في انتظارنا ومشينا في شارع طويل، ثم دخلنا حارة زكى وهي ضمن حي المرماح الشعبي في المدينة، وجئت للقاهرة وعشت في حارة عليش في عين شمس الغربية وعشت في حارة أخرى في المنيرة بحى إمبابة و عرفت الفارق بين الحارة العشوائية، والحارة الشعبية التقليدية.. الأولى نتجت عن تراكمات اقتصادية وسياسية جعلت أهالى الريف - في الشمال والجنوب يهربون من الفقر والبطالة إلى القاهرة والإسكندرية وهما مدينتان كبيرتان فيهما لقمة عيش» تكفى القادمين من القرى والنجوع والعزب، وهذا الكلام أقوله بمناسبة مسلسل الحارة الذي تعرضه قناة النيل للدراما، ومخرجه هو الراحل سامح عبد العزيز وهو من مواليد القاهرة في عام ١٩٧٦ وتوفى إلى رحمة الله في يوليو ۲۰۲۵ ، والجميل في المسلسل أنه جمع فريق تمثيل من الطراز الرفيع، صلاح عبدالله وسوسن بدر وسلوى محمد على وسيد رجب وعفاف شعيب وكريمة مختار ومحمود عبد المغنى وشهر الصايغ وفتوح أحمد ومحمد الصاوى ورانيا يوسف وهؤلاء هم من منحوا هذا المسلسل روحه الشعبية المصرية، والروح الشعبية هنا أقصد بها الموروث الحضاري والثقافي الذي جعل الشعب المصرى يواصل عطاءه وصموده رغم قسوة ما تعرض له من جوع واحتلال ونهب وقمع وإذلال.. في هذا المسلسل روح شعبية مصرية، فيها التحايل على المعايش وفيها الرضا بالمقسوم والجدعنة النسوية التي تمنحالرجال قدرة على الصبر والحياة.. النساء «الجدعان» هن اللاتى يصبرن على أمراض الأزواج، ويصبرن على قسوة الأهل، ويخترن أولادهن وبيوتهن ويقد من كل ما يستطعن في سبيل حماية العيال» من الضياع والسقوط.. وعلى مستوى الكتابة - السيناريو والقصة رسم أحمد عبدالله حارة حقيقية، حارة عشوائية أنتجتها ظروف السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، والتمثيل هنا راق وممتع، لأن الشخصيات مكتوبة حلو»، والفنانين لديهم مخزون يكفي لإقناعنا صلاح عبد الله وحمدى أحمد عاشا في بولاق الدكرور وبولاق أبو العلا، ويعرفان تفاصيل الحياة في مجتمع الحارة.. سوسن بدر وسلوى محمد على فنانتان من آخر قطفة في معهد الفنون المسرحية مسلسل «الحارة» عمل كبير يستحق المشاهدة، ورحم الله مخرجه الفنان سامح عبد العزيز.

بنت من شبرا.. حكاية عن الطليان فى شوارع القاهرة الملكية

قلت غير مرة إن فتحى غانم كاتب كبير، وقال عنه نجيب محفوظ إنه روانى كبير. وفتحى غانم صحافي كبير أيضا، له روايات رائعة قرأتها، بينها زينب والعرش، التي تحولت إلى مسلسل من إخراج يحيى العلمي، وفيه رسم غانم صورة دقيقة لمجتمع الصحافة في مرحلة التأميم التي تم بموجبها انتقال ملكية الصحف من الأفراد والأحزاب والشركات إلى الحكومة المصرية في عام ١٩٦٠.. ورواية الرجل الذي فقد ظله»، وهى عن صحفى انتهازي ينتمى إلى أسرة متوسطة الحال، ويستطيع الوصول إلى مرتبة كبيرة لدى السلطات الحاكمة، وهذا الوصول كان على حساب الأخلاق والقيم والمعانى التي يعتز بها الناس في مجتمعنا ويتمنون التمتع بها .. وروايات تلك الأيام والجبل، والغبى، وحكاية تو، وغيرها من الروايات والمجموعات القصصية التي نشرها غانم مسلسلة على صفحات مجلة صباح الخير وحققت متعة للقراء وكانت من أسباب ارتفاع أرقام توزيع المجلة... ولأن فتحى غانم عاش في مفصل تاریخی، مفصل الحرب العالمية الثانية وحرب فلسطين وثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ وعصر السادات، فقد رصد كل ما شهده المجتمع المصرى من تحولات، وكان عمله الصحفى ودراسته في كلية الحقوق وامتلاكه الجس الإبداعي السبب المباشر في قدرته على تصوير النفوس البشرية في لحظات قوتها ولحظات انهيارها.. في رواية بنت من شبرا» بدأ الكاتب الكبير روايته بعملية اختطاف منظمة لعقل القارئ هكذا:

واحدة من أجمل بنات شبرا في الثلاثينيات، وهي الآن بعد أكثر من نصف قرن جدة لصبي مراهق اسمه كريم صفوان نشرت الصحف اسمه أخيرا بمناسبة القبض عليه مع مجموعة شبان أعضاء في تنظيم سرى وصفوه بأنه متطرف، يسعى إلى أن يفرض على الناس أحكاماً شبيهة بتلك التي طبقها في قديم الزمان الحاكم بأمر الله الذي جعل الليل للعمل والنهار للنوم.

