إحسان عبدالقدوس واحد من صناع القصة السينمائية المهمومين بنقد المجتمع الراقي

كان «إحسان محمد عبدالقدوس» عجيبة من عجائب الزمن المصرى، أبوه «فنان» ومهندس طرق وكبارى فى الوقت ذاته،

 وجده «أحمد رضوان» شيخ أزهرى من العاملين فى المحاكم الشرعية، التى كانت مختصة بقضايا الأحوال الشخصية حتى خمسينات القرن الماضى وجرى إلغاؤها وتقوم «محكمة الأسرة» فى الوقت الحالى بمهامها، وكانت أم إحسان فنانة مسرح، تفتح بيتها للفنانين والمثقفين وتقيم الندوات الفكرية، ووقع الانفصال «الطلاق» بين أبيه الفنان وأمه الفنانة وهو جنين فى بطنها، وعقب خروجه للحياة تعهد جده «الشيخ أحمد رضوان» بتربيته وتعليمه، وكبر الشاب إحسان وأصبح يلتقى أمه، ويعرف تفاصيل حياتها، وبعد أن أصبح عمره ست سنوات، أنشأت مجلة «روزاليوسف» التى تحولت إلى منبر ديمقراطى ينحاز لحزب الوفد «إحسان من مواليد يناير 1919» وكل هذه «الخلطة الثقافية الإنسانية» شكلت تجربة هذا الكاتب الكبير، الذى تخرج فى كلية الحقوق وفشل فى مهنة المحاماة، فوجد نفسه فى مهنة الصحافة، وكانت «روزاليوسف» المدرسة الصحفية المصرية الروح والانحياز، التى علمته وهذبت قلمه وجعلته مؤثراً فى السياسة والفن، فهو تربى وسط قادة المهنة الذين قامت «روزاليوسف» على أكتافهم، ومنهم عباس العقاد وكامل الشناوى ومحمد التابعى وفيما بعد تولى إحسان عبدالقدوس رئاسة تحرير هذه المجلة العريقة، ونشر رواياته مسلسلة على صفحاتها، ومنها دخل «دهاليز السياسة» فى الفترة التى شهدت تحلل وانهيار «العائلة المالكة»، وكانت «حرب فلسطين 1948» نقطة انطلاقه السياسية، والتقائه مع «الضباط الأحرار» وهو الذى فجر قضية الأسلحة الفاسدة التى كانت من ضمن أسباب هزيمة الجيش المصرى فى معاركه ضد العصابات الصهيونية على أرض فلسطين العربية، وكان على موعد مع السينما الروائية المصرية، فكتب الروايات والقصص التى تم تحويلها إلى أفلام، وشارك فى كتابة سيناريوهات أفلام مأخوذة عن رواياته، وكان عالم «المجتمع الراقى» هو «مجتمع إبداعه» أو «عالمه» الذى يقدمه فى رواياته وقصصه القصيرة، فهو بحكم حياته عرف سكان «الزمالك، جاردن سيتى، مصر الجديدة» وكتب عن حيواتهم بدقة، وعرف مجتمع الساسة والمثقفين والصحفيين وأمراء العائلة المالكة ضباط الجيش «قبل وبعد 23 يوليو 1952»، وامتلك جرأة النقد، كتب بكل قوة عن أخلاق الطبقة الراقية، وكشف أمراضها الاجتماعية، وللقارئ نقول: شاهد فيلم «لا أنام» لتعرف «كواليس» الطبقة الراقية فى أربعينات وخمسينات القرن الماضى، وشاهد فيلم «النظارة السوداء» لتعرف «الفراغ الروحى» والحرمان العاطفى الذى تعانيه الفتاة فى هذه الشريحة التى تجيد التباهى الاجتماعى واستعراض الثروة، ولا تجيد تربية بناتها ومنحهن العاطفة الصادقة التى تجعلهن مشبعات، متوازات، قادرات على العمل فى سياق القانون والعرف الاجتماعى، وشاهد فيلم «أنا لا أكذب ولكنى أتجمل» لتعرف «زيف الخطاب» الذى تتبناه هذه الطبقة الغنية المثقفة، التى رفضت الاعتراف بالمجهود العلمى الذى ارتقى به «ابن التربى» حفار القبورـ ورفضت دخوله عالمها المخملى «الفيلم بطولة آثار الحكيم وأحمد زكى وناهد سمير وأحمد الجزيرى وزهرة العلا وصلاح ذوالفقار»، ولما اتهم الناس الكاتب الكبير إحسان عبدالقدوس بأنه يعادى «الأخلاق» ويتعرض لقضية «الجنس» فى المجتمع الراقى، قال إنه ليس وحده الذى كتب فى هذه القضية، لكن «الجرأة» فى التناول، هى التى جعلته مستهدفاً، وجعلته فى مرمى نيران الأقلام الرجعية، والحقيقة التى لا يمكن إنكارها أن هذا الكاتب الكبير الذى منح السينما الروائية المصرية روايات وسيناريوهات مهمة هى أنه كان يؤمن بالحرية، إيماناً حقيقياً، وبسبب هذا الإيمان اعتُقل وقضى فى السجن الحربى شهوراً، قضاها فى الحبس الانفرادى، بسبب انتقاده الضباط الأحرار بمقالة «الجمعية السرية التى تحكم مصر» فى خمسينات القرن الماضى، رغم أنه كان صوت «الأحرار» ومهّد لظهورهم على صفحات «روزاليوسف» قبل 23 يوليو 1952.

25 يناير 1952.. يوم فاصل فى تاريخ الفن المصرى الوطنى

فى يوم «25 يناير 1952» طويت صفحة من تاريخ مصر، وكتب دم «جنود الشرطة» صفحة جديدة، والذى حدث فى ذلك اليوم هو قيام «إكسهام» القائد البريطانى، بقصف مبنى «محافظة الإسماعيلية» وبداخلها «بلوكات الأمن» وهم شباب مجندون «الأمن المركزى حاليا» وتلقى «مصطفى رفعت» قائد القوة المصرية أمراً من «فؤاد سراج الدين باشا» وزير الداخلية بالدفاع عن المبنى حتى آخر طلقة ذخيرة، وقاوم الرجال البواسل حتى آخر طلقة، واستشهد منهم خمسون، وفى اليوم التالى تفجر الغضب الشعبى فى شوارع القاهرة، واختلط الحابل بالنابل، وأحرقت القاهرة بفعل فاعل «ما زال مجهولاً..!» معلوم للشعب كله، وهذا الفاعل هو بريطانيا وفاروق وجماعة «بيت الحرية» التابعة للمخابرات البريطانية، وهذا الحدث الذى قضى على حكم الملك فاروق، وقضى على حزب الوفد وحكومة النحاس، مهّد الطريق للجيش المصرى ليتدخل فى الشأن السياسى وينجز «البرنامج الوطنى» الذى عجزت القوى الوطنية عن إنجازه بالصندوق والصحيفة والبرلمان، والفن المصرى لم يكن بعيداً عن ذلك اليوم، بل إن أفلاماً سينمائية رصدته وسجلته، منها فيلم «الباب المفتوح» الذى كتبت قصته «دكتورة لطيفة الزيات» وفيه مشهد الشبان المساجين الذين يتحدثون عن «الحريق» ومشهد آخر لنفس الشبان وهم يتبادلون التهانى بنجاح ثورة الجيش، وهؤلاء الشبان هم أنفسهم «الفدائيون» الذين كانوا يخوضون حرب التحرير الشعبية فى قاعدة قناة السويس ضد الجيش البريطانى، بدعم من الشرطة و«الضباط الأحرار»، حسب ما رواه «كمال رفعت» الضابط الوطنى المكلف مع آخرين بتدريب الفدائيين وإمدادهم بالسلاح والذخيرة، وفيلم «لا وقت للحب» الذى كتب قصته «يوسف إدريس» وروى فيه قصة «كتائب التحرير» التى كبدت المحتل البريطانى الخسائر الفادحة، ومهدت لثورة الجيش فى 23 يوليو 1952، وكان الفنانون الوطنيون حريصين على توثيق تلك الفترة المضطربة من تاريخنا المعاصر، بهدف تقديم شهادة للتاريخ، ومنها فيلم «الله معنا» و«فى بيتنا رجل» و«غروب وشروق» والمشترك بين هذه الأفلام هو الحرص على تقديم رؤى وطنية لما حدث فى الأعوام الحرجة «1950، 1951، 1952» وهى الأعوام التى شهدت مواجهات عنيفة بين القوى الوطنية المصرية والاستعمار البريطانى وأعوانه، وفى ستينات القرن الماضى قامت «هيئة السينما» بإنتاج فيلم «الشوارع الخلفية» الذى كتب قصته «عبدالرحمن الشرقاوى» ورغم أنه يحكى عن انتفاضة 1935 التى فجرها الطلبة، إلا أن هذا «الخط الوطنى» فى السينما المصرية ما كان له أن يخرج للنور، لولا دم شهداء الإسماعيلية من جنود «بلوكات الأمن» ودم شهداء حريق القاهرة الذين بلغ عددهم خمسين شهيداً.

