فى عرض «طيب وأمير» .. عودة التمصير إلى المسرح المصرى.. لماذا؟

عادت فرقة المسرح الكوميدى إلى الوراء ما يقرب من تسعة عقود، واختارت من تراث نجيب الريحانى وبديع خيرى فيلم

 «سلامة فى خير» الذى تم عرضه عام 1937 من إخراج نيازى مصطفى الذى شارك أيضاً فى كتابة السناريو والحوار، وذلك لإعادة تقديمه من خلال عرض مسرحى تحت عنوان «طيب وأمير».

الفيلم الذى تم إنتاجه وعرضه فى تلك الفترة كان يمتلك العديد من مقومات النجاح منها ازدهار صيغة مسرح الفودفيل الذى برع فى كتابته بديع خيرى وقدمه كمخرج عزيزعيد، وأسهم فى نجاحه أبطال المسرح فى ذلك الزمان وعلى رأسهم نجيب الريحانى وفؤاد شفيق ومحمد كمال «شرفنطح» وحسين رياض وغيرهم، ممن يمتلكون مهارات تمثيلية استثنائية. والفيلم السينمائى أقرب فى بنائه إلى عروض الفودفيل التى تقوم على الحبكة البسيطة والسهلة والمواقف الملتبسة التى تثير الضحك وتكون من عوامل التشويق والإثارة من خلال شخصيات تحمل مواصفات خاصة تحدث لهم أو يجدون أنفسهم فى مواقف غريبة تؤدى إلى نتائج مثيرة.. حوادث أقرب إلى حكايات ألف ليلة وليلة، أقرب إلى منطق الليالى أو اللامنطق فى الأحداث ومبرراتها الدرامية!

فى فيلم «سلامة فى خير» على سبيل المثال يلعب دور البطولة شخصية الفراش فى محل الأقمشة الذى يتم تكليفه بتوصيل مبلغ إلى البنك، لكن مجموعة من المصادفات الغريبة تجعله يصل متأخرا فيعود إلى البيت حيث يعيش مع زوجته وحماته.. وفى البيت كما فى الشارع تحدث مفارقات أخرى تسهم فى تعقيد الحبكة، فحين يصل إلى البيت يجد اللصوص سرقوا النحاس، وفى الشارع أحدهم يخطف شنطة فتاة، وهكذا يزداد خوفه على المال أو قل يزداد الموقف تعقيداً، فيذهب للنوم فى أحد الفنادق الكبرى حتى يودع المبلغ فى الأمانات، فى نفس الوقت كان الفندق يستعد لاستقبال أمير ثرى يدعى أمير كيندهار، ويحدث اتفاق ليحل سلامة محل الأمير، فى تجربة حاول فيها الأمير أن يعبث، يلهو ويعيش بين الناس ويتجرد من التاج ورموزه.

وفى فيلم «صاحب الجلالة» يقوم بدور الأمير»شيال» يعمل فى نفس الفندق الذى سيحل عليه الأمير ضيفا، وتشاء الأقدار أن يشبه الشيال الأمير الذى تُحاك ضده مؤامرة بغرض اغتياله، وهكذا.. وتم معالجة هذه الحكاية أو الفكرة الرئيسية فى العديد من الأفلام بعد ذلك، البعض نسب أصل قصة هذا الفيلم إلى مسرحية أجنبية عنوانها «الزائرون» للفرنسى ساشا جيتري، وبالفعل تمت كتابة اسم المؤلف الأصلى على فيلم «صاحب الجلالة» الذى قدم نفس الحكاية بمعالجة جديدة للسيد بدير، رغم أن فيلم «سلامة فى خير» اكتفى بسيناريو وحوار بديع خيرى ونجيب الريحاني، والتيمة الرئيسية تدور حول الرجل الطيب الفقير المغلوب على أمره، والذى دائما ما يتعرض لحوادث يلعب فيها القدر الدور الرئيسي، وهذه الشخصيات إذا كانت منسوبة إلى مسرحيات فرنسية أو أجنبية بشكل عام إلا أنها مأخوذة من كتاب «ألف ليلة وليلة» من حكايات هارون الرشيد الذى كان يلهو متنكرا فى ليل بغداد، وتحكى الليالى عن الخليفة الذى خرج مع وزيره جعفر متفقداً أحوال الرعية فسمع رجلا يقول «آه لو كنت ملكا لأقمت العدل بين الناس وفعلت كذا وكذا»، فيقرر أن يحمله إلى قصره ويجعله ملكاً ليوم واحد، وتتوالى الأحداث والمفارقات، وفكرة الملك أو الأمير البديل، أو حين يجد رجل من عامة الشعب نفسه ملكاً أو أميراً وجدت هوى فى نفوس المصريين فى المسرح والسينما، وظنى أن أصولها العربية التى وصلت أوروبا من خلال ترجمة ألف ليلة وليلة لها عامل كبير فى الرواج، ناهيك عن قالب الفودفيل الذى أضفى عليها الطابع الكوميدى ووجد هوى فى نفوس المصريين من قبل.

