شكل القصة وجوهر المسرح فـى خمارة القط الأسود

تناولت فى عدد سابق الحواريات التى كتبها نجيب محفوظ ولكن كما ذكرت العلاقة أعمق وأبعد من الحواريات التى كتبها فى ثلاث مجموعات، لكن ثمة ظواهر مسرحية عديدة فى أعماله

تناولت فى عدد سابق الحواريات التى كتبها نجيب محفوظ ولكن كما ذكرت العلاقة أعمق وأبعد من الحواريات  التى كتبها فى ثلاث مجموعات، لكن ثمة ظواهر مسرحية عديدة فى أعماله الروائية والقصصية، منها استخدامه  للحوار الدرامى فى عدد كبير من أعماله، والحوارات المدهشة التى تشى بالقلق والصراع الدائمين بين الشخصيات، بالإضافة إلى اللغة البسيطة والعميقة فى آنٍ واحد والتى تحمل فى طياتها لغة التكثيف الشعرى ببراعة لا يتقنها سواه، ولن يستطيع القارئ أن يهمل عنصر الزمن ولعبة الأقدار فى رواياته، وسوف أتناول فى هذه الحلقات التجليات الدرامية فى أعماله القصصية وبالتحديد فى المجموعات الثلاث التى  حوت أيضاً الحواريات المسرحية "خمارة القط الأسود -  تحت المظلة ـ الجريمة".

مجموعة "خمارة القط الأسود"  تقدم للقارئ شخصيات ذات ملامح عبثية فى قالب قصصى، شخصيات تعانى من القلق الوجودى، وتبدأ المجموعة بقصة عنوانها يدل القارئ على رؤية نجيب محفوظ  للعالم وقتذاك "كلمة غير مفهومة" إذ يبدأ الحدث الدرامى حين يتثاءب المعلم حندس الفتوة وهو يستيقظ ثم يحكى لزوجته عن حلم رأى فيه حسونة الطرابيشى الذى قتله يهدده "سأقتلك ياحندس وأنا فى القبر" تحاول الزوجة أن تخففّ من وقع الحلم وكذلك رجال حندس مبررين ذلك بقوته وسيادته على الحارة، وأنه لا يجرؤ ابن حسونة أو غيره على النيل منه، اختار محفوظ أسماء وأماكن غرائبية، حندس الفتوة يعيش فى درب الأعور، ويجلس فى مقهى حلمبوحة، ورجاله هم عنارة وسمكة وطمبورة! ولا يخلو اختيار هذه الأسماء من دلالة ساخرة، ويداهم حندس المقابر وفقاً لبلاغ الشيخ درديرى الأعمى حيث أنه سمع بوجود ابن الطرابيشى هناك، وفى المداهمة والعتمة الحالكة يسقط حندس قتيلاً ويقول لرجاله قُتلت وأنا بينكم، فالحدث الدرامى يبدأ بحلم وتهديد من ميت والمعرفة تأتى من أعمى فيلقى حندس مصرعه الغامض أمام دهشة رجاله ودهشة القارئ أيضا، إنها رؤية عبثية أصيلة لهذا العالم! وشخصيات تلعب بها الأقدار وتمارس أفعالاً غير مبررة، أقرب إلى الجنون. وفى قصة "السكران يغنى" يسخر نجيب محفوظ من العالم على لسان عربجى  اسمه أحمد عنبة والمكان  حانة مانولى، وذلك حين يختبئ العربجى  فى البار، وبعد أن يذهب الجميع وتغلق الحانة أبوابها  يسكر ويلهو فيستمع إليه عسكرى الدورية، ويدور بينه وبين العسكرى ثم مع  الضابط ومانولى حوارات عبثية.

عنبة: عندى كل ما أريد.

مانولى: ألاتريد أن تخرج؟

عنبة: ولا أن يدخل أحد!

