رغم رحيل الكاتب الكبير أسامة أنور عكاشة فى مايو 2010 إلا أن أعماله مازالت حاضرة فى حياتنا بشكل واضح وخصوصا أعماله الدرامية
التى تخطت شهرتها ونجاحها حدود مصر إلى الدول العربية مثل "ليالى الحلمية، زيزينيا، الراية البيضاء" وغيرها الكثير والكثير من الأعمال التى جعلت من عكاشة أحد أهم كتاب الدراما فى مصر والوطن العربى من خلال تميز كتاباته وواقعيتها وتجاوب الجمهور معها، وحتى الآن مازال هذا الأمر يحدث عند تحويل كتاباته الأخيرة التى لم تر النور إلى أعمال فنية وآخرها فيلم "الباب الأخضر".
وفيلم "الباب الأخضر" الذى تم عرضه مؤخرا، يعد من أعمال عكاشة التى كتبها ولم يقدر لها الخروج إلى النور فى حياته وتم تنفيذها مؤخرا، وعرض الفيلم للمرة الأولى ضمن فعاليات الدورة الـ 38 لمهرجان الإسكندرية السينمائى الدولى لأفلام البحر المتوسط فى أكتوبر الماضى، قبل طرحه على إحدى المنصات الإلكترونية وتحقيقه لردود فعل جيدة من المشاهدين.
الفيلم بطولة إياد نصار، سهر الصايغ، خالد الصاوى، حمزة العيلى، سما إبراهيم، بيومى فؤاد، لطيفة فهمى، تصوير وإخراج رؤوف عبد العزيز، تبدأ أحداث الفيلم فى إحدى القرى المصرية عام 1988 وهى قرية كفر المنسى حيث نشاهد ولادة فى أحد بيوت القرية وثورة رجل هو شقيق الأم لرغبته فى معرفة والد الطفل وأنه لن يقتل أمه حتى يعرف من هو، وبعد مرور فترة من الولادة تسافر الأم مع أحد كبار القرية لمصر حتى تقابل والده لتسجيل الطفل وتسميته وهنا ينتهى "الأفان تيتر" وتنزل الأسماء، وتبدأ أحداث الفيلم عند "الباب الأخضر" بمنطقة سيدنا الحسين بالقاهرة.
و"الباب الأخضر" هو اسم شارع ملاصق للمسجد الحسينى من جهة الضريح وهو الباب الذى قيل إن رأس الحسين دخلت منه ملفوفة بحرير أخضر معطر بالمسك والعنبر، فسمى بذلك الاسم، هناك حيث نشاهد أطيافا من البشر تحمل الكثير من الحكايات والتناقضات، وعلى هذا الباب تنتظر بطلتنا "عيشة عبدالتواب" حكيم القرية الذى يقوم بدوره "أحمد فؤاد سليم" أن يأتى لها بزوجها لتتم إجراءات تسجيل الطفل، ولكنها تتعرض لحادثة تكون سببا فى دخولها مستشفى الأمراض العقلية واحتجاز رضيعها فى إحدى دور الأيتام.
ورغم أن نموذج "عيشة/ سهر الصايغ" الفتاة الريفية البسيطة يعبر عن طبقة اجتماعية معينة وظروف خاصة إلا أن المصادفة تجعل الطبيب النفسى الذى يقوم بعلاجها، وهو بالطبع يمثل نموذجا اجتماعيا مختلفا عنها، يمر بظروف مماثلة، حيث يعانى من حرمانه من ابنه منذ ولادته بسبب ظروف خاصة تتعلق بزوجته وبأسرار عمله التى تبدأ فى الاتضاح لنا بمرور الأحداث.
