فيكتور هوجو وساراماجو وانحياز الشباب لفـن الرواية على خشبة المسرح

انتصار الشباب فى المهرجان القومى (2)

 

نواصل فى هذه السطور الحديث حول عروض الشباب فى المهرجان القومى للمسرح، ونبدأ بالعرض الثانى الذى قدمه طلبة المعهد العالى للفنون المسرحية عن رواية «انقطاعات الموت» للبرتغالى خوزيه ساراماجو والتى تناقش قضية ميتافيزيقية أزلية لدى الإنسان، وكانت وما زالت السؤال الأهم الذى شغل الفلاسفة والعامة، حيث افترض ساراماجو من خلال هذه الرواية أن الموت امتنع أو توقف فى هذه المدينة فلم يعد هناك موتى، فهل هذا حدث سعيد، فى ظاهره ربما يكون كذلك! ولكن تأثير هذا الحدث على المدينة؛ المؤسسات الرسمية والأفراد، كان مدوياً، وانطلق من شائعة منشأها مقاومة الملكة الأم للموت فى هذه المدينة، مقاومتها التخلى عن الحياة، نعم لقد مارس الموت الإضراب العام عن العمل، وهنا يسرد ساراماجو ويرصد رد فعل الكاردينال (الدين) الذى يقول: دون انبعاث لا وجود للكنيسة التى تقبلت أن يكون خلود الجسد مشيئة الرب!

فماذا ستفعل الكنيسة إذا لم يمت أحد على الإطلاق، فما الذى ستفعله الدولة، لقد أصبح هزيمة الموت فى أن تموت لا فى أن تحيا! ويصف ساراماجو المدينة التى بلا موت، فيقترح البعض - رفع الأعلام على الشرفات والبعض الآخر يقترح دفن الحيوانات بدلاً من البشر حتى لا يحدث ركود فى مهنة الحانوتية، فتأثير الخلود على المدينة رهيب ومرعب، فماذا سيفعل الناس، فما تأثير هذا الحدث على شركات التأمين ومصحات المسنين أو بيوت الأفول السعيد كما يسميها الكاتب. فبدون بعث لا وجود للكنيسة، فإن لم يمت الناس فكيف سيبعثون؟ وأيضاً هى الوسيلة الوحيدة التى يمتلكها الرب على الأرض كى يصوغ المسارات المؤدية إلى ملكوته، إن تأثير الخلود على مؤسسات الدولة أيضاً رهيب، فالقارئ يكتشف من خلال الرواية أن العالم يعيش فى جوهره على الموت، البنية العميقة للحياة هو الموت الذى تقوم حوله الحبكة الأساسية للحياة!

مجموعة من المشاهد يقدمها ساراماجو كرد فعل على هذا الحدث ما بين الميتافيزيقى واليومى العادى، على سبيل المثال مشهد الدفن الذى تقدمه العائلة الفقيرة التى تحاول دفن الجد والطفل، هؤلاء الفلاحون الذين حملوا الجد والطفل فى عربة عبر دروب القرية، وذهبوا للدفن وكيف وضعوا الجد وفوقه الطفل، الجد بطريرك معتزل متصلب الطباع ومعه فى الدفن طفل صغير، كيف عبروا الطريق بالعربة والبغلة، وهنا يعلق ساراماجوا كعادته يتقمص دور الراوى وينتقد الأحداث ويحلل الخطأ الدرامى، وفى تطور لاحق يدور حوار بين الموت وفيلسوف صغير... الموت الذى يخافه ويكرهه الجميع أصبح وجوده ضرورة...

الإعداد الذى وضعته إسراء محبوب حاول الهروب من هذه القضايا الميتافيزيقية المعقدة والمتشابكة، وقدم مجموعة من المشاهد لا تخلو من السؤال الأساسى مع إبراز صورة للحياة فى هذه المدينة من خلال مجموعة من الرموز لشخصيات تجسد صورة المدينة، ورموز لمؤسسات الدولة، فهناك البطريرك أو رجل الدين والحانوتى والطبيب ومساعده، الراهبة والأخت وزوجها، ثمة شخصيات ترمز للحياة وعلاقات تشير إلى سلطة الدين وسلطة الدولة وأيضاً الضعف الإنسانى، وكما فى الرواية لا بد أن يعود الموت لممارسة دوره، حيث يعود فى نهاية العرض أيضاًَ.

