فى مسلسل «ليالينا 80» .. هل تاهت بينا ليالينا؟

تظل فترة حكم الرئيس السادات (17/10/1970 - 6/10/1981) محل سؤال وبحث وتقص على كل المستويات، لأن سنوات حكمه التى استمرت عشر سنوات شهدت تحولات كبيرة وخطيرة سياسيا

تظل فترة حكم الرئيس السادات (17/10/1970 - 6/10/1981) محل سؤال وبحث وتقص على كل المستويات، لأن سنوات حكمه التى استمرت عشر سنوات شهدت تحولات كبيرة وخطيرة سياسيا واقتصاديا، وكان تأثيرها يشبه الزلزال على مصر والمنطقة العربية بأسرها. ومن أخطر قراراته السماح لعناصر الإخوان وعناصر من الجماعات الإرهابية بالعمل فى كل المجالات، بعد أن أطلق سراحهم وأخرجهم من السجون، بل وأطلق لهم العنان داخل الجامعات بمباركة الدولة. وبالطبع كانت النتائج كارثية، حتى جاء يوم 6 أكتوبر 1981 الذى قُتل فيه وهو يقف فى ساحة العرض ويحتفل بالعيد الثامن لنصر أكتوبر.

بداية، يتناول مسلسل "ليالينا 80" قصة أسرة مصرية بسيطة استشهد عائلها فى حرب أكتوبر 1973 وتصدرت الزوجة المشهد وقامت على تربية أولادها، بما فى ذلك من تفاصيل الأيام والصعوبات التى واجهتها وسط أمواج متلاطمة من التغييرات العنيفة التى حدثت داخل المجتمع المصرى فى هذا الوقت.

وهذه السنوات العشر التى دائما يتم تسليط الضوء عليها عبر كل وسائل الإبداع، هى الفترة التى تولى فيها الراحل محمد أنور السادات الحكم (17/10/1970 - 6/10/1981).. وقد اعتمد فيها الرئيس الراحل على سياسة الصدمات العنيفة على كل المستويات داخل المجتمع المصرى.

وقد تم تناول هذه الفترة فنيا فى كثير من الأعمال، ونحن هنا لسنا بصدد عمل حصر لها، لكن يمكن القول إن أبرز هذه الأعمال فى السينما فيلم  "أهل القمة" الذى أنتج فى الشهور الأخيرة لعهد السادات 1981، والطريف أن نور الشريف - رحمه الله - طلب تدخل السادات لعرض الفيلم، وشاهده وأجازه رغم أنه ينتقد عهده. وهو عن قصة لنجيب محفوظ وسيناريو وحوار على بدرخان ومصطفى محرم والإخراج لبدرخان. وبعدها بعام أى عام 1982 قدم نور الشريف أيضا "سواق الأتوبيس" الذى يتحدث أيضا عن أحد أبطال أكتوبر الذى يعمل سائقا لأتوبيس ويواجه التغييرات التى حدثت للمجتمع المصرى خلال هذا العقد من الزمان، ويحاول إنقاذ ورشة أبيه التى ترمز للكيان الأكبر من البيع فى المزاد تسديدا لديون الضرائب التى تراكمت عليها نتيجة تدليس وخراب ذمة زوج شقيقته.. إلخ.. والتأليف كان لبشير الديك والإخراج للراحل عاطف الطيب.

وعلى مستوى الدراما التليفزيونية قدم أسامة أنور عكاشة مسلسل "ليالى الحلمية" الذى تناول فى أحد أجزائه الخمسة هذه الفترة بالتفصيل مع المخرج إسماعيل عبد الحافظ، وبدأ عرض المسلسل 1987. كذلك استعرض هذه الفترة الكاتب الكبير محمد جلال عبدالقوى فى مسلسل "المال والبنون" مع المخرج مجدى أبوعميرة وبدأ عرضه 1993.

 وتاهت بينا ليالينا

ومن هنا كان اختيار المؤلف والمخرج لموسيقى أغنية "ليالينا" للمطربة وردة، والتى غنتها فى فيلم "آه يا ليل يا زمن" عام 1977، لتصاحب التتر.. وهى من كلمات سيد مرسى وألحان بليغ حمدى، وتقول كلماتها:

"وتاهت بينا تاهت.. ليالينا ليالينا.. وقولنا نرسى.. نرسى على مينا.. مشينا.. وأدينا من غير أهالينا.. ولا حد بيسأل فينا.. وأتارى الدنيا غدارة.. بتغدر كل يوم بينا.. غدارة.. والله وجيتى علينا يا دنيا.. وجيتى كتير على ناس قبلينا.. وتاهت بينا تاهت.. ليالينا ليالينا".

 اغتيال السادات

 كان المشهد الأول فى المسلسل دخول الرئيس السادات ساحة العرض العسكرى ووضع إكليل من الزهور على قبر الجندى المجهول، ثم حادث الاغتيال، فى نفس اللحظة التى تهبط فيها طائرة هشام (إياد نصار) فى مطار القاهرة بعد رحلة عمل فى الخليج، ويقول له سائق التاكسى: "الجماعة اللى بدقون قتلوا الرئيس السادات".

والمشهد التالى تظهر فيه رقية (صابرين) فى المقابر تقف أمام مقبرة زوجها الشهيد على أبو الحسن الذى استشهد يوم 6 أكتوبر، ونرى بعد ذلك هشام فى منزله ويطلب شقيقه الدكتور جلال (خالد الصاوى) ولا يجده، ثم يطلب زوجته مريم (غادة عادل) فى الشركة التى تعمل فيها وترد عليه بشكل عنيف وأنها فى اجتماع، فنفهم أن العلاقة بينهما متوترة، وعندما تصل للبيت تفاجئ هشام بأنها اشترت سيارة جديدة، ويثور عليها قائلا إن هذه الأموال هى حصيلة تعب وشقاء فى الغربة، فكيف تنفقها فى شراء سيارة فى هذه الظروف الصعبة؟ ثم نشاهد جميلة ابنة هشام ومريم (رنا رئيس) وهى تجلس مع صديقاتها فى أحد المحلات الشهيرة فى هذا الوقت ثم تغادر وتذهب لشراء شريط محمد منير الجديد وتركب "تاكسى" مع راضى (محمد عادل) الذى تطلب منه توصيلها للمنزل رغم انشغاله بمرض شقيقته، وبعد دقائق من انطلاقهما تصطدم بهما سيارة أخرى ويتم نقلهما إلى المستشفى.

ونشاهد نزول قوة أمنية للحارة ويتم القبض على مجدى (حسنى شتا) جار أسرة رقية والذى يعمل محاميا، وذلك ضمن توابع قضية اغتيال الرئيس السادات.

ونتعرف على الدكتور جلال الذى يذهب لشراء ورد ثم يدخل محل بيع مجوهرات ويشترى خاتما قيما، ويذهب للمنزل ويبدأ فى إعداد وليمة على صوت المسجل وهو يدور على صوت عبد الحليم حافظ وهو يغنى "أول مرة تحب يا قلبى" ونرى زوجته ناهد (نورهان) وهى تعزف على البيانو.

ونعرف بعد ذلك أن زوجة جلال توفيت فى حادث منذ خمس سنوات، لكن عقله الباطن يأبى أن يصدق ذلك، وهذا ما يجعله طوال الوقت يعتقد أنها معه ويتصرف كأنها موجودة، ويحتفل بعيد زواجهما على اعتبار أنها موجودة، وفجأة تتصل ابنته زينب (سارة التونسى) بعمها هشام طالبة منه التحرك لإنقاذ أبيها لأن هناك حريقا فى شقته. ويذهب إليه هشام ويعرف ما حدث ويحاول أن ينبهه بأن زوجته ماتت عندما يرى آثار الاحتفال، وأنه مريض ولا بد أن يتابع مع طبيب ليعالجه. ويقول له جلال إنه ليس مريضا، ويطلب منه أن يتركه يعيش مع الذكريات، وأنه يحب أن تكون موجودة فى حياته.