اختطاف القارئ عملية تستلزم من الكاتب القدرة على الجذب والجذب يكون باللغة الرشيقة والسرد الممتع الذي لا ترهل فيه ولا ترترة ولا رغى ولا وصف ولا نش ووجع دماغ من دون داع.. خطف فتحى غانم قارئ روايته بنت من شبراء لكن المخرج جمال عبد الحميد وقع في فخ الاستطراد والثرثرة والإزعاج والمط والتطويل والصداع، في حلقات المسلسل الذي يذاع هذه الأيام على قناة النيل للدراما، ربما يكون عبد الحميد يريد لنا العيش في ثلاثينيات القرن العشرين، ورأى أن الإيقاع البطىء كفيل بإعادتنا لذلك الزمان، لكن فاته أن هناك تفاصيل كثيرة يستطيع بها أن يضعنا في سياق زمن الرواية غير الإيقاع البطىء والرقص عمال على بطال، والرقصة الواحدة تستغرق نصف مدة الحلقة وبالطبع لن نتكلم عن فريق العمل واختيار الممثلين، لأن هذا فات وقته واللى حصل حصل ... لكن رغم هذا كله. فقد حاول فنانون أن يبثوا الروح الحلوة في المسلسل والحكاية تستحق المشاهدة لأنها تصف أحوال الطليان في شوارع القاهرة في العصر الملكى، والطليان يشبهوننا في كثير من العادات والسلوكيات.

ماجدة الرومى.. مطربة من زمن الشباب الأخضر

الشباب الأخضر هو شبابي الذي ولی، ولست حزيناً عليه، لكنني حزين على مجموعة الأحلام التي حلمتها مع غيري نحن الجيل الذي تفتحت عيناه على انتفاضة الحجارة في فلسطين وكنا سعداء بما يقوم به الشباب الفلسطيني، ونحن من شهد مقاومة لبنان للعدو الإسرائيلي الذي اجتاح بيروت، ونحن من خرجنا لندعم المقاومة الفلسطينية المطرودة من لبنان إلى تونس، خرجنا لتشاور بأيدينا الرجال البندقية الفلسطينية على رصيف ميناء بورسعيد ونحن الجيل الذي سمع الشيخ إمام، واستمع لنشرات في التليفزيون تتحدث عن بريجنيف وجور با تشوف في بلد كان يسمى الاتحاد السوفييتي، ونحن جيل عودة الابن الضال، جيل ماجدة الرومي، لأن فيروز أمتعتنا بالغناء للقدس، لكن ماجدة الرومي كانت شابة في مثل عمرنا وتغنت بكلمات صلاح جاهين التي وصف فيها حزنه الخاص «ساعات أقوم الصبح قلبي حزين أبص م الشباك يا خدني الحنين..... هذه كلمات كتبها جاهين، ولولا ماجدة الرومى ما دخلت قلوبنا.

حزنت من أجل ماجدة الرومي لأنها تعرضت لهجوم عنيف من قطعان الصيع» على مواقع التواصل الاجتماعي.. سخروا من حزنها على زياد رحباني ونحن ترد لهم - الصاع صاعين - ونقول:

عشت یا ست ماجدة.. يا مطربة جيلنا الحزين.

 

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

احتفاء فنى وصدام سياسى غزة تخطف الأضواء فى «برلين»

شهد مهرجان برلين السينمائي الدولى (برليناله) مساء السبت 21 فبراير 2026 أمسية ختامية حملت أبعادا سياسية واضحة، بعدما منحت لجنة...

شهر رمضان.. مناسبة دينية ذات طابع قومى

مشاهد مسرحية وأغان مصرية

القاهرة الكبرى تستعيد رموز الثقافة المصرية فى ليالى رمضان

الإذاعى الكبير - محمد عبد العزيز - رئيس إذاعة القاهرة الكبرى، جعل هذه الإذاعة هي الكبرى بين الشبكات والمحطات الإذاعية...

عندما اكتشفت وردة أنها بوسطجى الغرام بين الأبنودى ونهال كمال

أوراق الوردة (18) لماذا قاطعها عمار الشريعى 7 سنوات وحلمى بكر 12 سنة؟ وردة بعد بليغ: كشف حساب للنجاحات والإخفاقات...


مقالات

سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص
كيف تستثمر رمضان من أجل صحة أفضل؟
  • السبت، 07 مارس 2026 01:00 م
أثر النبي
  • السبت، 07 مارس 2026 09:00 ص
فتح القدس وبناء المسجد الأقصى
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:02 م
الصيام وتأثيره العميق على الدماغ
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:00 م