ليصبح كل ما يسعى له الطبيب النفسى "شفيع/ إياد نصار" هو مساعدة هذه الأم التى حرمت من ابنها ظلما وتسعى لإثبات نسبه حتى تبرئ ساحتها أمام شقيقها وأهل قريتها، ويعيد لها رضيعها حتى تصبح لها هوية، فى محاولة لإسقاط ظروفه هو نفسه وفشله فى استرداد ابنه بمساعدتها هى، وطوال الأحداث يسعى لذلك جاهدا إلا أن النهاية تأتى بما لا تشتهى السفن، حيث يفشل الطبيب فى رد حق مريضته لها ومساعدتها فى إثبات نسبها وتظل تنتظره وهى تحمل طفلها وتهدهده أمام "الباب الأخضر": "يا هادى يا هادى.. يا رافع كل بلية.. يا عالم بالأسرار الخفية.. اكفينا شر الأسى والأسية"، على أمل عودة الطبيب بزوجها ولكنه لن يعود، لتظهر على الشاشة كلمات: "ومازلنا فى انتظار شهادة الميلاد.. فلكى يعيش الإنسان لابد أن يكون له اسم.. هوية.. فإلى متى ننتظر عند الباب الأخضر"؟
وبذلك تنتهى أحداث الفيلم التى طرحت مثل كثير من كتابات عكاشة فكرة الهوية والبحث عنها ليس فقط لطبقة اجتماعية معينة وإنما لمجتمع كامل يجب أن يكون له هويته الخاصة، ولا يتم محو هذه الهوية بشكل مخطط أو عن طريق أى تجربة لتأتى النتيجة على لسان الطبيب الذى يعرف نتيجة هذه التجربة: "أنت عارف يعنى إيه تغير اتجاه شعب بحاله شخص يتحول لحد تانى، تغير كل انتماءاته، تغير اعتزازه ببلده، بلغته، يتريق على أم كلثوم، يصدق أن اللى بنى الأهرامات مش مصرى"، نفس فكرة التمسك بالهوية التى لمسناها فى أعمال عكاشة الدرامية التى عشنا أحداثها لسنوات طويلة فى مسلسلات مثل "الراية البيضا، أرابيسك، المصراوية" وغيرها، هذه هى روح الكاتب أسامة أنور عكاشة وقناعاته التى ظل مهموما بها دائما فى كتاباته.
فى اعتقادى كان اختيار عرض "الباب الأخضر" من خلال إحدى المنصات الإلكترونية هو الاختيار الأنسب لأن مثل هذه التجربة قد لا تجد لها تجاوبا تجاريا إذا عرضت بدور العرض السينمائية، وهو يختلف عن أعمال عكاشة السينمائية الأخرى مثل "كتيبة الإعدام ، دماء على الأسفلت والهجامة وغيرها"، حتى على مستوى الشكل والتنفيذ للمخرج ومدير التصوير رؤوف عبد العزيز.
نجح السيناريو فى تضفير فكرة تجريب مصل جديد قادر على تغيير ملامح حياة وذكريات الشخص الذى يحصل عليه، ما يؤدى إليه من تأثير خطير وبين حكاية "عيشة" التى تلد بزواج عرفى، وتسعى لإثبات نسب طفلها دون جدوى، وفى الحالتين تظل فكرة التمسك بالهوية واضحة.
ظهر من خلال الصورة التى خرج عليها "الباب الأخضر" مدى حرفية المخرج/ مدير التصوير رؤوف عبد العزيز فى تقديم صورة فنية مميزة بزوايا تصوير واسعة ورحبة، تدل على شمولية الطرح لفكرة الفيلم، كما كان واضحا أن المخرج لجأ لأماكن تصوير طبيعية ما أعطى لكثير من المشاهد جمالا وصدقا خاصة تلك التى تم تصويرها فى القرية والأماكن الزراعية وعند مسجد الحسين، فكان لدى المخرج وعى كبير بأهمية المكان وتفاصيله، إلا أن الإيقاع كان فى الجزء الثانى من الفيلم أبطأ من الأول، وكانت النهاية صادمة ولكنها كانت ضرورية حتى يظل سؤال المؤلف حاضرا حتى النهاية.