 بتر الأمل

تصاب رقية بصدمة عندما تجد ابنها الوحيد تم بتر ساقه، فقد كانت ترى فيه الأمل والسند، وتحاول أن تتمالك نفسها أمامه ليستعيد ثقته فى نفسه وتبث فيه من روحها العنيدة، وعلى الجهة الأخرى تفقد جميلة بصرها لكن الأطباء يطمئنون والديها بأن هذا الأمر مؤقت، وتظل رقية تدفع راضى حتى يعود مرة أخرى لممارسة حياته بشكل طبيعى. أما جميلة فتجد فى عمها جلال الملاذ الآمن بعد ازدياد الخلاف بين والديها ووصول الأمر للطلاق بعد أن علمت مريم بزواجه من أخرى.

 مرتضى يريد الولد

تحكى الحلقات قصة زينب ابنة الدكتور جلال المتزوجة من مرتضى (محمد على رزق) وهو صاحب مصنع حلويات ولم تتبين لنا ظروف وملابسات هذا الزواج، وأنجبت له زينب بنتا وهو يتمنى أن تنجب له فى حملها الثانى ولدا، ويمنعها من زيارة أبيها، وتتبقى لهما طلقة واحدة وتصبح بعدها محرمة عليه، ويستغل هو هذا الأمر فى التنكيل بها وتهديدها طوال الوقت.

والغريب أنه طوال الحلقات يحملها مسئولية إنجاب البنات خصوصا بعد أن أنجب البنت الثانية، ولا يراجعه أحد من كل الذين حوله فى هذا الخطأ الجسيم! والمعروف علميا أن الزوج هو المسئول عن نوع الجنين. ويبدو ان المؤلف ترك هذا التصور لدى الجميع، ليعطى المبرر لمرتضى للزواج مرة أخرى من بدرية جارة رقية فى الحارة، لإنجاب الولد. ولأن الله يريد أن يعطيه درسا، تنجب له بدرية الولد لكنه ينزل مريضا وتستولى على أملاكه، ولا يجد أحدا يقف بجواره سوى زينب زوجته السابقة.

 الدكتور جلال

خالد الصاوى يمثل طوال الحلقات الحالة الإيجابية، رغم أن الجميع يهاجمونه باعتباره مريضا ومجنونا، لكنه متصالح مع نفسه، حتى بعد أن يذهب للجامعة طالبا العودة لعمله كأستاذ للفلسفة يفاجأ بأنه أحيل للمعاش لمرضه. وبعد مقاطعة ابنته له بسبب زوجها يتبنى جميلة ويبنى معها جسور التواصل مع العالم بعد أن فقدت بصرها. بل ويتواصل مع أهل الحارة عن طريق صداقته براضى وكأنه يعود للجذور حتى لا يفقد بوصلته مثل آخرين، ويجمع تحويشة العمر ويفتتح محلا ومعملا للحلويات كباب رزق لأهل الحارة.

 رقية

صابرين تمثل الوجه الآخر للدكتور جلال، فهى تحمل نفس المقومات وجذورها ممتدة فى أعماق البلد.. طوال الوقت لا تنسى الشهيد الذى دافع عن البلد وقدم حياته ثمنا لاستمرارها وعزتها، وهى لا تشكو أبدا رغم ثقل الحمل عليها، وأمام محنة ابنها لا تتركه وتشد من أزره حتى يستعيد ثقته فى نفسه، وتقرر أن تبحث عن عمل حتى لا تسبب حرجا لابنها أمام مطالب الأسرة خاصة وهى لديها بنات فى سن الزواج.

