لا صوت يعلو الآن فوق صوت المعركة.. هذه الكلمات لم تكن يوما مجرد شعار، ولم تزل واقعا يصمت أمامه الجميع ربما فى عجب، وربما فى دهشة لكن بإعجاب..
الآن بعد كل هذه السنوات من العبث والتشويه تعود قضية القدس وأهل فلسطين إلى واجهة المشهد، وأمام جلال ما يحدث فى غزة تصمت الموسيقى أو تنزوى قليلا.. هذا ليس وقت الحب أو وقت الغناء له.. الجميع، حتى أولئك الأطفال الذين أغرقناهم فى بحر ألعاب الموبايل، عادوا إلى مسيرة أجدادهم يقرأون الخرائط مجددا ويذكرون اسم فلسطين.
ما جرى كان مباغتا ومفاجئا للجميع، لا للصهاينة فقط.. لم يدهش المهتمين بالسياسة والجغرافيا والحدود والاقتصاد وفقط.. لكنه فاجأ أهل الموسيقى أيضا، فأربك كل خططهم وحساباتهم، وأوقف أى نغمة مختلفة أو متحاوزة.. فالكل يبحث عن نشرة الأخبار.
آخر تجليات ما حدث.. قررت الوزيرة د.نيفين الكيلانى تأجيل مؤتمر مهرجان الموسيقى العربية فى دورته الثالثة والثلاثين بعد تمام الإعداد لها وإقامة مؤتمر صحفى بالأوبرا أعلن فيه د.خالد داغر رئيسها وهانى فرحات رئيس المهرجان ود.رشا طموم رئيس المؤتمر العلمى تفاصيل لياليه كاملة.. ونشرت الأوبرا على صفحاتها مواعيد الحفلات وأماكنها فى القاهرة والإسكندرية ودمنهور، متضمنة أيضا الاحتفاء والاحتفال بمئوية سيد درويش. ورغم أن جدول جلسات المؤتمر العلمى كان يضم فى إحدى الندوات بمعهد الموسيقى برمسيس ندوة عن أغنية المقاومة الفلسطينية، فإن تداعى الأحداث وحصار غزة وتعرضها لقصف يومى، وتوتر المنطقة بكاملها وارتباك خطوط الطيران من ناحية، وعدم لياقة إقامة المهرجان فى موعده المعلن عنه من ناحية أخرى، دفع وزارة الثقافة لاتخاذ موقفها الأخير بإعلان تأجيل المهرجان وفعالياته كاملة لموعد لاحق لم يعلن عنه.. وربما لن يعلن عنه قريبا.
فواكه أصالة تتراجع
قبيل انفجار الأحداث فى فلسطين المحتلة كانت المطربة السورية أصالة قد أعدت عدتها تماما للانقضاض على موسم "الخريف"، واحتلال المقدمة بمجموعة من الأغنيات أعلنت أنها الجزء الأول من ألبومها الجديد "لحقت نفسى".. الذى تتعاون فيه مع عدد كبير من الموسيقيين الشبان فى مصر والعالم العربى. أصالة أطلقت مينى ألبوم.. وصورت برومو يجمع هذه الأغنيات حصد الملايين من المشاهدين التى رحب أصحابها بجديد أصالة وفى مقدمته أغنية لحنها مصطفى العسال صاحب التجربة السابقة "خانة الذكريات".
العسال.. اختار لتجربته هذه المرة شكلا شعبيا وسماها "مانجة".. ذلك الشكل الذى اعتمدته أصالة مؤخرا وفى أكثر من تجربة بات أحد عناصر إطلالاتها المتتالية.. بداية من "منازل" من كلمات أحمد مرزوق وألحان محمد رحيم، مرورا بأغنيتها الأشهر فى هذا السياق "بنت أكابر" من ألحان محمود الخيامى.
أغنية أصالة الجديدة تعتمد نهج الغناء البلدى.. وهو نوع من الغناء الشعبى المصرى "الحراق"، تنتقى فيه مفردات شعبية صرفة، وموسيقى مصرية شعبية تليق بها ولا تخلو من طرب بلدى بديع سمح لها بأن تحصد فى أسبوعين ما يقرب من أربعة ملايين مشاهدة عبر اليوتيوب..
"يا زينة الفواكه يا مانجة
هتحبنى ولا أطخ روحى بطبنجة
تمشى على الأرض التراب يتحول حنة
والنور لو قاطع بنشوفك قمر ما بينا
لمينا عزالنا لما ناديت
ووراك عزلنا.. إلخ"..
تلك الكلمات التى كتبها مصطفى حسنى كان من الممكن أن تذهب إلى جمهورها فى أفراح المصريين وملاهى ومتنزهات القاهرة، فيما تحتفظ بباقى الأغنيات العادية وبعضها فيه تجارب موسيقية مبهرة كما هو الحال فى لحن الموهوب كريم نيازى "لما بنتجاهل" .. لكن أحدا لم يتوقف كثيرا أمام باقى أغنيات الألبوم فقد داهمت أحداث غزة "اليوتيوب" نفسه، وصار الجميع فى العالم يبحثون عن أصوات الصواريخ وأنات الجرحى والعطاشى.. لتتوارى أصالة مؤقتا ومعها أغنياتها التى أعدت لها على مدار عام كامل.
هانى شاكر واليخت المنحوس
منذ ترك الفنان هانى شاكر موقعه فى نقابة الموسيقيين وهو يحاول البحث عن أغنية تعيده إلى الناس مطربا بعيدا عن خناقات النقابة التى استنزفته لفترة طويلة.. لكن تجربتيه السابقتين لم تحققا له ما أراد، فذهب مجددا إلى صناع الموسيقى الرائجة وأحدهم الملحن الشاب مصطفى شكرى، الذى صاغ له لحنا يستدعى كلمات قادمة من "الحوارى" عن ندب الحظ والشكوى من الزمن والبخت المايل، وربما لم ينتبه "أمير الغناء العربى" إلى أن اسم أغنيته يحمل اسم أغنية هى الأشهر لمطرب الراب "ويجز"..
"قليل البخث لو سافر بلاد البخت
هيرجع برضه شايل نحسه فى يخت
وإيده ع الدهب تتحط يبقى تراب
يخبط ع الحظوظ تقفل فى وشه الباب
فيه ناس حظوظها السما.. وناس
حظوظها تحت"..
ولم تحظ أغنية الأمير بالمليون الأولى قبل أن تختفى تماما.. فى انتظار محاولة جديدة ربما لن تحدث قريبا.
دويتو منير والحجار وعودة آمال ماهر
رغم علاقتهما الطويلة والممتدة عبر ما يزيد على أربعين سنة من الغناء الذى جمعها فى ملاهى شارع الهرم مطلع ثمانينات القرن الماضى برفقة عمر فتحى ومحمد الحلو.. فإن الحجار ومنير ظل كلاهما ينتظر فرصة أن يجمعهما "دويتو" يليق بتجربتها وعلاقة الصداقة التى تجمعهما أيضا.. وقد جاءت الفكرة هذه المرة منذ ما يزيد على عام من خلال إعلان رمضانى بدا غريبا على الناس خاصة أنه اختصر اسم مصر الكبيرة فى مدينة.. فشل الإعلان وقتها لكن ما لم يعرفه الناس أنه كان من المفترض أن يتم تصوير أغنية كتبها أيمن بهجت قمر ولحنها عزيز الشافعى لتصبح الإعلان نفسه، وظل أمر تصوير الأغنية معلقا طيلة العام بسبب تعرض منير لأكثر من أزمة صحية دفعته للسفر للخارج أكثر من مرة.
المهم.. تم تسجيل الأغنية.. وإذاعتها قبل بداية الحرب بأسبوعين.. لتحظى بنسبة مشاهدة طيبة لكنها لا تليق بالحلم الذى انتظره جمهور الحجار ومنير طويلا.
الأغنية تحمل بصمات أيمن بهجت قمر الذى سعى لتنظيمها بمفرداته الخاصة التى تبدو غريبة أحيانا.. لكنها هذه المرة مع صوتين عرف عنهما جرأتهما فى اختيار كل ما هو غريب.
اختار أيمن قمر موضوعا وطنيا يتحدث عن ذكرياتنا فى شوارع مدننا فى مصر الحبيبة.. وهو معنى يليق على نجميه الكبيرين وذكرياتهما.. ووضع الشافعى لحنا بسيطا يسهل حفظه.. لكنه لم يحرم نفسه من مساحة تطريبية تناسب صوت الحجار ولا تربك صوت منير فى الوقت نفسه..
"مافيش مدينة فى مصر وشارع
إلا ولينا فيه كام ذكرى
ابن بلدى حلمه بارع
من يومه غاوى يبنى لبكرة
حبى لبلادى ده اللى يتبقى
حب لا إرادى زقها زقة
فكلى الشفرة.. نعمل الطفرة
هيه دى الفكرة
نعلى.. نترقى"..
شفرة منير والحجار.. لم يلتقطها سوى ثلاثة ملايين من المحبين.. وكان من الممكن أن يستمر نجاحها لولا ما حدث فى فلسطين من ناحية.. ومن ناحية أخرى إحساس الكثيرين بأن المعنى مقصود ومباشر ومفتعل، وهذه شفرة تذهب بالكثيرين من جمهور الحجار ومنير إلى بعيد.
فى الوقت نفسه .. أصدرت آمال ماهر أحدث أغنياتها، وهى صوت مصرى كبير يملك من الأدوات ما يؤهله لعودة سريعة خاصة مع اشتياق الكثيرين لصوتها.. آمال اختارت أيضا فكرة مصنوعة واستغلت غيابها لتعود بأغنية اسمها "أنا كويسة"، كُتبت باستعجال واختار مؤلفها مفردات بعيدة ومصنوعة ومفتعلة أيضا، لتفقد آمال فرصة انتصار العودة، ولتواجه حظاً أسوأ بقدوم الحرب أيضا وانصراف الناس عن الغناء عموما فى انتظار معرفة ماذا سيحدث فى الشرق الأوسط وخريطته التى يجرى الأمر لتغييرها منذ سنوات طويلة.. أغنية آمال كتبها أحمد المالكى ولحنها بلال سرور..
"ما تخافوش
يا ناس عليا
كله حلو.. ومية ومية
هيه طبعا مش بسيطة
بس عادى
مش قضية"..
نعم.. هى لم تعد قضية ولو بشكل مؤقت.. صارت قضية فلسطين هى الأهم.. ماذا سيحدث غدا؟.. لا أحد يعرف.. هل نعود لنغنى لفلسطين مجددا؟.. ربما.. وهل سيتوقف الأمر عند مجرد الغناء؟.. لا أظن.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...
فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...
منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...
فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...