والفكرة ذاتها عولجت برؤى مختلفة أهمها فى المسرح المعاصر مسرحية «الملك هو الملك» للسورى سعدالله ونوس الذى أضفى عليها طابعاَ سياسياً.. وذات الحكاية المستوحاة من ألف ليلة وليلة استلهمها من قبل مارون نقاش تحت عنوان «أبو الحسن المغفل» وأيضا جورج قرداحى قدمها فى عرض حمل عنوان «هارون الرشيد والصياد».. ودون شك الفكرة القائمة على التنكر والأداء التمثيلى فى الواقع مثيرة وتم تقديمها فى المسرح العربى على مدى أكثر من قرن ونصف، وحتى بعد أن استلهمها المسرح الغربى قمنا نحن بتمصيرها وتعريبها وردها إلى أصولها وما زالت الحكاية رائجة حتى وصلت إلى فرقة المسرح الكوميدى فى القاهرة عام 2023.

دون شك الحكاية مثيرة وتقوم أيضاً فى بنائها العميق على الخيال حين يصبح واقعاً، والواقع الذى يصبح خيالاً، وذلك حين يجد الصياد أو الفراش أو الشيال، أى شخص من البسطاء وعامة الشعب، نفسه ملكاً أو أميراً ولو ليوم واحد! هذا بالإضافة إلى قالب الفودفيل الذى تم تقديم الفكرة من خلاله.. والعرض الذى أخرجه محمد جبر قدم وجبة من الضحك استمرت ما يقرب من ثلاث ساعات أكدت انحياز ذائقة الجمهور المصرى إلى صيغة الفودفيل! وبالطبع لا بد أن نتساءل عن مبررات العودة إلى هذه الرواية، وهو السؤال الذى سوف أحاول الإجابة عنه فى قراءة هذا العرض الذى جاء فى فصلين من خلال مجموعة من المشاهد حافظت على الحبكة الرئيسية للحكاية التى تم تمصيرها فى فيلم «سلامة فى خير» مع معالجة معاصرة للأحداث والشخصيات، إذ تم استبدال محل الأقمشة بشركة «سيراميك على بلاطة»، والفراش بموظف حسابات، وكلاهما أقدم موظف فى الشركة والأقرب إلى قلب صاحبها ويحمل نفس الصفات الجوهرية لهذه الشخصية، طيب ومغلوب على أمره، ولا يجد السعادة فى المال رغم ندرته، فى مقابل شخصية تحمل بعض الصفات الشريرة ممثلة فى ابن أخ صاحب الشركة الذى يحقد على «سعيد».

ونلاحظ أن الأسماء فى الفيلم والمسرحية «سلامة وسعيد» لا تخلو من دلالة على ملامح الشخصية.. ففى المشهد الأول سنتعرف على سعيد وملامح شخصيته مع الآخرين، وفى المشهد الثانى تحاول المعالجة الجديدة للحكاية إضفاء الطابع الكوميدى من خلال لغة ومفردات العصر حين يفقد سعيد هاتفه المحمول وهو فى الطريق إلى البنك  ليكون هذا الفعل السبب فى تأخر إيداع المبلغ وظهور شخصية قادمة من الكوميديا الشعبية، وهو الشخص الفضولى أو الحشرى الذى يظهر ويحاول التدخل فى حياة البطل من خلال مجموعة من المفارقات حتى يصل معه إلى البيت ليشاهد الجمهور مزيداَ من المفارقات الكوميدية من خلال الزوجة والأم حيث تحاول المعالجة الجديدة إضفاء طابع عصرى على الحكاية من خلال مفردات السوشيال ميديا والمفردات العصرية، لكن تظل الحبكة الرئيسية والبناء العميق للحدث دون تغيير حتى من خلال تسلسل الأفعال وخط سير الأحداث الذى لم يتغير تقريبا.. وحين نصل إلى الفندق يضيف العرض شخصيات أخرى من العاملين فى الفندق، شخصيات جديدة من شأنها إضافة روح جديدة وخلق حالة من الإثارة والتشويق بصورة مستمرة.

وبعد أن يتم الاتفاق مع سعيد على أداء دور الأمير يستعين العرض بالمؤامرة التى لم ترد فى فيلم «سلامة فى خير» واستعان بها السيد بدير فى معالجة الحكاية من خلال فيلم «صاحب الجلالة» وتتوالى المواقف المضحكة والأحداث المعقدة والمفاجئة التى تقوم على الالتباس سواء من خلال الحوار أومن خلال أفعال الشخصيات التى تعتمد على الحوار الفكاهى والحركات التافهة الموضوع، المحكمة التعقيد، ذات الأسلوب الهزلى والتى تعتمد فى أحيان كثيرة على النكات الفجة بل والبذيئة.. ففى الجناح الخاص بالأمير، وأيضاً الحفل الذى أقيم على شرف استقباله، سوف تستمر هذه السمات مع الأداء المبالغ فيه الذى يميل إلى أسلوب الجروتسك، وفى الحفل تبدو هذه السمات واضحة حين يلتقى سعيد فى ملابس الأمير بشخصية ابن أخ صاحب الشركة الذى جاء ليعقد صفقة مع الأمير.. ويزداد الموقف إثارة لدى الجمهور الذى يشارك البطل/ سعيد معرفته بالشخصية الأخرى وهو فى حيرة من أمره، وكلها عوامل تساعد على الضحك، أو اللقاء الساخر مع الفنانة زنوبيا، بالإضافة إلى أطراف المؤامرة مع مدكور الذى جاء يثأر من الأمير من خلال الحيلة، والذى احتل مساحة كبيرة فى العرض دون مبرر، فليس هناك بناء درامى تقليدى، بل مجموعة من المشاهد الكوميدية التى تعتمد على الالتباس والمفارقة، ونجح محمد جبر فى توظيف كل عناصر المنظر المسرحى لتكون مادة للضحك، مثل ملابس الأمير الأصلى والأمير البديل والمساعد الذى يسميه العرض «الدغدغان» أقرب إلى ملابس النساء التى تثير الضحك حين يرتديها الرجال، بالإضافة إلى علاقة الحب بين الأمير وموظفة الفندق، والعلاقة المفتعلة بين ابنة المتآمر وسعيد الأمير المزيف وكلها تقوم على المحاكاة الساخرة والأداء المبالغ فيه.. مشاهد قدمها  المخرج محمد جبر صاحب الخبرة والموهبة المتميزة والذى استطاع أن يقبض بقوة على إيقاع العرض من خلال إتقان مفرداته حتى يحقق المتعة للمتفرج.

والمتعة التى يخلقها هذا النوع من المسرح عند المتفرج هى متعة التشويق والمتابعة والتعرف والتسلية من خلال الضحك المتواصل.. الذى حافظ عليه العرض من خلال حفاظه على عناصر الفودفيل وسماته، ممثلة فى الطابع الكوميدى للحكاية والغناء والاستعراض والموسيقى التى وضعها كريم عرفه بالإضافة إلى المحاكاة الساخرة والانحياز إلى الثقافة الشعبية والعامية المصرية.. سواء على مستوى الكتابة التى أعاد صياغتها أحمد الملوانى عن نص بديع خيرى والريحانى أو مفردات المنظر المسرحى الذى قدمه محمد جبر، وصولا إلى الموعظة الأخلاقية ممثلة فى أغنية النهاية «ما تصدقش الناس لو قالوا الطيب حظه قليل/ وان اللى واخدها بدراعاته الحظ بييجى معاه/ دا اللى بيعمل خير يبقاله مهما ف حاله يميل/ ماهى مش طول الوقت هتفضل ماشية كده معانداه».

وفى المعالجة الجديدة للرواية التى تم تمصيرها فى العقد الرابع من القرن العشرين ويعاد تمصيرها فى العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين برؤية معاصرة.. لنا أن نتساءل: لماذا اللجوء إلى إعادة تمصير ما تم تمصيره منذ قرن من الزمان تقريباَ؟ ففى تلك الحقبة كان اللجوء إلى التمصير فى ظل غياب المؤلف المصري، بل وربط البعض بين حركة التمصير وظهور القومية المصرية أواخر القرن 19 ونمو هذا الاتجاه مع بزوغ نجم ثورة 19 فى محاولة لإضفاء طابع مصرى على الفنون، وكان هذا فى ظل غياب المؤلف المصرى فى ذلك الوقت، أو ندرة التأليف المسرحى! وقد تراجع هذا الأسلوب مع ظهور المؤلف المصرى والتحولات الاجتماعية والسياسية التى شهدها المجتمع المصرى بعد يوليو 1952، وقبل هذه الحقبة لم يكن هذا القالب الذى ازدهر فى أوروبا فى القرن التاسع عشر مقبولا من كل الأطراف فسرعان ما أصاب الجمهور السأم وشعر بالملل من هذا التكرار وهذا المسرح الذى يخلو من النقد الاجتماعى ويضع الضحك كهدف أسمى، وفقاً لوصف نقاد تلك المرحلة.. نعم هذا النوع من المسرح قديما وحديثا سواء ما قدمه الريحانى وبديع خيرى ورفاقهم فى تلك المرحلة وصولاً إلى ما شاهدناه مع فرقة المسرح الكوميدى ومروراً بعدد كبير من العروض فى مراحل مختلفة يعرض موضوعات وشخصيات من الحياة اليومية، لكنها تخلو فى معظمها من أى بعد نقدى تحليلى للمجتمع، فهذا المسرح يوصف بأنه مسرح الخصوصية وليس فيه تناول للأمور فى عموميتها من خلال تقديم شخصيات نمطية مسطّحة، فإذا تأملنا بعض شخصيات مسرحية «طيب وأمير» سنعرف أن ثمة رغبة فى إضفاء طابع اجتماعى لكن دون طرح أسئلة الواقع أو مناقشة القضايا الراهنة، فقط مجموعة من اللوحات الكوميدية الغنائية والاستعراضية المتقنة الصنع بواسطة مخرج متميز ومجموعة من الممثلين يمتلكون قدرات كوميدية جيدة لهشام إسماعيل «سعيد» وشريف حسنى «الصديق الحشرى» وعمرو رمزى «الأمير» وتامر فرج «الدغدغان» وأحمد السلكاوى «المتآمر مدكور»، وآخرين استطاعوا جميعا من خلال قدراتهم التمثيلية المتميزة تقديم شخصيات تفاعل معها الجمهور وكانت هناك حالة من الضحك المتواصل على مدى فصلين.. من خلال مجموعة من اللوحات التى جمعت بين الكوميديا والغناء والاستعراض، لكنها قدمت رؤية محددة للعالم أعادت الأمور إلى نصابها فى الحكاية، حيث عاد سعيد إلى سيرته الأولى بعد أن تم حل العقدة التى دار حولها العرض، أى مشكلة المبلغ الذى كان من المفترض إيداعه فى البنك، وظل الشرير مدكور فى شره بعد القبض عليه.. وهكذا الشخصيات الأخري، الأمير ومساعده، فالجميع حافظ على رؤية الفرنسى صاحب النص الأصلى ساشا جيترى 1885-1957، وهو من الجيل التالى لجورج فيدو أشهر كتاب البوليفار والفودفيل.. ورغم الضحك والمتعة والإثارة، فإن السؤال سيظل مطروحاً حول مدى ضرورة إعادة تقديم هذه العروض التى أنتجت لظروف محددة فى لحظة تاريخية وتراجعت بتحولات اجتماعية وسياسية فى العالم، فلماذا اللجوء إلى عروض بعيدة عن أسئلة الواقع وقضايا اللحظة الراهنة؟

ولا ننكر أن الضحك والمتعة والإثارة من ضمن أهداف المسرح خاصة الكوميدى، لكن الزمن قد تجاوز الضحك كهدف اسمى من مناقشة القضايا الراهنة، فحين أعلن الدكتور على الراعى عن أمنياته فى أن يصل بين الكوميديا الشعبية وكوميديا المثقفين ويقصد نصوص الكتاب المعاصرين، كان يحلم بأن يستفيد المسرح المعاصر ووعى هؤلاء الكتاب من مفردات وعناصر الكوميديا الشعبية التى تجد هوى فى وجدان المصريين، وكانت أعمال لينين الرملى وآخرين نموذجاً للكوميديا الاجتماعية.. ما أود أن أختتم به هذه القراءة أن تقديم مسرح يثير الضحك، لا يخلو من الإثارة والتشويق أو حتى ينتمى إلى مدارس مسرحية قديمة أو حديثة ومعاصرة دون إثارة قضايا الواقع وهموم المواطن أمر خطير وهذا أصبح من سمات المسرح المصرى فى السنوات الأخيرة.

 	جرجس شكري

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

نجيب

المزيد من فن

عمرو سعد يصوّر «إفراج» فى القلعة

يواصل الفنان عمرو سعد تصوير مشاهد مسلسله «إفراج »، وصوّر بعض مشاهد المطاردات فى شوارع القلعة الأسبوع الماضى.

طارق لطفى و «فرصة أخيرة» فى شوارع شبرا

عاد الفنان طارق لطفى لتصوير مشاهد مسلسله «فرصة أخيرة »، الذى ينافس به فى الموسم الرمضانى.

وحدة تصوير ثانية ل «صحاب الأرض»

يواصل صناع مسلسل «صحاب الأرض » تصوير مشاهده فى مدينة الإنتاج الإعلامى.

معتصم النهار يعود لـ«نصيب» بعد رمضان

يعود الفنان اللبنانى معتصم النهار إلى القاهرة بعد عيد الفطر المبارك مباشرة، لاستكمال تصوير مشاهده فى فيلم «نصيب »، الذى...


مقالات