ورغم أن أحداث الفيلم تدور فى أواخر الثمانينيات إلا أنها فكرة تصلح للطرح والنقاش فى كل وقت، وهو ما يميز كتابات أسامة أنور عكاشة، التى نجح المخرج رؤوف عبد العزيز فى العمل عليها بطاقة كبيرة لتقديمها فى أفضل صورة، وهو ما يحسب له كمخرج ومدير تصوير أيضا، وتعد هذه التجربة هى الأفضل له سينمائيا بعد فيلمين قام بإخراجهما وهما "حملة فرعون عام 2019 وفارس عام 2022".
من أقوى عناصر "الباب الأخضر" الفنية إلى جانب أنه يحمل توقيع أسامة أنور عكاشة، وإلى جانب تميز التصوير والزوايا والأماكن أيضا الذى أسهم فى خلق "حالة" سينمائية خاصة، هو الأداء التمثيلى لأبطال الفيلم وعلى رأسهم النجمة سهر الصايغ التى تحمل داخلها موهبة كبيرة، وظهر فى أدائها لدورها مدى تمكنها من تقديم هذه الشخصية بدرجة كبيرة من الفهم والوعى بتفاصيل معاناتها، وردود أفعالها، كما كان أداء الفنان إياد نصار على درجة كبيرة من الاحترافية خاصة فى المشاهد التى تحتاج انفعالات قوية، ويبقى الفنان خالد الصاوى حضوره الخاص كممثل لولا بعض المبالغة فى الأداء فى بعض المشاهد.
ويقدم بيومى فؤاد لأول مرة دور "المجذوب" بكل ذرة من كيانه ورغم ظهوره فى مشهدين فقط إلا أنه قدم أحد أهم أدواره وأكثرها تميزا، وهو فنان كبير إلا أنه "يستسهل" فى كثير من الأحيان فى اختيار أدواره، كما قدم الفنان حمزة العيلى دوره بفهم وهدوء داخلى رغم طبيعة الشخصية الشريرة التى يقدمها، وكذلك عابد عنانى الذى قدم مشهدا واحدا فقط لصديق الزوج المختفى الذى أعطى للطبيب وثيقة الزواج وهى الخطوة التى ستمهد لإثبات نسب الطفل، وإن كان كيفية وصول الطبيب له غير معروفة وهذا مأخذ على السيناريو، كما كان من الملفت أن شخصية سما إبراهيم بائعة البخور والسبح تضع أحمر شفاه بهذا الشكل أو أن يكون منزلها بهذا الشكل، إلا أنها على أى الأحوال قدمت دورها باتقان، وكذلك لطيفة فهمى رغم مساحة دورها القصير، كما أن العلاقة بين الطبيب وزوجته/ طليقته كانت مشوشة وغير مفهومة وكان أداء نسمة عطا الله التى قامت بدور الزوجة مبالغا فيه.
فى النهاية نحن أمام تجربة سينمائية مختلفة عن السائد، قد يتفق البعض معها أو يختلف إلا أنها تجربة فنية توافرت فيها العديد من العناصر الفنية التى تستحق الإشادة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
بدأ الفنان على ربيع التحضيرات لمسلسل جديد يعود من خلاله إلى الدراما بعد غياب.
يواصل الفنان أحمد حلمى التحضيرات النهائية لفيلمه الجديد «حدوتة »، والمقرر أن يعود من خلاله إلى السينما بعد غياب.
اعتذرت الفنانة أسماء أبواليزيد عن بطولة مسلسل جديد مع الفنان عصام عمر، كان من المقرر أن تقوم بتقديمه خلال الفترة...
عادت صاحبة التجربة الاستثنائية... حتى في أزماتها، عادت لتمنحنا درساً جديداً في فنون الحياة وتقدم لنا تجربة من لحم ودم......