واستيقظ أصحاب المحلات المجاورة والجميع يستعطف عنبة العربجى حتى لا يحرق البار وبالتالى حتى لا يحرق ما حوله، ثم يسخر من الجميع بعد أن يبلغهم أنه رش الجاز فى كل أنحاء البار، وفى يده عود كبريت وفى لحظات سوف يشعل البار، وبعد أن احتشد الناس يكون عنبة قد وصل إلى الزجاجة السادسة، فيشترط أن يقول الضابط  "أنا مرة" ثم صاح بلهجة آمرة: اهتفوا بحياتى، فهتف الجميع فى الخارج ليحيا أحمد عنبة، وحين اقتحمت الشرطة البار فى غفلة منه، يصفه نجيب محفوظ ألقى على الجميع نظرة سلطنة متعاظمة كأنما هى هابطة من السماء وقال بنبرة ثقيلة نائمة كأنها مصورة بالتسجيل البطىء: ليس معى عود كبريت واحد! وتقريباً يسخر نجيب محفوظ من العالم من خلال  هذه الشخصيات الغريبة التى تفقد كل يقين ولا تعترف بشىء! والأهم أننا أمام قصة أقرب إلى الحوارية فى بنائها، وهذا ما سوف نجده فى  القصص التى ضمتها المجموعات الثلاث بعد ذلك، حيث يطغى الحوار على السرد بصورة واضحة، ولا يستخدم الحوار كإحدى وسائل الإيصال، بل كعامل مساعد من عوامل رسم الشخصيات وسرد القصة وتدعيم الجو العام للحكاية، حيث يتم استخدامه بصفة رئيسية لتحقيق كل هذه الأهداف، وهذا ما نجده واضحاً فى قصة "كلمة غير مفهومة" وأغلب قصص المجموعات الثلاث التى  ضمت الحواريات، وعلى سبيل المثال قصة "أهلاً" من مجموعة الجريمة، حوارية ينقصها الشكل المسرحى رغم أن الطابع المشهدى فى بنائها العميق ليجد القارئ كما ذكرت مفردات المسرح تطغى على المجموعات الثلاث بأساليب متعددة، وسوف يلاحظ أيضاً أن قصص هذه المجموعات تجمع بين شكل القصة وجوهر المسرح، والحواريات المسرحية غالباً ما تجمع بين شكل المسرح وجوهر القصة.


مسرح الهزيمة تحت المظلة

خمس حواريات فى مجموعة تحت المظلة "يميت ويحيى، التركة، النجاة، مشروع للمناقشة، المهمة" تخلو تماماً من الأسماء، فقط هناك مجموعة من الصفات أطلقها محفوظ على الشخصيات، فمسرحية "يميت ويحيى" شخصياتها.. الفتى، الفتاة، الصوت الصدى، الطبيب، العملاق.. وهى نموذج للحوارية الفلسفية، نموذج  للصراع الفكرى من خلال شاب يتعرض لاعتداء ما ويحاول الدفاع عن نفسه وعن أرضه مستعيناً بالأجداد، وثمة من يحاول أن يثنيه عن هذه الفكرة، من خلال صراع فكرى قوامه الحديث حول الموت والحياة، فإذا كان الفتى يلعب دور البطولة فهناك الفتاة والشحاذ والعملاق والطبيب، وكل هؤلاء يطرحون أفكارهم التى تتصارع، وثمة لعنة تطارد الأحياء والأموات، والشحاذ يملك عالم الظلام الذى لا نهاية له ويعلن أنه ملك الظلام وضد النظام، والعملاق يتحكم فى ميزان العدالة، ويشير الفتى إلى مصطبة ويقول إنها مقام أجدادى، والعملاق يحذره "لا تعط الأموات أهمية أكثر مما يستحقون".

الفتى: هذا رأيك فى الأجداد؟

العملاق: إن باطن الأرض ملىء بالعظام وهيهات أن تعرف عظام أجدادك بينها.

الفتى: هذا رأى من لا أصل له .

وربما  تدل هذه السطور القارئ على شىء فى هذه الحوارية المجردة، والتى تبدأ بنقاش بين فتى وفتاة حول الموت ولعنة متوارثة! حيث يرى الفتى أنه إذا مات الأموات أدرك الفناء كل شىء، وأنه لا يمكن أن يدله على حقيقة الحياة سوى من أدركه الموت! ومن ناحية أخرى يحذر الطبيب الفتى من وباء هو بمثابة ملكية عامة يصيب المجتمع، والفتى لا يعرف عنه شيئاً، بل يرى أن الطبيب لا يشخّص مرضاً بقدر ما يحاول إثبات وجود الوباء، وكما بدأ الحوار ينتهى وتظل الشخصيات تثرثر حول الموت والوباء والظلام والعدل والفتى يتشبث بالأجداد، ويعلن أنه سوف يصون كرامته حتى الموت، وبالطبع يغيب عنها المنطق، سواء الدرامى أوالإنسانى فى بنية مسرحية لا ترجع إلى شىء فى الحياة، ويفقد فعل الشخصيات فيها كل معنى! من خلال حوار لا يمثل وسيلة تواصل بين طرفين أو بين مجموعة من الشخصيات، بل يمثل صعوبة تواصل، وهذا ما سوف يتكرر فى أغلب الحواريات، إذ يفقد الحوار وظيفته كتواصل وإبلاغ، لأنه غالباً لا يعقد صلة بين المتحاورين ولا يبلغ القارئ بأية معلومات، وكان نجيب محفوظ كتب مجموعة تحت المظلة فى ثلاثة أشهر "أكتوبر، نوفمبر، ديسمبر 1967" بعد النكسة مباشرة، وقد رفض البعض اعتبار هذه الحواريات مسرحاً، وعللوا ذلك بأن المسرح كأدب بناء درامى خاص، حيث تتصاعد الأحداث حتى الذروة من خلال حوار درامى  يتصاعد بالفعل المسرحى لا بالفكر والمناقشة المجردة كما فى هذه الحواريات، ولا يختلف الأمر فى مسرحية "التركة" حيث تستمر الصفات دون أسماء، فهناك الفتى، الفتاة ، الغلام، المهندس، الضابط، وتدور أحداثها فى أجواء عبثية غامضة، فى بيت ولى من أولياء الله حيث  يبدأ الحدث الدرامى بذهاب ابن هذا الولى وهو الفتى المارق  صاحب الخمّارة، وقد جاء ليتسلم تركة الأب الولى الذى طرده منذ سنوات، وتدور الأحداث فى غرفة صامتة كقبر كما يصفها الابن، وفى هذه الأجواء المبهمة يدور حوار بين الابن وفتاة جاءت معه لتؤدى دور الزوجة، وما هى إلا ساقطة، يؤكد هذا الحوار الذى لا يخلو من السفالة الطبيعة الشريرة للرجل والمرأة، وبينما ينتظر الابن صاحب الخمارة الأب الولى ليمنحه التركة، يدخل غلام ويخبره بأن الولى ذهب للقاء ربه وترك له مفتاح الخزانة وقال على لسان الغلام "دنا الأجل، آن لى أن أدعو ابنى الضال لعله يصلح لأن يرث التركة" ثم غادر البيت  بعد صلاة الفجر وذهب للقاء ربه، والتركة مجموعة من الكتب والنقود، واشترط الولى على أن يستوعب الابن ما فى الكتب قبل أن ينفق مليماً واحداً من النقود! ولكن الابن المارق ضرب عرض الحائط بالوصية، وألقى بالكتب وفرح بالنقود، وفجأة يدخل رجل يدعى أنه مخبر، ويتهم الابن بقتل أبيه حيث أخبر الولى هذا الرجل "إنى مت مطعوناً بيد ابنى الوحيد" وتوجه إليه تهمة قتل الأب وسرقة أموال الدولة، ثم يقيده المخبر مع الفتاة فى هذه الغرفة الصامتة كقبر ويتركه ويذهب، وتتوالى الأحداث الغرائبية ويهذى الابن فى عتمته عن أبيه الذى كان دجالاً، وبالطبع ليس الغلام غلاماً ولا المخبر مخبراً وسوف تقع كوارث ليست فى الحسبان، ودون مبرر أيضاً يعود المخبر فى دور المهندس مع ضابط لشراء البيت، وعبثاً يحاول الابن اتهام المخبر/ المهندس بسرقة أمواله، بل يخبره بعلاقته الوطيدة مع الولى . 

المهندس: كان الولى يقول لى: الطمأنينة هى هدف النفس البشرية، فأقول له: بل التقدم يا مولانا ولو بالجهد والقلق، وبعد هذه الأحداث الغامضة والأفعال غير المبررة درامياً تنتهى الحوارية والمهندس الوهمى يخاطب الفتى ضاحكاً:"لست مقطوع الصلة بأبيك، فالناس يقصدون الخمارة طلباً للطمأنينة أيضاً" ليسخر نجيب محفوظ من العالم  فى هذه الحوارية، وما التركة إلا عقاب الأب للابن! من خلال أحداث أقرب إلى الكابوس، ففى هذه الغرفة المعتمة كقبر تدخل مجموعة من الشخصيات تؤدى أدواراً غامضة، وصاحب الخمارة المارق لا يفهم شيئاً، وتقريباً هذا المارق هو الوحيد الذى لايرتدى قناعاً ويؤدى دوره الحقيقى.. "وللحديث بقية". 

 


 	جرجس شكرى

جرجس شكرى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

من خلال خمس مسرحيات كتب عادل إمام اسمه بين عمالقة الكوميديا

رغم غيابه عن الساحة الفنية منذ أن قرر الاعتزال، سيظل عادل إمام، الذي نحتفل بعيد ميلاده السادس والثمانين «مواليد 1940»،

عادل إمام.. 86 عاماً على ميلاد أيقونة فنية لا تتكرر

6 عقود زعيماً للفن العربى ساهم فى ترسيخ مكانة الفن المصرى كأحد أهم أدوات التأثير الثقافى

محسنة توفيق.. فنانة ملتزمة بقضايا الوطن حتى اللحظة الأخيرة

-قد تكون - يا عزيزي القارئ - شاهدت فيلم «الزمار» أو فيلم «العصفور» أو فيلم «حادثة شرف» وغيرها من الأفلام،...

«كان 2026» .. حين يتحول المهرجان إلى معركة من أجل روح السينما

كشفت الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينمائي، أن السينما العالمية لا تبدو منشغلة هذا العام فقط بالأفلام والنجوم والسجادة...