فى الدورة الثلاثين لمهرجان القاهرة الدولى للمسرح التجريبى ثمة أخبار سارة، حيث فاز العرض المصرى بجائزة أفضل عرض، وهذا لم يحدث كثيراً على مدى الدورات السابقة،
حيث منحت لجنة التحكيم الذى يرأسها المخرج المسرحى المصرى عصام السيد جائزة أفضل عرض مسرحى وقيمتها 500 ألف جنيه لعرض «من أجل الجنة إيكاروس» من مصر وقد شارك هذا العرض من قبل فى المهرجان القومى للمسرح المصرى عام 2019 أى منذ أربع سنوات فى الدورة الثانية عشرة وتم عرضه فى مسرح الطليعة، بالإضافة إلى أنه إنتاج مصرى ألمانى مشترك، ورغم الاحتفاء الواجب بالجائزة إلا أننا لا بد أن نتساءل.. ما هى الفكرة أو وجهة النظر فى استعارة عرض شاهده الجمهور قبل أربع سنوات؟ وهل لا توجد عروض مصرية أخرى تستحق المشاركة؟
عرض «من أجل الجنة إيكاروس» عرض مسرحى مصرى ألمانى من كتابة بينديكت نويشتاين، كلاوس أوفركامب، وكريستيان شايدولوفسكى، ترجمه من الألمانية إلى الإنجليزية ناتالى شبير، وأعد النص وترجمه إلى العربية محمد الهجرسى، وأخرجه أحمد عزت الألفى، وأنتجته فرقة مسرح الورشة فى هانوفر/ ألمانيا، وفرقة المخرج أحمد عزت الألفى. هذه بطاقة العرض المصرى المشارك فى المسابقة الرسمية والذى منحته اللجنة جائزة أفضل عرض! و«إيكاروس» عرض قائم على الأسطورة اليونانية التى راح ضحيتها إيكاروس الابن الذى لم يستمع إلى نصيحة الأب وحلق عالياً بأجنحته عند الشمس فأذابت الشمع وسقط قتيلاً، إيكاروس بن ديدالوس، المعمارى الأشهر فى أثينا، والذى قام ببناء متاهة لمَلك كريت مينوس لحجز المينوتور، هذا المخلوق الذى نصفه إنسان ونصفه الآخر ثور، وهو ابنٌ لزوجة الملك أنجبته وفقاً للأسطورة من ثور أبيض وقعت فى غرامه، وكان الملك يلقى فيها أيضاً بالمغضوب عليهم من الأعداء ولم يسلم إيكاروس ووالده من تلك المتاهة لأن ديدالوس اعطى ابنة مينوس، حبلاً لكى تعطيه لأحد ملوك أثينا الذى وقعت فى حبهِ وهو عدو لمينوس، وهو أيضاً من قام بقتل المينوتور واستطاع الخروج من المتاهة بمساعدة الحبل، لكن من بنى المتاهة لم يستطع الخروج منها فكانت فكرة الأجنحة. وفى العرض المسرحى هناك معالجة درامية معاصرة عن علاقة الأب بالابن والعكس وأيضاً بالإضافة إلى حضور الأم من خلال الحكاية والبيت والعائلة، والمخرج أحمد عزت الألفى صمم فضاء المسرح بحيث يكون متاهة من كراسى الجمهور، بعد أن وحّد بين مساحة اللعب ومساحة المشاهدة فى فضاء واحد هو المتاهة التى سوف يعيش فيها الجمهور مع ديدالوس وإيكاروس لمدة ساعة وأدى الدور الممثل الموهوب خالد رأفت دور المهندس المعمارى ديدالوس واستحق عن دوره جائزة أفضل ممثل.. فكرة العرض الرئيسية قائمة على أننا جميعاً فى المتاهة مع الأب وإيكاروس مع محاولة إضفاء طابع واقعى على الحكاية من خلال التفاصيل الإنسانية للأم وعلاقة الابن إيكاروس بها وانتظارها وحضورها فى المتاهة رغم الغياب الجسدى، وإلى جانب المتاهة والمعالجة الإنسانية للأسطورة اعتمد العرض على الأداء التمثيلى وبالتحديد الأداء الذى يجمع بين التمثيل والحكى والغناء الذى اعتمد على قدرات خالد رأفت.
كما ذكرتُ، فإن العرض الذى تم تقديمه ومشاركته فى المهرجان القومى للمسرح منذ أربع سنوات، لم تجد اللجنة أفضل منه لمنحة جائزة الأفضل، حتى وإن اختلف البعض مع اختيار اللجنة وانحاز إلى عروض أخرى، إلا أن المستوى المتواضع للعروض المشاركة فى المسابقة الرسمية للمهرجان جعل جمهور المسرح من المشاهدين والمسرحيين لا يهتم كثيراً بالنتيجة رغم أنها كانت مفاجأة للبعض وخاصة أن هناك عروضاً كان من الممكن أن تلفت نظر اللجنة المكونة من أحمد كمال «مصر» جهاد سعد «سوريا» عز الدين بونيت «المغرب» جيلز فورمان «إنجلترا» أسيموى ديبوراه كاوى «أوغندا» ورالوكا رادوليسكو «رومانيا».
