كاتب كبير منح السينما المصرية الصدق والوعى بتفاصيـل المجتمـع

نجيب محفوظ فى ذكراه:

فى "11 ديسمبر" الماضى احتفلت الأوساط الثقافية والأدبية والفنية المصرية بذكرى مولد الكاتب الكبير "نجيب محفوظ" الذى حاز أكبر جائزة أدبية فى العالم "جائزة نوبل"

 وحاز الجائزة الأكبر، وهى محبة الجماهير التى قرأت قصصه ورواياته وشاهدت أفلامه التى كتب قصصها وحواراتها وسيناريوهاتها، ومنها أفلام مهمة دخلت ضمن قائمة المائة فيلم الأكثر أهمية فى تاريخ السينما المصرية، وعلاقة نجيب محفوظ بالسينما لها ثلاث صيغ، الصيغة الأولى، كتابة القصة خصيصا للتحول لفيلم سينمائى، والصيغة الثانية كتابة سيناريو لقصة كاتب آخر، والصيغة الثالثة تحويل رواياته وقصصه المطبوعة فى كتب إلى أفلام، وهذه الصيغة كان يتولاها آخرون، وكان نجيب يقول عنها "لست مسئولا عن السيناريو أنا مسئول عن الرواية المنشورة فى كتاب"، وهذا القول الهدف منه إبراء الذمة من أخطاء كتاب السيناريوهات والمخرجين والمصورين، فلا يحاسبه الجمهور على أخطاء ارتكبها آخرون، ودخول "نجيب محفوظ" عالم السينما تم من خلال صديقه المخرج "صلاح أبو سيف" عضو جماعة "الحرافيش" التى جمعت "نجيب محفوظ وتوفيق صالح وأحمد مظهر وصلاح أبو سيف ومحمد عفيفى وصلاح جاهين"، وكان الفيلم الأول الذى كتب محفوظ "السيناريو" له هو فيلم "مغامرات عنتر وعبلة" ـ 1948ـ وفيلم "المنتقم"، وظهرت بصمته الأدبية بوضوح فى فيلم "ريا وسكينة" الذى أخرجه "صلاح أبو سيف" مستفيدا بمتابعات صحفية كتبها الصحفى "محمد لطفى جمعة" على صفحات "الأهرام" أثناء محاكمة "عصابة ريا وسكينة" فى عشرينيات القرن الماضى، وتوالت مشاركات ـ محفوظ ـ فقدم قصة فيلم "بين السما والأرض" وكتب لها السيناريو، وهو فيلم برع فيه المخرج واستطاع أن يقدم لقطة من حياة مجموعة من الناس فى لحظة أزمة، وهى تعطل المصعد الكهربى الخاص بإحدى العمارات الكبرى، وشعور هذه المجموعة باقتراب لحظة الموت، الأمر الذى كشف المستور الذى يخفيه كل واحد منهم، وكتب ـ محفوظ ـ سيناريو فيلم "إحنا التلامذة" ويروى قصص ثلاثة شبان من أوساط اجتماعية متباينة يسقطون فى وحل الجريمة، بسبب ظروف عائلية تخص كل واحد منهم، وهذه القصة ظهر فيها وعى وإدراك محفوظ لحركة المجتمع والخصائص النفسية للطبقات الشعبية والمتوسطة التى خبرها بحكم وظيفته بوزارة الأوقاف والثقافة، وهى الوظيفة التى منحته خبرات واسعة استطاع توظيفها فى رواياته وقصصه الأدبية منها والتى تحولت إلى أفلام سينمائية، ومن الأفلام التى كتب محفوظ قصصها فيلم "فتوات الحسينية" الذى يروى تفاصيل عالم الحارة الشعبية القاهرية، وهو العالم الذى تشكلت فيه تجربته الروائية والقصصية وميزته عن جميع الأدباء المصريين، واستطاع من خلال معرفته به أن يبلغ رسالته التى قصد إبلاغها من خلال الروايات والقصص منذ بواكير أعماله حتى نهاية رحلته الإبداعية، وكذلك كتب قصة فيلم "الاختيار" الذى أخرجه "يوسف شاهين" وقام ببطولته عزت العلايلى وسعاد حسنى ومحمود المليجى ويوسف وهبى، ويروى الفيلم قصة رجل يعانى من "الشيزوفرينيا" وهو مرض نفسى معروف، ونجح محفوظ فى رسم الشخصية، ورغم أنه لم يعش فى الصعيد، استطاع أن يكتب سيناريو فيلم "الوحش" الذى حكى فيه قصة "محمد منصورالخط"، المشهور جماهيريا باسم "خط الصعيد"، وخلاصة القول، لقد منح نجيب محفوظ الصدق والوعى بالعوالم والشخصيات ومنحته الجماهيرية، ولعل الدليل على ذلك ثلاثيته المشهورة التى تحولت لثلاثة أفلام ناجحة هى "بين القصرين، السكرية، قصرالشوق" ورواياته الأخرى مثل "الطريق، اللص والكلاب".

صفية المهندس.. صاحبة أول صوت نسائـى إذاعى

فى العام 1922 ولدت "صفية زكى المهندس" فى حى "العباسية" بمحافظة القاهرة، فى بيت والدها عميد "دار العلوم" ونائب رئيس "مجمع اللغة العربية"، وفى العام 1937 التحقت بمدرسة "السنية" وهناك التحقت بجماعة الخطابة، وكانت موهوبة فى التحدث باللغة العربية، وكانت الجماعة المدرسية، بداية ارتباطها باللغة العربية والتمهيد الذى هيأها للحاق بالإذاعة، وكان صوتها الجميل المميز هو مفتاح دخولها عالم الميكروفون فى زمن لم تكن فيه سيدات تعمل فى هذا المجال، فتحققت لها الريادة، وذلك بفضل اثنين من كبار الإذاعيين هما "عبد الوهاب يوسف ومحمد فتحى" وتقدمت للاختبار، وأجازها الإذاعى الرائد "محمد محمود شعبان ـ باباشارو" وقدمت فى بدايات عملها الإذاعى برنامج "ركن المرأة"، وتوثقت أواصر المودة بينها وبين "بابا شارو" فتزوجها، وعاشا معا فى "الاستديو" و"البيت" حياة طيبة هادئة، ووصلت منصب "رئيس الإذاعة" فى الفترة من "1975ـ 1982"، ولكنها حملت لقب "أم الإذاعيين"، لأنها كانت تعطف على العاملين فى الإذاعة وتمنحهم من خبراتها، وتساعدهم على الترقى المهنى، والأجيال المتوالية من عشاق الراديو، عشقت صوت "صفية المهندس" من خلال برنامج "إلى ربات البيوت" الذى كان تطويرا لبرنامجها القديم "ركن المرأة" وكانت الفقرة الأكثر أهمية فى "إلى ربات البيوت" هى الفقرة التى تتصدى فيها لمشكلة وتقدم لها الحل المناسب، وكانت آلاف الرسائل البريدية تصل إليها من جميع أنحاء الجمهورية، وحقق البرنامج شهرة واسعة، فكان يذاع فى التاسعة والربع من كل صباح وهو الوقت الذى تكون فيه ربات البيوت منهمكة فى العمل المنزلى وبجوارها "الراديو"، وتصلها الرسائل المستهدف توصيلها إليها، وكانت ـ صفية المهندس ـ ذات نبرة محببة وهى تقول أسماء البرامج مثل "المرأة العاملة" الذى كانت تقدمه الإذاعية "فاطمة محمود" و"لغتنا الجميلة" الذى انفردت فيه بأسلوب جاذب للأذن وهى تقول البيت الشعرى الذى أبدعه "حافظ إبراهيم" على لسان اللغة العربية "أنا البحر فى أحشائه الدر كامن، فهل سألوا الغواص عن صدفاته"، وفى مسيرتها الإذاعية مع زوجها الإذاعى الكبير "بابا شارو" قدمت الكثير من الأفكار لبرامج نفذها إذاعيون غيرها ونجحت، وحتى يومنا هذا

سناء جميل أو «نفيسة» فى بداية ونهاية

كانت فنانة كبيرة، راقية، تسحر كل من يشاهدها بملامحها القبطية المصرية المحببة، هى "ثريا يوسف عطا الله"، منياوية، من شمال الصعيد، مسيحية أرثوذكسية، لكنها استجابت لنداء الفن ودفعت الثمن، قاطعها الأهل المحافظون، وتحملت عداوتهم لها من أجل الفن الذى عشقته ووهبت له حياتها، ووهبها الخلود، هى "نفيسة" فى فيلم "بداية ونهاية"، المأخوذ عن رواية "نجيب محفوظ"، ورغم أن ترشيحها كان من جانب "صلاح أبو سيف"، بعد اعتذار "فاتن حمامة" إلا أنها استطاعت أن تحتل عقولنا وهى "نفيسة"، لا يمكن أن تتخيل شخصية الفتاة التى ظلمتها الحياة وجعلت قطار الزواج يفوتها، وجعلتها "خياطة" بالأجرة، ولا تتخيل "سناء جميل"، التى أبدعت وجعلت الشخصية المرسومة على الورق حية نابضة يعرفها الناس ويعطفون عليها ويحزنون لمصيرها المؤلم، فهى ابنة الموظف الصغير فى إحدى الوزارات قبل ثورة 23 يوليو 1952، مات وترك ثلاثة أولاد وبنتا، وأرملة حائرة، لا تعرف كيف تواجه قسوة الحياة بالمعاش الضئيل، ولكن الولد الأكبر يكون "فتوة" فى شارع الفن "شارع عماد الدين" والثانى يدرس فى المدارس ويكتفى بالثانوية العامة، والثالث يطمح للصعود الاجتماعى من بوابة "الكلية الحربية" وتكون "نفيسة" هى القربان الذى قدمته الظروف الصعبة لكى يلبس الأخ الشاب بدلة الجيش ويزهو بالدبورة النحاس على كتفه، وتصبح "نفيسة" فتاة ساقطة، تنحنى لتجمع القروش التى يلقى بها زبائنها الفقراء مثلها، وتقبض عليها "شرطة الآداب" وتودع الحجز فى قسم الشرطة ويأتى أخوها الضابط، ليضمنها ويخرجها من محبسها، وتخرج معه من قسم الشرطة إلى شاطئ النهر، ويطلب منها أن تقتل نفسها أو تقرر هى الانتحار حتى لا تلطخ العائلة بعارها وسقوطها، وتنتحر "نفيسة" وينصرف أخوها الضابط، وشعور بالراحة يملأ قلبه، بعد خلاصه من "الفضيحة"، وتكون "سناء جميل" بتقديمها هذه الشخصية بنجاح وتفوق، واحدة من شخصيات عالم نجيب محفوظ التى تحتل مكانة مهمة فى تاريخ السينما الروائية المصرية.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

نجيب
محفوظ
نجيب
نجيب محفوظ.. مواطن شارك فى تحقيق أهداف الدولة الوطنية المصرية
فى ذكرى ميلاده (3) أفكار فلسفية وشخصيات عبثية فى مسرح نجيب محفوظ
نجيب محفوظ.. رواياته منحت الدراما المصورة حب الجماهيرالعريضة
فى ذكرى ميلاده شكل القصة وجوهر المسرح فى حكايات نجيب محفوظ
فى ذكرى ميلاده  نجيب محفوظ.. روائى فى عصـــر المسرح

المزيد من فن

احتفاء فنى وصدام سياسى غزة تخطف الأضواء فى «برلين»

شهد مهرجان برلين السينمائي الدولى (برليناله) مساء السبت 21 فبراير 2026 أمسية ختامية حملت أبعادا سياسية واضحة، بعدما منحت لجنة...

شهر رمضان.. مناسبة دينية ذات طابع قومى

مشاهد مسرحية وأغان مصرية

القاهرة الكبرى تستعيد رموز الثقافة المصرية فى ليالى رمضان

الإذاعى الكبير - محمد عبد العزيز - رئيس إذاعة القاهرة الكبرى، جعل هذه الإذاعة هي الكبرى بين الشبكات والمحطات الإذاعية...

عندما اكتشفت وردة أنها بوسطجى الغرام بين الأبنودى ونهال كمال

أوراق الوردة (18) لماذا قاطعها عمار الشريعى 7 سنوات وحلمى بكر 12 سنة؟ وردة بعد بليغ: كشف حساب للنجاحات والإخفاقات...


مقالات

سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص
كيف تستثمر رمضان من أجل صحة أفضل؟
  • السبت، 07 مارس 2026 01:00 م
أثر النبي
  • السبت، 07 مارس 2026 09:00 ص
فتح القدس وبناء المسجد الأقصى
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:02 م
الصيام وتأثيره العميق على الدماغ
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:00 م