قدم المخرج كريم الريفى فضاء هذه الحكاية من خلال شاشة فى عمق المسرح، تجسد المشاهد خارج حدود المدينة، خارج حدود الموت، وثمة مشاهد بين مؤسسات الدولة، الكنيسة والمستشفى والحانوتى، وبيت باولو إيزبل الذى يجسد حياة أهل المدينة، بالإضافة إلى دار الرعاية، مع مساحة للعب، ومذيع فى المقدمة فى مساحة أقرب للجمهور أضفى على هذه القضية الميتافيزيقية طابعاً ساخراً يروى ويعلق ويسخر من الأحداث كما يعلق الكاتب فى الرواية المكتوبة فثمة رموز للحياة، الحياة الميتافيزيقية التى كتبها ساراماجو، مشاهد بين الكاهن والراهبة، وعلاقات حب محرمة بين الراهبة وزوج الأخت، ومؤامرة يحيكها الحفار لمحاولة الخروج من هذا المأزق، ثمة علاقات متشابكة ومتناقضة وضعها الإعداد تجسد ارتباك المدينة حين أعلن الموت الإضراب العام، هربت إسراء من الآراء الميتافيزيقية والمنولوجات الفلسفية وكتبت حواراً مسرحياً بسيطاً حول الموت الذى غاب عن المدينة ووضعت له عنواناً «موت معلق» وحافظت على تأثير هذا الفعل، على الحدث الفانتازى الذى وضعه ساراماجو... لينتهى العرض وقد فقد الجميع صوابه، انتحر الطبيب، وراح الكاهن يسكر ويفقد صوابه، إيزابيل الراهبة وقد فارقت الدير ودخلت فى علاقة محرمة مع بابلو وفى النهاية عاد الموت للمدينة لممارسة أعماله اليومية..

ومن خلال مسرحة رواية «انقطاعات الموت» لإسراء محبوب ورؤية كريم الريفى قدم العرض مجموعة من المشاهد عبرت عن الرواية أو السرد الأدبى لساراماجو الذى تجاوز 400 صفحة فى الترجمة العربية لصالح علمانى من خلال فضاء مسرحى قدم رموزاً لتأثير هذا الحدث الميتافيزقى على هذه المدينة.

ومن جامعة عين شمس رواية أخرى تم إعدادها كنص مسرحى «أحدب نوتر دام» للفرنسى فيكتور هوجو، حيث تدور أحداث الرواية حول كوازيمودو وابن عائلة من الغجر جاءت إلى نوتردام من أجل سرقتها، واكتشف كاهن الكاتدرائية محاولة السرقة، فهرب الجميع ولم يتبقَّ إلا هذا الطفل المشوه القبيح فقرر أن يتولى رعايته وربّاه فى الكنيسة، ودرّبه ليصبح قارعاً للأجراس فى كنيسة نوتردام فأصيب بالصمم، وفى هذه الرواية التى تحمل اسم «أحدب نوتردام» أى هذه الشخصية حاول فيكتور هوجو أن يجسد للقارئ شخصية خيالية تحمل فى ظاهرها صفات قبيحة ولكن باطنها يجسد النقاء وصفاء النفس، وفى الاختبار الأول له فى مواجهة الحياة يتم اختياره رئيساً للمهرجين فى الاحتفال السنوى الذى يقام فى باريس وهو عيد الحمقى، وهذا ما يثير حنق الكاهن واعتراضه على هذا الفعل، وفى هذا الاحتفال يلتقى أزميرالدا وهى من الشخصيات المهمة فى الاحتفال، ويقع فى حبّها وتنشأ بينهما علاقة إنسانية تشفق عليه وتساعده فى الهرب حين يتم القبض عليه، مما يثير غضب الكاهن ، لأنها لم تطع أوامره، وترضخ له فيساعدها كوازيمودو للهرب من جنود القس رداً للجميل، وهنا يكتشف نفسه.. ثمة صراع تجسده الرواية بين سلطة الدين وهذا الأحدب الذى يعيش بالفطرة، صراع بين الكاهن والأحدب وأزميرالدا، بين سلطة رجل الدين والإنسانية المعذبة والجمال الحالم بالحرية، ليقدم الشاب يوسف فؤاد إعداداً مسرحياً لهذه الفكرة من إخراج أحمد طارق حاول تجسيد هذه الفكرة أو قُل الصراع بين هذه الشخصيات وما ترمز إليه من خلال فضاء مسرحى صممه محمود صلاح واستحق عنه جائز أفضل ديكور مناصفة مع ديكور عرض «سيدتى أنا» من إنتاج المسرح القومى، جسد من خلاله كنيسة نوتردام وطابعها القوطى الذى لم يتغير طيلة زمن العرض وساعدت الإضاءة التى صممها محمود الحسينى فى التنقل بين المشاهد مع الاحتفاظ بهذه النوافذ القوطية بالإضافة إلى الأقفاص الخشبية البسيطة التى جسد من خلالها مجموعة من اللوحات التشكيلية عبرت بقوة عن الأحداث وتصاعدها الدرامى، بل وعن ملامح الشخصيات وأفعالها، حيث حمل الممثلون هذه القطع ورسموا بها المشاهد فى احتفال عيد الحمقى، والسجن والصراع بين الكاهن والغجرية، وبين الكاهن والأحدب، وفى معركة الجنود، قطع خشبية بسيطة جسد من خلالها المخرج أحمد طارق مشاهد العرض، ربما كانت فقيرة فى مادتها إلا أنها كانت ثرية ومعبرة بفضل الخيال الذى يمتلكه هؤلاء ليقدم العرض مشهداً مسرحياً ثرياً ومعبراً عن فلسفة هوجو فى هذه الرواية بكل مفرداته، دراما حركية واستعراض أحمد عادل أرشميدس، وإعداد موسيقى زياد على، وملابس ريهام النجار، ليبدأ العرض بالتراتيل الكنسية من نوتردام والهجوم على الغجر ومقتل والدة الطفل الذى سيكون الأحدب فيما بعد والكاهن يحتفظ به عند الأجراس / مشاهد رمزية تعبر عن أحداث الرواية، ثم الأحدب بين التماثيل التى تدل على حياته التى ينتمى إليها داخل جدران الكنيسة، ثمة مشاهد رمزية تحاول تجسيد الرواية وملامح الشخصيات، فالكاهن يصلى مع الأحدب بينما يحلم بأزميرالدا!، الكاهن يدق الأجراس فى ظل غياب الأحدب الذى نراه فى فضاء الحكاية يقتل الضابط، ثمة ثنائيات استخدمها المخرج، الكاهن يعترف بحبه للغجرية يركع وترفضه بينما يشكل الممثلون بالأقفاص الخشبية سجناً يضيق ويتسع وفقاً للأحداث.. فى هذا العرض الذى يمتلك ميزانية محدودة وفقيرة انتصر الخيال ونجحت الموهبة، ومنحت لجنة التحكيم جائزة خاصة لهذا الخيال تقديراً لهذه المواهب الصاعدة. «وللحديث بقية».

 

 

Katen Doe

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

(بوسي..رحلة البحث عن الجمال الخفي) كتاب جديد للكاتبة الصحفية هبة محمد علي

يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...

صورة من قريب للناقد الـذى خسر العالم وربح نفسه

فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...

أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم حافظ فى قلب معــــركة السد العالى

منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...

جوائز الجولدن جلوب هيمنة سينمائية.. مفاجآت تليفزيونية.. ومواهب جديدة

فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص