دائمًا نسمع جملة أن السينما تجسد الواقع، وأن هناك ما يسمى بالحبكة الدرامية أو رؤية المخرج.. لكن أيضًا هناك
نظرية مهمة جدًا تؤكد أن السينما تعلم أجيالًا بل وتؤرخ للعصور.. ومن ثم جاءت فكرة عمل مقارنة بين سينما الماضى وسينما الحاضر، وهل المجتمعات الماضية كانت أكثر رقيًا وهدوءًا، رغم أنها كانت تعيش العديد من الحروب التى تثمر غالبًا عن مجاعات وانحراف أخلاقى.. أم أن المشكلة تنحصر فى صنّاع سينما الحاضر، وحرصهم على تقديم سينما البلطجية والمخدرات، وما شابه ذلك.
«جمهور السينما المصرية فى الأربعينيات كان مقصورًا على الطبقة الأرستقراطية، والعائلات الأرستقراطية، أو النخبة من المجتمع، لذلك كان هناك بقاعات العرض ما يُسمى بـ»اللوج» و»البلكون»، لتتمكن تلك العائلات من المشاهدة والاستمتاع، لأنها كانت وسيلة المتعة لهم، وكانت السينما بها ثقافة ومتعة كبيرة».. بهذه الكلمات بدأ الناقد الفنى أحمد سعد حديثه، ثم أضاف قائلًا: «فى الخمسينات والستينات بدأ دخول القصص العالمية، وتم تمصيرها، مما أحدث نهضة فى عالم السينما، وبدأ يرتاد السينما الجمهور المثقف.. وفى نهاية الستينات بدأت النظرة إلى السينما على أنها نوع من التسلية بعد دخول موجة الأفلام الكوميدية فى ذلك الوقت، وبالتالى بدأت الطبقة المتوسطة فى ارتياد دور العرض، وأيضًا كانت الأعمار المتوسطة من الشباب تقبل على دور العرض أيام الإجازات، وبالتالى اختلف النسيج العمرى والطبقى لجمهور السينما».
ويضيف سعد: «فى السبعينات والثمانينات اختفت الطبقة الأرستقراطية تمامًا من جمهور السينما، وأصبح معظم جمهورها من الشباب والمراهقين، وتحديدًا فى الفئة العمرية بين 15 و25 سنة، حيث طغت فى هذه المرحلة الأفلام الرومانسية والكوميدية».
ويواصل: «فى مرحلة التسعينات، خاصة بعد فيلم «إسماعيلية رايح جاى»، وتغييره للخريطة السينمائية بوجه عام، ظهرت موجة الأفلام الكوميدية الشبابية، وبالتالى كان جمهورها وأبطالها من الشباب فقط. ومع الألفية الجديدة ظهرت موجات أفلام العشوائيات، وأيضًا الأفلام الشعبية، وبالتالى اختلف أيضًا نسيج الجمهور مرة أخرى، وأصبح هذه المرة جمهور أفلام العيد ووسط البلد، وجمهورا يريد فقط أن يضحك ولا يفكر.. وبالتالى فالمنحنى ينحدر وينهار، وبعد أن كانت السينما وسيلة للثقافة والمتعة والفكر، أصبحت فقط للتسلية واللاعقل».
وعن حال السينما الآن وحال جمهورها من الأربعينات إلى الآن، أكد الناقد محمود قاسم أن شريحة جمهور السينما تتغير كل 10 سنوات، ويظهر نوع مختلف من الجمهور، فمع بدايه الأربعينات وظهور أفلام أم كلثوم وعبد الوهاب، كان جمهور السينما يبحث عن فسحة نهاية الأسبوع، وكان من الطبقة التى لا تحب الذهاب إلى الملاهى الليلية.
ويضيف قاسم: «فى فترة الستينات ظهرت الأفلام الرومانسية، وأصبحت الطبقة المتوسطة هى جمهور السينما. وفى السبعينات ظهرت أفلام الإحساس الوطنى، ونصر أكتوبر، وأفلام عهد عبد الناصر، والإسلاميين. وفى أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات ظهرت أفلام الانفتاح الاقتصادى، وظهر عادل إمام وأفلام (المتسول، ورمضان فوق البركان، وشعبان تحت الصفر)، وغيرها من الأفلام التى تخاطب العامل، وأصبح جمهور السينما من الصنّاع والذين يقضون عطلة الأحد فى الخروج إلى السينمات للتسلية، وبالتالى وجدوا أن سينما عادل إمام والثمانينات عبرت عنهم».
ويواصل قاسم: جاءت مرحلة التسعينات وظهرت موجات من الأفلام، كانت موجهة إلى الحرب على الإرهاب، بتدخل من الدولة لمواجهة إرهاب التسعينات مثل: (الإرهابى، والإرهاب والكباب)، وغيرهما، وكان أيضًا الجمهور من الطبقة المتوسطة من الشباب المتعلم، وليس المثقف.. وكذلك شهدت السنوات العشر الأولى من الألفية موجة من الأفلام الكوميدية، أما السنوات العشر الأخرى فكانت هناك أفلام العشوائيات والشعبية، لكن فى المجمل كان جمهور الألفينات من المراهقين، ومن يبحثون فقط عن المتعة والتسلية، واختفى الجمهور المثقف الذى يبحث عن الفكر والفكرة».
ويختتم قاسم: «مؤخرًا ظهرت بعض المحاولات التى كانت بمثابة استغاثة من العالم الآخر، مثل فيلم اشتباك، وفيلم هيبتا، وفيلم مولانا، وربما هذه كانت بعض البوادر التى تبشر بعودة روح الثقافة إلى جسد السينما».
أما السيناريست والكاتب بشير الديك فيرى أن السينما بنت الواقع، ووليدة له، ففى الأربعينات والخمسينات كانت الموضوعات بها حالة تأمل وفكر وهدوء، واستمرت حالة التوازن الثقافى والفكرى فى السينما، حتى بعدما قدمت سينما جيل عاطف الطيب ومحمد خان وعلى بدرخان وداود عبد السيد فكرًا جديدًا فى أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات، وكان حتى ذلك الوقت جمهورها يبحث عن الفكر والفكرة قبل التسلية.
ويضيف الديك: «بعد عصر الإنترنت والفيس بوك اختلف جمهور السينمات، وأصبح هناك ما يسمى بسينما الهلس والأغانى والكليبات والرقصات، وهذا لا يعنى أن ثقافة الأغانى والأفلام الاستعراضية والرقص لم تكن موجودة من قبل، بالعكس، فقد كان هذا موجودًا منذ أفلام الكسار، لكنه كان موظفًا بفكر وهدف ورؤية، أما الآن فلا متعة ولا فكر ولا هدف ولا رؤية، وهذا يرجع إلى أن السينما مخلصة جدًا للواقع تنقله كما هو وتعلق عليه».
ومن جانبه قال المخرج وليد جنيدي: «العلاقة بين جمهور السينما ونوعية الأفلام التى تُعرض تبادلية، فكل جيل يفرض طبيعة أفلامه وفكره على السينما، وبالتالى يخلق جمهورًا مختلفًا عن الجمهور الذى سبقه والذى سيليه.. فى الأربعينات كان الجمهور منقسمًا إلى قسمين؛ طبقة عليا أرستقراطية تحرص على ارتداء الملابس الأنيقة، والسينما بالنسبة لها بمثابة سهرة مميزة، أما الطبقة الثانية فكانت سينما الدرجة الثانية والثالثة، وكانت لعامة الشعب من الموظفين والعمال.. وفى الخمسينات كانت نفس الوتيرة، بل ظهر وقتها جمهور الأفلام الأمريكية، وكان جمهور الفيلم المصرى هو الجمهور غير المثقف وقتها».
ويضيف: «فى مرحلة الستينات أصبح الجمهور فى حالة نضج فكرى نتيجة ثقافة الأربعينات والخمسينات، وهذا حدث بظهور جيل من مبدعى السينما المثقفين مثل كمال الشيخ وعز الدين ذو الفقار ويوسف شاهين، وبدأت السينما بعدها فى عصر الرواية الأدبية لنجيب محفوظ ويوسف السباعى ويوسف إدريس وغيرهم، وبالتالى أصبحت هناك نهضة فكرية لها جمهور عريض.. أما بعدها فجاءت فترة الحصاد فى السبعينات والثمانينات، وكان جمهور السينما المصرية من كل الطبقات الفكرية والاجتماعية».
ويختتم جنيدي: «فى التسعينات أصبحت سينما المراهقين هى الغالبة، وبحلول الألفينات أصبحت هناك فلسفة سينما المولات والفيشار والتسلية والتسوق والصنّاع الذين يتصارعون على جمهور سطحى، وللأسف متوقع أن ينحدر المؤشر لأسوأ من هذا، بعد أن كنا نقترب فى إنتاج عدد الأفلام من السينما الأمريكية، والآن تخلفنا عنهم بخمسين سنة».
المخرج محمد فاضل أكد أن جمهور السينما اختلف تمامًا الآن، وقال إن هذا لسببين.. «الأول: ظهور الفضائيات والمحطات التى تسرق الأفلام وتعرضها بعد نزولها بساعات بدور العرض، وهذا شجع على أن يشاهد الجمهور الفيلم مجانًا وبالمنزل، والسبب الثانى صعوبة المواصلات، وتكبد المشاهد عناء الطريق والمشقة، وتمركزت السينمات فى المولات، وتم هدم سينمات الأحياء غير المركزية، وإقامة جراجات مكانها، وزيادة أسعار تذاكر دور العرض بأرقام كبيرة جدًا.. إضافة إلى ظهور سينما المواسم، وبالتالى قلة عدد الأفلام، وخوف المنتجين من تحمل الخسائر بسبب القرصنة، وعدم ضمان الإيرادات، وأيضًا احتكار دور العرض، وعدم وجود قرار يحمى حق عرض الفيلم.. وبوجه عام كان جمهور الستينات والسبعينات أنضج جمهور عرفته السينما المصرية».
المخرج شريف مندور أوضح أن هناك دراسات عن عدد الذين يرتادون دور العرض فى فرنسا سنويا، وهم 36 ضعف المواطن المصرى، كما أن المستوى العمرى لمرتادى السينمات بمصر هم الفئة العمرية من 14 إلى 16 سنة، ومعظمهم يقبلون على الأفلام الكوميدية والأكشن، وأكدت الدراسات مؤخرًا أن الطبقة العاملة هى الأكثر اقبالًا على السينمات، واتخذت منها تعويضًا عن الملهى الليلى لاحتواء الأفلام فى العشر السنوات الأخيرة على الرقص والغناء والإفيهات، وبالتالى يعتبر الفيلم عوضًا عن الكباريه، ولوحظ أيضًا فى الدراسات الأخيرة أن المعدل الثقافى ينحدر وليس أرقام التذاكر، ولكن مستوى الجمهور.. وهذا سببه انحدار الثقافة، والمفروض أن تبادر الدولة بخطة عاجلة لإنقاذ الثقافة..
من جانبه أكد المخرج والسيناريست د.عصام الشماع ان السينمات بدأت بدلًا عن الكباريهات، وكان روادها فى الأربعينات هم البهوات والباشوات، وأيضًا كان نجومها مثل جمهورها مثل: يوسف وهبى وزكى رستم وبها الفيلات والقصور والأغانى والسيارات.. وبعد ذلك فى الخمسينيات وحتى منتصف الستينيات بدأت موجة الأفلام الرومانسية والنصوص الأدبية، وكان جمهورها مثقفًا ومتحضرًا، إلى أن دخلت موجة الأفلام السياسية بعد الثورة، وتحولت السينما من القصور والفيلات إلى الطبقات المتوسطة، وبالتالى حدث اختلاف آخر للجمهور وأصبح يضم طلبة الجامعات والمدارس، والنخبة والمثقفين، وهى مرحلة الرومانسية الثورية.. ثم بعدها ظهر الجمهور الشعبى، وهو جمهور ملك الترسو فريد شوقى، وبعدها جاءت مرحلة النكسة، وكان الاتجاه وقتها إلى الأفلام الكوميدية للتخفيف عن الناس، فظهرت أفلام سعاد حسنى وحسن يوسف وكان الجمهور من الشباب».
ويختتم الشماع: «فى أواخر الستينيات أنتجت الدوله أفلامًا سياسية مثل ميرامار وثرثرة فوق النيل، وكان الجمهور وقتها فى حالة ثقافة ونضج، وبعد وفاة عبد الناصر وبدء عصر السادات والانفتاح الاقتصادى جاءت أفلام عادل إمام مثل «سلام يا صاحبى» وغيره، وتم إفراز الجمهور الشعبى.. ومنذ الثمانينات حتى الآن اختلف الجمهور من الشعبى، إلى أن وصلنا الآن إلى مرحلة سينما اللاوعى، والتسلية، أو سينما الفيشار والمولات».
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يشهد معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين، والمقرر إقامته خلال الفترة من 21 يناير حتى 3 فبراير 2026،...
فاروق عبدالقادر (22 يناير 1938 - 23 يوليو 2010)، الذى وُلد فى بنى سويف، درس علم النفس بعد أن التحق...
منذ أيام احتفلت الإذاعة المصرية بذكرى افتتاح السدالعالى ـ يناير 1971 ـ وهو المشروع الوطنى الكبير الذى وضع الرئيس عبدالناصر...
فى أجواء احتفالية جمعت نجوم هوليوود ببريقهم المعتاد وخفة الظل، أُقيم صباح الاثنين الماضى حفل توزيع جوائز الجولدن جلوب الثالث...