المهرجان القومى للمسرح بالنسبة لى نافذة أشاهد منها صورة حية للمسرح المصرى، المسرح بكل أطيافه، فهو أقرب إلى بطاقة هوية حديثة يتم استخراجها أو قُل تجديدها كل عام على مدى أسبوعين،
وفى الدورة السادسة عشرة شاهدت سبعة وثلاثين عرضاً مسرحياً تقريباً مع لجنة التحكيم، شاهدت من خلالها كل أطياف المسرح المصرى، ودائماً فى أيام القومى ما أتطلع إلى مشاهدة عروض الجامعات والشركات والمجتمع المدنى وفرق الهواة والمسرح الحر، فهؤلاء الذين يقدمون عروضهم بعيداً عن الأضواء، كلٌ فى حيزه الصغير، فليس هناك جمهور عام، فشباب الجامعة يشاهده طلاب هذه الجامعة، وهكذا الهواة ومسرح الشركات، فهؤلاء ليس لهم يد طولى تضعهم على خشبات المسارح الكبرى فى العاصمة! وكنت قد شاهدت من قبل عدداً من هذه العروض معظمها من إنتاج المؤسسة الثقافية الرسمية أو ما يسمى بمسرح الدولة، وكان عندى تحفظات وملاحظات عديدة حول هذا الموسم رغم تميزه بنوع من الحراك لم نشهده منذ سنوات كماً وكيفاً.
الموسم المسرحى الماضى الذى شارك إنتاجه فى الدورة السادسة عشرة من المهرجان القومى للمسرح، تفتقد عروضه إلى الفكر، يشعر مشاهدها بأزمة الوعى الحاد الذى يعانى منه صناع هذه العروض، مسرحيات تبتعد عن أسئلة اللحظة الراهنة، وتسعى إلى تقديم حكايات مسلية تتطلع إلى إضحاك الجمهور، عروض أغلبها يخلو من جماليات المسرح، وتقريباً كنت أعرف سلفاً مستوى مسرح الدولة بكل قطاعاته، أعرف العروض القليلة المتميزة وأتطلع لمشاهدة المسرح خارج المؤسسة الثقافية الرسمية.
ويمكن تقسيم العروض المشاركة إلى قسمين؛ الأول الإنتاج الحكومى، والثانى الإنتاج غير الحكومى، القسم الأول المقصود به المسرح الذى تم إنتاجه حكومياً وبالتحديد إنتاج المؤسسة الثقافية الرسمية، أى وزارة الثقافة، والثانى المسرح الذى ساهمت الدولة فى إنتاج جزء منه مثل المسرح الجامعى وأكاديمية الفنون وأقسام المسرح بالإضافة إلى مسرح الشركات ومؤسسات المجتمع المدنى وأيضاً الفرق الحرة والمستقلة، وهذا النوع غالباً ما يقدمه الشباب من هواة المسرح وأيضاً المحترفون، وسوف أتناول فى هذه القراءة ملامح هذين القسمين؛ مسرح الإنتاج الحكومى الخالص، والمسرح الذى تسهم فى إنتاجه مؤسسات الدولة بمبالغ قلية وهو مسرح الشباب الذى يقدمه هواة المسرح، والذين يتمتعون بقدر من الحرية بعيداً عن روتين وبيروقراطية المؤسسة الرسمية، ناهيك عن الانحياز إلى الخيال من قبل هؤلاء الشباب، وسوف أضع فى هذا القسم، عروض الجامعة التى شاركت تحت هذا العنوان مثل «أوليفر - ثلاثة مقاعد فى القطار الأخير» ومن شارك تحت لافتة أخرى ولكن من إنتاج شباب الجامعة مثل «المنفى - أحدب نوتر دام» وكلاهما شارك تحت رعاية وزارة الشباب والرياضة، وأيضاً عروض أكاديمية الفنون «الزائر - موت معلق - ماهاجونى» مع عروض الهواة والنقابات الفنية «رأس العش - شيزوفرينيا» وعروض النوادى والشركات «الدنيا لما تضحك - القمر لوغاب» والعروض التى تنتمى بوضوح للفرق الحرة والمستقلة «سهرة المحروس والمحروسة - الوحوش الزجاجية - الرجل الذى أكله الورق - ماراصاد - المشهد الأخير» وعرض «بوسطة» ممثلاً لمسرح القطاع الخاص وأخيراً عروض شاركت تحت رعاية صندوق التمنية الثقافية سواء من إنتاج الصندوق أو مراكز الإبداع «شابوه - العيلة - جوه الصندوق - عاصف ممطر جداً». واحد وعشرون عرضاً مسرحياً، ورغم التباين الطبيعى فى المستوى الفنى واختلاف الرؤى والانحيازات وأيضاً عامل الخبرة والدراسة، إلا أن معظم هذه العروض التى شاركت خارج سيطرة المؤسسة الرسمية انحازت إلى الخيال والتجريب بل وهناك جرأة واضحة فى بعض العروض على مناقشة قضايا شائكة فى الواقع المعاش، ثمة أفكار جديدة على مستوى الشكل، أى المنظر المسرحى بكل مفرداته وأيضاً الموضوع ليس فقط ممثلاً فى النص بل فى أسلوب المعالجة.
سوف أبدأ بالعروض التى قدمها المعهد العالى للفنون المسرحية فى القاهرة والإسكندرية وقدم ثلاث مسرحيات عن نصوص أجنبية للبريطانى جى بى بريستلى «الزائر» و«موت عالق» للبرتغالى جوزيه ساراماجو، و«ماهجونى» للألمانى برتولد بريشت، المسرحية الأولى تنتمى إلى المسرحيات الاجتماعية التى تطرح رؤية نقدية تحليلية للمجتمع، والثانية تناقش قضية ميتافيزيقية من خلال رواية انقطاعات الموت، أما الثالثة فتطرح أيضاً رؤية نقدية لتوحش المجتمع الرأس مالى من خلال أوبرا ماهوجونى لبريشت، ويلاحظ فى المسرحيات الثلاث ورغم تفاوت المستوى الفنى، أنها تنحاز إلى الإعلاء من قيمة الفكر ومحاولة طرح رؤية لا تخلو من جماليات فنية، واختيار النصوص الثلاثة يدعو إلى التفاؤل قبل المشاهدة.
عرض الزائر المأخوذ عن «زيارة مفتش الشرطة» لبريستلى والذى كتبه مؤلفه فى نهايات النصف الأول من القرن العشرين وأخرجه إبراهيم أشرف وشارك فى الدراماتورج مع محمد حمدى، يناقش الكاتب من خلاله توحش الرأسمالية من خلال أسرة مكونة من الأب والأم والابن والابنه والخطيب المحتمل للابنة، والأب والخطيب كلاهما من أصحاب المصانع ورجال الأعمال، فى النص الأصلى تبدو الأيديولوجيا واضحة فى إبراز مساوئ المجتمع الرأسمالى واستغلال الفرد من خلال حوار يبرز هذه المساوئ تمهيداً لأفعال الشخصيات التى تخلو من الإنسانية لتجسد مأساة الفتاة «إيفا سميث» وهى بمثابة القوى الفاعلة التى تحرك أفعال الشخصيات وتدور حولها الحبكة الأساسية، إيفا التى لا تظهر فى النص الأصلى كشخصية على خشبة المسرح ولكن يتم استحضارها من خلال الحكى، فالنص يطرح مأساة هذه الفتاة ضحية المجتمع الرأس المالى، ويناقش فى بنيته العمية علاقة الفرد بالمجتمع أو قُل مسئولية الفرد نحو المجتمع ممثلاً فى مسئولية صاحب المصنع عن هذه الفتاة، فى الإعداد الذى قدمه العرض حذف للخطاب المباشر عن الرأسمالية والتقدم الصناعى وبدلاً من الحديث عن الفتاة إيفا، أصبحت حاضرة فى الحكاية تحاور وتتفاعل مع الشخصيات تواجه جلاديها أمام الجمهور، وكان حلاً صائباً من المخرج مع المعد أن تكون الفتاة حاضرة فى العرض، لتبدأ الأحداث من خلال احتفال العائلة البرجوازية باستقبال الخطيب المحتمل للابنة من خلال منظر مسرحى ثابت لن يتغير إلا قليلاً بفتح عمق المسرح لتدخل منه الفتاة حال ذكرها، المنظر فخم يدل على ثراء تلك الطبقة، وفى غمرة الاحتفال يطرق الباب الزائر أو المفتش لتتغير الحياة وتجرى الأحداث فى اتجاه مغاير وتتبدل مصائر الشخصيات، إنه الشخص / الغريب الذى يطرق الباب أو يحل ضيفاً على المدينة فتتغير الأحداث، وتتعرى الشخصيات تماماً ليس فقط أمام المشاهد ولكن أمام نفسها، وهى بمثابة كشف لهذه الطبقة، يدخل المفتش يتحدث إلى الأب ويبرز له صورة الفتاة وحده دون أن يراها الآخرون وهذا شرط المفتش، لتتداعى الأسرة بكاملها ونكتشف أن الجميع ساهم فى انتحار هذه الفتاة وليس الأب صاحب المصنع الذى قام بقصلها، فالابنة والأم والابن شركاء ولكل منهم قصة مع الفتاة ساهمت فى القضاء عليها وحتى الخطيب، الجميع ساهم فى الجريمة، وعلى مدى زمن العرض نشاهد محاكمة الأسرة من قبل المفتش الذى يردد قبل أن يغادر البيت «ولكن تذكروا هذا، أن واحدة تدعى إيفا سميث قد رحلت ولكن هناك ملايين الفتيات ضحايا، فنحن لا نعيش منفردين». حافظ المخرج على الالتباس الذى تجسد فى شخصية المفتش، وأيضاً فى حقيقة انتحار الفتاة، وفى اتهام أفراد الأسرة، ليس هناك وضوح، هناك ترقب من خلال أفعال غير مكتملة حول المتهم الحقيقى، بل حول حقيقة الأمر، فبعد أن يغادر المفتش نعرف أن ليس هناك مفتش جديد، بل وليس هناك فتاة منتحرة! وحافظ المخرج على الإيقاع السريع المتلاحق للأحداث من خلال الأداء وخاصة شخصية الأب وأيضاً الفتاة المقهورة والتوظيف المتقن لتقنية الفلاش باك فى استرجاع الأحداث الخاصة بالفتاة، فثمة زمن مركب، زمن الحدث الرئيسى حفل الاستقبال، واستدعاء الماضى الخاص بعلاقة الفتاة مع الأسرة، وإعادة تمثيل الأحداث. وفى هذا العرض ومن خلال الإعداد ومفردات المنظر المسرحى التى لم تتغير يبدو وعى المخرج بما يطرحه النص من قضايا اجتماعية ممثلة فى علاقة الفرد بالمجتمع وفكرة تجسيد الفتاة، تجسيد الماضى على خشبة المسرح، ليترك المشاهد متسائلاً: «هل انتحرت الفتاة، ومن المتهم، وهل كان المفتش من رجال الشرطة أم ضمير هذه الأسرة، ضمير المجتمع الذى ظهر ليكون بمثابة جرس إنذار لهؤلاء؟». إن وعى المخرج بأن يترك كل هذه الأسئلة من خلال العرض يستحق التحية.. «وللحديث بقية»
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...
فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...
منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...
فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...