طريقة صُنع «قنبلة» لغسل الأدمغة وتزييف التاريخ
لا يمكن أن يتطرق فيلم أمريكى لذكر يهودى إلا ويتضمن ذلك دس مفهوم ما فى محتوى العمل لتشكيل الوعى العالمى المناصر للأفكار الأمريكية، وهى فى معظمها أفكار إجرامية ترقى إلى جرائم الحرب، وتُضاف إلى قائمة طويلة بدأتها بإبادة شعوب سمتهم بالهنود الحمر، ولا هم هنود ولا هم حمر.
و»اوبنهايمر» عبارة عن فيلم سيرة ذاتية تبرر أمريكا من خلاله ما ارتكبته من جرائم قتل عمد لأكثر من 200 ألف مواطن يابانى برىء، ألقت عليهم قنبلة ذرية لتجبر اليابان على قبول شروطها، والاستسلام استسلاماً نهائياً دون شروط، بعد أن كانت اليابان انسحبت وتراجعت من كل المعارك، وكانت على مشارف الاتفاق على الاستسلام بشروط، ولكن كيف لأمريكا أن تقبل شروطاً من اليابان؟!؛ ولِمَ لا تستعرض قدراتها على القتل والتنكيل بعدوها، استعراضاً كان نتيجته إبادة جماعية لمدينتين من أجمل مدن اليابان، راح ضحيتها أكثر 200 ألف مواطن يابانى، والآن فى فيلم «اوبنهايمر» تقدم أمريكا تبريراً ضمنياً داخل فكرة درامية للعالم اليهودى الذى عُرف بأبو القنبلة الذرية «اوبنهايمر».
كيف يمكن أن يكون إلقاء قنبلة على أبرياء وقتل الآلاف عمل نبيل، هل يمكن أن يُغفر له إنه صانع القنبلة، حتى وإن كان يشعر بالندم، كان يعلم أنها ستُوَّجّه لقتل الآلاف من البشر، وكان يحتفل بإنجازه؛ لا نتعاطف مع قتلة الأبرياء مهما كان دافعهم وتصوراتهم وأهدافهم، ولكن هذا ما فعله فيلم اوبنهايمر؛ كل من شاهده خرج من الفيلم يحكى التاريخ كما أرادته أمريكا، وكما يراه قاذفو القنبلة الذرية قتلة الأبرياء.
من لا يعرف اوبنهايمر فهو عالم الفيزياء الملقب بأبو القنبلة النووية، تلك القنبلة التى ألقيت على هيروشيما وناجازاكى فى اليابان، فدمرت المدينة بأكملها، ولم تترك فيها أى أثر للحياة؛ كل شىء مات، أشجار وحيوانات، وكل شىء حى لقى حتفه فى لمحة بصر، ولم ينته تأثيرها إلى حد قتل كل الكائنات الحية، بل تركت القنبلة أثرها الإشعاعى على المحبط البيئى، ولوثت الماء والهواء، وشوهت أجيالاً وُلدت بعيوب خلقية؛ نتيجة تعرضها للإشعاع.
ليس جديداً على أمريكا أن تستخدم السينما للتضليل والتوجيه وغسل الأدمغة؛ بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وبعد انتشار أسلحة الدمار الشامل، وامتلاك القوتين العظميين؛ لفتت السينما انتباه العالم إليها كسلاح ناعم، لتغيير توجهات وأيديولوجيات التفكير عند الشعوب، فاستغلت أمريكا السينما على مدار السنين منذ إعلان إقامة دولة الكيان الصهيونى، فكتبت التاريخ كما تريده، فقدمت الضحايا إرهابيين، وجعلت من المحتل محرراً ومخلصاً للشعوب.
وفيلم «اوبنهايمر» مثال على كيفية دس السم فى العسل، فى هذا الفيلم نتقبل توجهاً جديداً لكتابة تاريخ أمريكا الملوث بدماء الأبرياء، وتقديم التبريرات على أفعالها، فتغض الطرف عن الفظائع التى تسببت فيها، وتستعطف الشعوب بتضخيم بعض الأفعال التى يمكن أن تسهم فى غض البصر، وتبرير قتل مئات الآلاف من الأبرياء، على الرغم من دعوة اوبنهايمر المستمرة للسلام عامة، وللسلام النووى خاصة، وكذلك دعوته للابتعاد عن سباقات التسلح النووى فى العالم، إلا أنه دعم تطوير برنامج التسلح النووى الإسرائيلى، وكانت بداية ذلك سنة 1947م، أى قبل تأسيس دولة الاحتلال الإسرائيلى، وذلك حينما التقى به حاييم وايزمان - الذى أصبح فيما بعد أول رئيس إسرائيلي- فى مدينة برينستون فى ولاية نيوجيرسي؛ حيث سَعَت القيادات الإسرائيلية منذ البداية إلى اجتذابه، وكسب تعاطفه تجاه مصالحهم، وكذلك بالنسبة لباقى العلماء المشاركين فى صناعة القنبلة الذرية فى مشروع مانهاتن.
فى الدقيقه 14 من الفيلم نرى بطل الفيلم اوبنهايمر العبقرى يناقش صديقه الدكتور الأمريكى اليهودى ايذيدور رابى أثناء وجودهما فى هولندا، ويتباهى بأنه تعّلَّم الهولندية فى ستة أسابيع، بينما لم يتعلم لغته الأم يقصد بها اللغة العبرية، يحاول الفيلم أن يقدم لنا شخصية المخرج على أنه اليهودى الذى لا يهتم بكونه يهودياً، بقدر اهتمامه بالعلم واهتمامه بالسلام، وهو عكس الحقيقة، حيث عُرف عن اوبنهايمر بأنه كان داعماً لتسليح إسرائيل نووياً، ويؤكد على معاناة اليهود فى أوروبا، فيقول دكتور رابى لاوبنهايمر - هل شعرت يوماً أن أمثالنا ليس مرحباً بهم بالكامل هنا؟!؛ يقصد فى هولندا وألمانيا قبيل إندلاع الحرب العالمية الثانية.
ويظل يقدم لنا الفيلم كيف تم استدراج هذا العالم المسالم الذى يُعجب بمفكرين مثل: فرويد وماركس وفنانين مثل بيكاسو واليوت، ويستمع إلى الموسيقى ويفندها ويتلذذ بها، يدخل سباق التسلح النووى، يسعى لعمل قنبلة ذرية، قبل أن تستحوذ عليها قيادات النازية متحمساً لذلك، كما قال فى الدقيقة ٣٦، بأن آينشتاين ومجموعة من العلماء حذروا من احتمالية امتلاك ألمانيا لقنبلة نووية؛ إذن لديه دوافع أخلاقية، ولكنه ينساها تماماً مثل ما نسى وفى لحظة جنون دس سم السيانيد فى تفاحة لمعلمه، لأنه منعه من حضور ندوة، تزييف، فلم يكن العالم يعرف وقتها بأن هناك قنبلة نووية ستُخترع، ويقدم اوبنهايمر دافعه الأول فى المساهمة فى مشروع اختراع القنبلة النووية؛ لأن شعبه محتجز فى معسكرات النازية.. إذن اوبنهايمر مجاهد يصنع قنبلة نووية ليحرر شعبة اليهودى من معسكرات النازية، وهنا يحذره أصدقاؤه بأنه ساذج، وأنه محاط بحزمة من الشيوعيين الذين قد يضرون بمستقبله العلمي؛ حبيبته شيوعية انضمت للحزب الشيوعى، وأخيه وزوجة أخيه وزوجته التى فقدت زوجها الأول فى إسبانيا أثناء إلتحاقه بالمعارضة هناك.
يستمر اوبنهايمر خلال أحداث الفيلم فى تبرير سلوكه ونواياه، للتأكيد أنه شخصية مسالمة، يفكر كثيراً فى صالح الإنسانية، واهتمامه بمصلحة الإنسانية، سواء كان ذلك لمواجهة التغول النازى، أو لإنهاء الحرب وإعادة الجنود الأمريكان إلى البلاد، مروراً بمناصرته لتلاميذه وصديقه وتضحياته من أجل حبيبته التى رفض مساعدتها لحبه لبلاده وإخلاصه لزوجته؛ وهذا عكس ما عُرف عن اوبنهايمر الذى كان معروفاً عنه إنه زير نساء، وأنه لا يبالى بمشاعر زوجته، بل كان يصارحها بمغامراته، فهو على المستوى الأسرى مستهتر، غير مستقر، ولكنه كان يعشق الفيزياء وعلوم الذرة والطاقة الكمية والإنشطارية.
خلطة «نولان»
قدم المخرج كريستوفر نولان شخصيه اوبنهايمر العالم السياسى المتفانى فى عمله، يقف أمام لجنة تحقيق واستجواب ليدافع عن نفسه، ويبرر كل سلوكياته أمام لجنة تتهمه بالخيانة والتجسس لصالح العدو الروسى، يقف أمام اللجنة معتزاً بشخصيته وما قدمه لبلاده، ويمزقه شعوره بالأسى، وهو يدافع عن نفسه، حتى لا يتعرض لسحب رخصته التى كانت تتيح له الإطلاع على الأسرار فى مختبر لوس الاموس فى ولايه نيومكسيكو؛ حيث أقيم مشروع مانهاتن، وكان هو المشرف على صنع القنبلة النووية، تلك التى ألقيت على مدينتى هيروشيما وناجازاكى فى اليابان عام 1945، فى نهاية الحرب العالمية الثانية.
قدم المخرج بطل الفيلم، اوبنهايمر شخصية هادئة ذكية، لديها فكر إنسانى ومبادئ أخلاقية، يعيش صراعاً بين العلم والأخلاق والمفارقة التى جعلته عالماً عبقرياً يسعى إلى تقديم اختراع، المفترض أنه يخدم البشرية، ويمنع الحروب، ويمنع قتل الأبرياء، فى حين استخدم اختراعه لقتل الأبرياء، فيقضى اوبنهايمر سنواته الباقية محاولاً التكفير عما فعله، فتحاكمه الدولة الأمريكية على نواياه، وتسحب منه رخصته وتحرمه من الإشراف على أى أبحاث تُقام فى مشروع منهاتن؛ هنا نصل إلى ذروة التعاطف مع صانع قنبلة ذرية، قتلت مئات الآلاف فى سويعات، صنعها وجربها ووافق عليها، وهو يعلم أنها ستُسخدم لقتل مواطنين أبرياء، وشارك فى لجنة منوط بها تحديد مكان وساعة إلقاء القنبلة، واختار مدينة هيروشيما.
استطاع المخرج بقدراته على اكتساب تعاطف المشاهدين مع شخصية اوبنهايمر فرغم أنه كان موافقاً على إلقاء القنبلة على اليابان، وشارك فى اختيار المكان والمدينة التى سيُلقى عليها، وكان يعلم بالموعد الذى سيلقى فيه القنبلة الأولى والثانية، إلا أنه تحول إلى إنسان نادم، وكان يدعو العالم للابتعاد عن التسلح النووى، والعودة إلى الدعوة للسلام، فظلت كل المشاهد متتالية تؤكد على إنسانية اوبنهايمر حتى نهاية الفيلم؛ فكان هو الشخص المسالم الذى يمد يده ويسافر ويصافح عدوه، الذى كان صديقه يوماً ما، ولكنه شهد ضده أمام لجنة التحقيق، ونكتشف أنه كان ضحية مؤامرات أقرب أصدقائه وتلاميذه الذين كانوا يستفيدون منه، ويضمرون الحقد، والحسد يملأ قلوبهم.
الفيلم إخراجياً يعطى انطباعاً تأملياً فى البداية، ويضعنا المخرج أمام شخصية تُحاكم، ونعود معه لنتعرف على ماضيه منذ أن كان طالباً، حتى أُلقيت القنبلة، وأتم المهمة، وكان هناك محاكمة أخرى، واستجواب آخر لدكتور وصديق لـ«اوبنهايمر» ونعود معه هو الآخر لنتعرف على البيئة التى كانت تحيط بـ«اوبنهايمر»، وكيف يراه الآخرون حوله ممن عاشرهم واتفق معهم أو اختلف معهم، استخدم نولان تقنياته المعتادة فى الإضاءة والكاميرات المحمولة، ومواقع التصوير الحقيقية، والتقاطعات الزمنية المختلفة، ونجح فى رسم شخصية البطل، وبناء هويته المضطربة عاطفياً، والغامضة أخلاقياً، وتواجه مخاوف وقلق وشعور بالذنب والغيرة.
وحصلت ملحمة كريستوفر نولان عن القنبلة الذرية على ثمانية ترشيحات، مقارنة بتسعة لفيلم «باربى»، الذى حقق نجاحاً كبيراً فى شباك التذاكر؛ وفاز اوبنهايمر بخمسه جوائز جولدن كلوب، أفضل مخرج فيلم درامى، أفضل فيلم درامى، أفضل ممثل رئيسى فى فيلم درامى كيليان نرفى، وأفضل ممثل مساعد فى فيلم درامى روبرت داونى جونيور، وأفضل موسيقى ومن ثم يتأهل لسباق الأوسكار.
الفيلم طويل مدته ثلاث ساعات، ويُعتبر تحدياً لمن يحب السينما؛ ويستمتع بها أو يكون من محبى الأفلام العلمية أو التاريخية، ويحب أن يتعرف على قصة اوبنهايمر، بداية من كوابيسه وملاحقة الإف بى إيه له، واتهامه بالشيوعية، أو بالجاسوسية، أو عميل لروسيا، وتسلله إلى أخطر المواقع، خاصة أنه من أصول ألمانية، ودرس وحصل على الدكتوراة فى ألمانيا، والعلاقات التى ربطت بين اوبنهايمر ومسئولين أمريكيين من ذوى الشأن مثل لويس اشتراوس، الذى قام بدور روبرت داونى جونيور الذى كان العداء بينه وبين اوبنهايمر لأسباب نفسية، يفاجئنا بها أثناء تسلسل الأحداث.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يواصل الفنان عمرو سعد تصوير مشاهد مسلسله «إفراج »، وصوّر بعض مشاهد المطاردات فى شوارع القلعة الأسبوع الماضى.
عاد الفنان طارق لطفى لتصوير مشاهد مسلسله «فرصة أخيرة »، الذى ينافس به فى الموسم الرمضانى.
يواصل صناع مسلسل «صحاب الأرض » تصوير مشاهده فى مدينة الإنتاج الإعلامى.
يعود الفنان اللبنانى معتصم النهار إلى القاهرة بعد عيد الفطر المبارك مباشرة، لاستكمال تصوير مشاهده فى فيلم «نصيب »، الذى...