وقد مثّل العرض التونسي «مايرواش» دراماتورجيا، وهو إخراج محمد منير العرقى والمأخوذ عن نص العميان لموريس ميترلينك، والذى يمزج بين الممثل والدمية، فثمة معادل ماريونيت لكل ممثل يشاركه فى الأداء يشاركه فى البحث عن الطريق، فالمنظر بعد تقديم العميان وكل منهم يتوكأ على عصاه، يضعهم فى غابة بعد أن ضلوا الطريق وسوف تتوالى الحكايات التى تعتمد على التماهى بين الدمى والبشر؛ دمى بحجم الشخصيات، بل وثمة صراع بين الدمية والشخصية، هؤلاء العميان الذين ضلوا طريقهم بعيداً عن التكية لم يفجّر هذا الحدث أحداثاً ومواقف بقدر ما ساعد على الرؤية، على تفتّح البصيرة، ينتهى العرض بنفس الصورة التى بدأ بها ولكن مع وجود الميت جلال. ولم تشر اللجنة إلى هذا العرض. والملاحظ مشاركة ثلاثة عروض للعرائس فى هذه الدورة، وفاز مخرج عرض عطيل الذى اعتمد على العرائس بجائزة أفضل مخرج، وقيمتها 100 ألف جنيه، فقد جاءت من نصيب جيا - ديمترى عن عرض «عطيل» من چورچيا. بالإضافة إلى حصول العرض العراقى «الملف 12» على جائزة أفضل إضاءة وقيمتها 100 ألف جنيه، وهو من تصميم «عباس قاسم»، والعرض الذى فى مشهد واحد يحاول معالجة مشكلة الهجرة غير الشرعية فى فضاء مسرحى متغير، يلعب فيه هدير أمواج البحر دوراً رئيسياً ومؤثراً ليقدم من خلاله مجموعة من اللوحات التى اعتمدت على التعبير الحركى. هذه المأساة التى بدأت وانتهت برجل يضع جهاز تليفزيون فوق كتفيه بدلاً من رأسه. وأيضاً منحت اللجنة شهادة تقدير لهذا العرض مع عرض «أنتيجون» من ليتوانيا، وشهادة ثالثة للعرض المصرى الثانى الذى شارك فى المسابقة الرسمية «الرجل الذى أكله الورق».
ومن المصادفات الغريبة أن لجنة تحكيم المهرجان القومى للمسرح منحت نفس العرض شهادة تقدير الشهر الماضى حول مشاركته فى هذا المهرجان «الرجل الذى أكله الورق» لفرقة مسرحية مستقلة وهى «جروتسك» إعداد وإخراج محمد الحضرى عن النص المسرحى «رطل اللحم» للكاتب الأرجنتينى أوغسطين كوزانى، والذى استلهمه بدوره من تاجر البندقية لشكسبير وتدور المعالجة المعاصرة حول بيلوبر الذى يعمل كاتب حسابات ومتزوج من امرأة متمردة وبعد ثمانية عشر عاماً من العمل يتهاوى مريضاً بتوتر الأعصاب ويخبره الطبيب أنه سيعيش خمسة عشر يوماً، فينهى المدير خدماته ليدخل فى مصيدة شايلوك المرابى لتكون نهايته، والمعالجة المعاصرة جسدت مأساة هذا الموظف ضحية التوحش الرأسمالى من خلال صيغة الجروتسك الذى يظهر التشويه والغرائبية فى المنظر المسرحى من خلال المبالغة وإبراز تناقض الشخصيات؛ معتمداً على المزج بين الواقعى والمتخيل وبين الساخر والمأساوى، وهو العرض الأنسب للمشاركة فى المهرجان التجريبى، حيث يقدم رؤية جمالية غير تقليدية انتصرت فيها مخيلة هؤلاء الشباب وليس النظريات أو الأيديولوجيا؛ فقد انتصر الخيال.
الجوائز ومشاهدة العروض تؤكد ضعف مستوى العروض المشاركة ليس فقط العربية، بل والأجنبية أيضاً، فعلى سبيل المثال العرض الفرنسى الذى تم عرضه فى مسرح الغد لا يرقى حتى إلى مستوى فرقة هواة، والأمثلة عديدة وسوف يكون لها حديث خاص، وهذا المستوى وما أثاره المهرجان قبل أن يبدأ حول التكريمات غير الصائبة واستعارة عرضين من المهرجان القومى للمسرح للمشاركة فى المسابقة الرسمية والمستوى المتواضع للعروض العربية والأجنبية يؤكد أن المهرجان يحتاج إلى إعادة صياغة بعيداً عن الثرثرة فى قاعات الندوات.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...
فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...
منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...
فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...