سميرة أحمد..

أجبرتها الظروف العائلية القاسية على احتراف التمثيل!

فى مقر «الإذاعة والتليفزيون» فى «مبنى ملحق دار الهلال» رأيت الفنانة الكبيرة «سميرة أحمد» مع فريق عمل مسلسل قامت ببطولته فى رمضان، وكنا فى تلك الفترة نقيم ندوات لمناقشة الأعمال التليفزيونية، يحضرها أبطال هذه الأعمال والمخرجون، وكان المخرج إسماعيل عبدالحافظ، حاضراً رحمه الله بواسع رحمته وأتذكر أننى تناولت المسلسل بالتحليل، ولقى ما قلته إعجاب الحاضرين من الفنانين، وما يهمنى هنا، أن أقول إننى من عشاق أداء الفنانة «سميرة أحمد» الهادئ، الطبيعى، الخالى من المبالغة، ولعل فيلم «قنديل أم هاشم» يعبر عن ما قصدته، فهى الفتاة الشعبية الراضية بالقسمة والنصيب التى تقبل العلاج الشعبى لمرض فى عينيها، وتكون النتيجة فقدانها نعمة البصر، والمشاهد لأداء سميرة أحمد هذه «الشخصية الدرامية» المكتوبة بحرفية «الرائد المعلم يحيى حقى» يعرف أنها فنانه «التمثيل الهامس»، ومن يشاهدها فى فيلم «ريا وسكينة» وهى تؤدى دور فتاة سكندرية، سوف يظن أنها من المدينة الساحلية ذات الخصوصية الثقافية، ودورها فى فيلم «الخرساء» دليل آخر على موهبة هذه الفنانة الكبيرة، وهى صعيدية، قيل إنها من «أسيوط» وقيل من «المنيا» وأنا أرجح انتماءها للمنيا، وكان والدها «خطاطاً» يعمل فى «محكمة استئناف أسيوط» فى «أسيوط» وضعف بصره ولم يكن أمام «سميرة» و«خيرية» غير العمل، وشاءت الأقدار أن يكون العمل فى مهنة «كومبارس سينما» وبمرور الأيام انتقلت «هى وخيرية» من طبقة «الكومبارس» إلى طبقة النجمات وهذا من حسن حظنا بالطبع.

Katen Doe

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

محسنة

المزيد من فن

(بوسي..رحلة البحث عن الجمال الخفي) كتاب جديد للكاتبة الصحفية هبة محمد علي

يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...

صورة من قريب للناقد الـذى خسر العالم وربح نفسه

فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...

أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ فى قلب معــــركة السد العالى

منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...

جوائز الجولدن جلوب هيمنة سينمائية.. مفاجآت تليفزيونية.. ومواهب جديدة

فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص