الشريعى.. عشر سنوات من الغياب.. ألف عــام مـن الحضـور

الصعيدى الذى تحدى عتمة لياليه

لا أحب المناسبات أيا كان نوعها، لكنها على كل حال تترك فينا أثرا لا يمكن تخطيه.. وبقدر ما أكره مناسبات العزاء فإنها تطاردنا من باب الواجب والمفروض..

هكذا هو الحال دوما فى حياتنا العادية.. أما فى الكتابة فالأمر أشد قسوة، حين تدرك أن الكثيرين من عقولنا ومبدعينا سيمرون ولن نتذكرهم إلا فى هذه المناسبات، فتصبح ذكراهم نوعا من الواجب والمفروض أيضا.

منذ أيام أتم عمار الشريعى عشر سنوات من الغياب.. مرت ذكرى الوفاة دوت أى احتفاء من أى جهة حتى من باب الواجب.. الجميع  ممن كانوا يتوافدون إلى بيته فى المنيل أو الاستوديو فى الدقى لم يتذكروه.. ربما تذكره بعضهم فى سرهم.. ربما تذكرته اسرته الصغيرة.. زوجته وابنه الوحيد مراد الشريعى بوضع بوكيه ورد على قبره فى  الصعيد حيث أصر الرجل على أن يوصى محبيه بدفنه هناك وكأنه يعرف أن أحدا لن يذكره سوى أولئك الذين عاشروه فى سنواته الأولى.

خمس سنوات فقط قضاها الطفل عمار الشريعى فى "سمالوط".. هناك، فى  منتصف المسافة  بين آخر الصعيد والقاهرة.. منتصف الرحلة التى عاشها الرجل العنيد طولا وعرضا يحاول فك طلاسمها  عبر حروف الموسيقى، مرة على العود ومرات على البيانو.. ومرات أخرى على الأوكورديون.. فيما لا يتوقف عن المحاولة.. محاولة التفسير والفهم عبر حنجرته التى لم تتوقف يوما عن الغناء وقراءة القرآن..

"نص قلبى.. فايته فى قبلى

زعق الوابور

قبل ما يرحل بى

ونص قلبى فايته فى قبلى

زعق الوابور

صحى البكا ف قلبى

على حبيبى اللى رحل قبلى"..

لم تكن هذه الرباعية التى كتبها عمنا سيد حجاب مجرد سرد وتفسير وشرح لحالة الفتى طه حسين ابن محافظة المنيا وهو يرحل ممتطيا ذلك القطار ذا القلب الحديدى إلى القاهرة ذات الأسوار الحديدية والقلب الأقسى من الحديد.. بل كانت صرخة عمار الشريعى أيضا ابن نفس المحافظة.. وإن كان بين  الرحلتين ما يزيد على الخمسين سنة. أسرة عمار الشريعى التى تنتمى إلى قبيلة الهوارة المنتشرة فى معظم بلاد الصعيد والتى لم تتوقف عن الترحال من المغرب العربى إلى تونس إلى القاهرة إلى الصعيد أيام السلطان برقوق.. لم تتوقف عن الرحيل المعاكس حيث "العاصمة" التى تطارد صورتها الجميع.. حتى ذلك الطفل الذى لم يعرف لماذا يغادر الصوت الوحيد الذى يألفه.. صوت والدته ابنة المناضل الوفدى الشهيد مراد الشريعى الذى حكم عليه الإنجليز بالإعدام لمشاركته الوفد المصرى فى مطالبته للاحتلال بالرحيل عن بلادنا.

كان أقسى ما يؤلم عمار الشريف عند سفره للمرة الأولى من المنيا إلى القاهرة هو مغادرته لاثنين.. صوت والدته الذى لا يتوقف عن هددته بالغناء الفولكلورى الذى كانت  تحفظ منه الكثير.. وصوت الفلاحين الذين يمرون إلى جانب سور منزلهم فى سمالوط.. لكنه على كل حال غادر إلى القاهرة.. فوالده أحد كبار أعيان الصعيد الذين يعملون فى تجارة الخيول، وهو نائب دائرة سمالوط فى مجلس الأمة.. أيضا لم يستطع وهو الفارس الذى لا تحول دونه أية حواجز.. أن يقبل فكرة أن يجلس ابنه لمجرد أنه فقد بصره بسبب مرض فى عصب العين.. قرر أن يعلمه على طريقة "طه حسين" فقد يصبح خليفته.. ألحقه بمدرسة تابعة للمعونة الأمريكية.

يحكى عمار لى فى تسجيل خاص "كانت مدرسة داخلية توفر لك كل شىء.. حتى نوع الأكل.. كنت نباتيا لا آكل اللحوم.. لذلك كانوا يمنحونى جبنا وعسلا وكوب لبن كل صباح".

المدرسة التى تسأل ماذا يناسب هذا الطفل  من طعام تسأل ماذا يعرف.. عمار كان يعرف الكثير.. يحفظ الأجزاء الخمسة الأولى من القرآن والكثير من الأناشيد والابتهالات.. وينتظر أن يذهب إلى القاهرة.. هكذا تصور وتصورت أسرته الصعيدية.. لكنه خالف التوقعات.. واكتشف مدرسه عبدالله محسن قدراته الموسيقية  المبكرة فألحقه بدراسة الموسيقى وأرسل إلى معهد أمريكى "هارل سكول" بتفاصيل حالته ليتم إلحاقه بالدراسة به وقد كان.. تعلم العزف على الإكسيليفون والأوكورديون ثم تركه وذهب لتعلم  العود بمفرده.. ثم  البيانو وكتابة النوتة.. حتى وصل إلى الرابعة عشرة.

وقتها اكتشف كمال الطويل وفريد الأطرش القدرات غير العادية لابن صديقهم الصعيدى فنصحوه بأن يتركه يدرس الموسيقى.. وفكر الأب فى إرساله إلى إيطاليا.. لكنه غادر الحياة فجأة وعمار لم يبلغ السادسة عشرة بعد.. رحل الأب وأصبحت الأم الملهوفة والمنزعجة من فكرة أن ينحرف ابنها فى مأزق.. لكن عمار ذهب إلى جامعة عين شمس ليدرس الآداب.. آداب اللغة الإنجليزية، ليطمئن الأم أنه على طريق طه حسين لا يزال وإن لم يكن أزهريا.

حصل عمار على الليسانس.. وأكمل سنة أخرى فى دراسة الماجيستير عن هنرى أبسن.. لكن الموسيقى كانت أكثر إغراء.. فكان أن غادر سور المدرسة والجامعة والبيت ليمرح مع رواد الملاهى الليلية عازفا خلف راقصة.. فكان أن قاطعته الأم..  فترك منزلها وقرر ألا يعود إلا بعد أن يثبت لها وللعالم أنه لم ينحرف.. بل عرف الطريق..

 أنا قلبى ما فيه أخوه..  لكن زمانى ضنين

عندما أراد سيد حجاب أن يتحدث عن "طه" قال..

"أنا مش أعمى يا هوه

يا خلق يا عميانين

أنا قلبى ما فيه أخوه

لكن زمانى ضنين"..

وأٌقسم ثالثا "لأطير كمثل النسور.. وأخط بإيدى المصير".. وهكذا قرر عمار الشريعى أيضا أن يخط بحروف الموسيقى قصته التى لم نتذكرها إلا فى المناسبات.. فما بالكم بأسرارها؟

 حرامية ملهى رمسيس

يحكى لى عمار فيما أجلس مندهشا فى إحدى حجرات منزله بالمنيل ويدى على التسجيل الصغير الذى أحضرته معى: "جاتلى فرصة أشتغل مع أم كلثوم.. ودى أكبر جايزة لأى عازف.. كنت رايح مكان حد غاب.. الأورج كان حاجة نادرة وقتها.. المهم خلصت النمرة بتاعة ملهى رمسيس والعمال حطوا الأورج فوق التاكسى اللى ركبته.. وصلت بيت أم كلثوم عشان البروفة.. أول بروفة.. نزلت من التاكسى  وأنا مش عارف هاعمل إيه.. دماغى كلها إزاى هاتعامل مع الست دى.. طبعا ما أخدتش بالى إن التاكسى مشى ومعاه الأورج وضاعت الفرصة".

يروى عمار بلباقة.. يحكى بيسر.. ويضحك.. لكنه لم يقل إن الفرصة كانت تنتظره فى مكان آخر.. وإن إحدى الراقصات اللاتى كان يعزف خلفهن كانت سببا فى أن يصبح ملحنا.. بعد أن طردته من العمل معها ليعمل مع مها صبرى التى طلبت منه أن يلحن لها.. وكانت "امسكوا الخشب يا حبايب" أول أغنية فرح وأول لحن يقدمه للناس.. لتبدأ بعدها قصة  أخرى تسمح لذلك "الكفيف" بأن يقرأ مشاهد السينما والتليفزيون.. والألحان ليقدم لنا ما يزيد على ثلاثمائة أغنية وعشرات الأفلام والمسرحيات ومئات الحلقات من برنامج "الغواص".

 سيبولى قلبى.. وارحلوا

أغنيته الأولى كانت عام 74.. لكنه لا يعتبرها البداية الحقيقية له.. بدايته حسبما يحب كانت مع الكبيرة شادية التى اختارته ليلحن لها كلمات كتبها مصطفى الضمرانى وقررت أن تنتجها وتصرف عليها.. فكانت "أقوى من الزمان" هى الباب الحقيقى الذى أطل منه عمار على عالم التلحين.. وبعدها بأربعة أعوام فقط كانت تجربته الأهم مع سيد حجاب وعبدالمنعم مدبولى فى "بابا عبده".. ثم توالت المسلسلات والأفلام والمسرحيات والطفل الصعيدى العنيد لا يتوقف عن  الاكتشاف.

كانت لدى  عمار هواية غريبة.. كان يحب إصلاح أعطال الكهرباء.. وأى حاجة "بايظة".. هكذا فعلها فى بيت كمال الطويل.. وفى  الاستوديو.. وفى منزله  عشرات المرات.. لكنه علاقته الغريبة بالتكنولوجيا لم تكن مجرد  هواية فقط.. هو دائما يبحث عن الغريب والمختلف.. لذا لا تندهش حينما تسمع عمر الشريف وهو يؤدى دور الأراجوز فى واحد من أغرب اختراعات سيد حجاب فى الكتابة..

"أراجوز .. أراجوز

إنما فنان

فنان أيوة.. إنما أراجوز

ويجوز يا زمان

أنا كنت زمان

غاوى الأرجزة طيارى يجوز

إنما لما الكيف بقى إدمان

باجى أبص لشىء واحد

أرى.. جوز

أرى إيه.. أرى إيه

أراجوز"..

رأى عمار ما هو أكثر من "الجوز".. ولم يكن ما رآه خيالا.. كانت موسيقى حقيقية لها جذور وأصل وفصل.. حتى وإن لم يدركه هو شخصيا ساعة صناعتها..

 هيه الليالى.. كده

لم تكن حياة عمار الشريعى سهلة كما يتصور البعض.. صحيح أنه مولود لأسرة ميسورة.. ولم تكن لديه معاناة مالية.. لكنه قرر أن يعيش على طريقته..  بمفرده.. وهذا ليس أمرا سهلا على الأصحاء فى عالم "الآلاتية".. فهناك من لم يستطع أن يستوعب كيف استطاع هذا الرجل أن يكون خليفة لعبد الوهاب والطويل والموجى وبليغ، ومنافسا لحلمى بكر وسلطان وجمال سلامة فى وقت واحد.. حتى إن الدولة كانت تمنحه وحده احتفالها الأهم بأكتوبر على مدار 22 سنة.. كيف استطاع أن يمنح ألحانه لأهم أصوات زمانه.. ميادة الحناوى, شادية,  عفاف راضى، الحجار، محمد الحلو، أنغام، لطيفة، هدى عمار، وعشرات غيرهم.. وكيف صنع لنفسه "شلة" فى عالم الدراما.

عشرات الأسئلة انشغل بها أهل الموسيقى فى وقتها.. ولم يجب أحدهم.. ولم يشغل هو باله بها.. مثلما استراح لفكرة أن قلبه "موجوع" وعليه أن يذهب لغرفة العمليات ثلاث مرات متتالية ليوسع "شرايينه" التى ضاقت.. لكنه لا يشكو.. بل يضحك.. ويفاجئنى بأنه لم يتوقف عن التدخين أيضا.. فقد أدرك أنه سيكمل رحلته كما أراد.. لا شىء يوقف قطاره عن "الزعيق" فقط.. مراد، ابنه الوحيد الذى جاء "على كبر" كما يخبرنى.. مراد هو الوحيد الذى جعله يتمنى أن يبصر ولو لثوان ليتأكد من "تقاطيعه".. يتملاه.. ثم يعود إلى عتمته التى تعودها..

لا يسمى الرجل ذلك عذابا.. ولا ألما.. هو الطريق وعليه أن يمشيه..

"وصدقونى..

العذاب ع الأرض..

مش صدفة..

لكل صوت رنته

ولكل خوف رجفة

ولا العذاب ينعشق

ولا الهموم حرفة"

عاد الشريعى إلى سمالوط منذ عشر سنوات.. غاب عن القاهرة وحواريها.. لكن أغنياته لم تغب.. ولن تغيب.. فهذه الموسيقى ستعيش ألف عام من الحضور وربما أكثر.

 	محمد العسيري

محمد العسيري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

12 سنة من الغياب .. عمر من الحضور الطاغى عمار الشريعى.. صاحب المقام
سيد

المزيد من فن

احتفاء فنى وصدام سياسى غزة تخطف الأضواء فى «برلين»

شهد مهرجان برلين السينمائي الدولى (برليناله) مساء السبت 21 فبراير 2026 أمسية ختامية حملت أبعادا سياسية واضحة، بعدما منحت لجنة...

شهر رمضان.. مناسبة دينية ذات طابع قومى

مشاهد مسرحية وأغان مصرية

القاهرة الكبرى تستعيد رموز الثقافة المصرية فى ليالى رمضان

الإذاعى الكبير - محمد عبد العزيز - رئيس إذاعة القاهرة الكبرى، جعل هذه الإذاعة هي الكبرى بين الشبكات والمحطات الإذاعية...

عندما اكتشفت وردة أنها بوسطجى الغرام بين الأبنودى ونهال كمال

أوراق الوردة (18) لماذا قاطعها عمار الشريعى 7 سنوات وحلمى بكر 12 سنة؟ وردة بعد بليغ: كشف حساب للنجاحات والإخفاقات...


مقالات

سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص
كيف تستثمر رمضان من أجل صحة أفضل؟
  • السبت، 07 مارس 2026 01:00 م
أثر النبي
  • السبت، 07 مارس 2026 09:00 ص
فتح القدس وبناء المسجد الأقصى
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:02 م