وأمام شدة الصراع تسقط رقية صريعة أمام المرض، لكنها تستمر فى المقاومة وترفض الهزيمة، وتخفى مرضها عن الجميع ما عدا راوية صديقتها وجارتها (هبة عبد الغنى).

 هشام

إياد نصار النموذج الذى قبل العمل بشروط المرحلة، فهو يعمل لحساب أحد تجار العملة، وفى مقابل يظل بنفس مستوى أسرته، يتنازل رغم أنهم يصارحونه بأن هذه الأموال تغذى وتمول تجارة ممنوعة مثل المخدرات والسلاح وجماعات متطرفة، وعندما تبلغ عنه مريم المباحث يستطيع إقناعهم بأنه سليم وليس عليه شىء. لكنه يسترد وعيه عندما يستشعر الخطر وأنه لن يكون فى مأمن من الذين يتعامل معهم حتى ولو الدولة ممثلة فى الشرطة لم تستطع الإمساك به، ويقرر التعاون للإيقاع بهذه العصابات.

 مدحت

قام بالدور محمد الشقنقيرى، وهو مدير شركة المقاولات التى تعمل بها مريم (غادة عادل)، وهو نموذج لرجل الأعمال الذى استطاع ان يركب المرحلة ويتعايش معها، وشخصيته مؤهلة لذلك، والأحداث تشير لوجود رغبة دفينة لدى بعض رجال الأعمال العرب فى شراء دور السينما والمسرح وهدمها وإقامة أبراج سكنية بدلا منها، ومدحت يعلم تماما دوافعهم، لكنه أمام مصلحته واستمرار عمل الشركة يغمض عينيه عما يحدث. وهو أيضا طوال الوقت يغازل مريم ويعرض عليها الزواج مستغلا وجود خلافات بينها وبين زوجها، وهو الذى يبلغها بمكان زوجته الجديدة.

 الجماعات المتطرفة

هناك إشارات يدفع بها المسلسل داخل الحلقات.. فالرجل الذى يقابله هشام عندما يسافر بورسعيد لتسليم شنطة فلوس للشيخ يوسف ويسأله هشام عن حرمانية التجارة فى السوق السوداء يقول له: هذه الأموال من إخواننا فى الخارج ونحن نوظفها فى تطوير الزوايا والمساجد الخاصة بنا ورعاية الفقراء، وقد سألنا شيوخنا وأفتونا بأن هذا يجوز طالما تستخدم هذه الأموال فى عمل أكبر حتى ولو بعيدة عن المصارف الرسمية. أيضا الإشارة لوجود مستثمرين خلايجة يقومون بشراء دور السينما والمسارح عن طريق وسطاء مصريين ثم القيام بهدمها وإنشاء أبراج سكنية مكانها. نجد أيضا شخصية مجدى قام بالدور حسنى شتا الذى عمل محاميا لدى مكتب كبير، لكنه لسوء حظه اكتشف ان زميلته فى الجامعة التى كانت تجمعها معها قصة حب هى زوجة المحامى الكبير، ولديها رغبة فى وصل ما انقطع، فيرفض الخيانة فيكون جزاؤه الطرد من المكتب، فتجد فيه عناصر الجماعات الإرهابية صيدا ثمينا وتقوم بتجنيده، ونراه فى آخر مشاهد المسلسل يدخل الحارة وهو يقود مجموعة من الجماعة ويعملون على تكسير المحلات.

 أحمد عبد الفتاح

كان المؤلف والكاتب أحمد عبدالفتاح موفقا فى اختياره لفكرة المسلسل وبنائه لأغلب شخصيات العمل، لكنى أعتقد أن شخصية هشام التى قام بتجسيدها إياد نصار لم يجانبه التوفيق فيها لعدة أسباب، الأول أنه من أسرة ميسورة الحال ويعيش فى حى الزمالك، الثانى أن الفعل الذى كان يقوم به (تجارة العملة) لم يكن بحجم التحديات التى كانت تواجه مصر فى هذه الفترة، خاصة وهشام لم يكن تاجرا كبيرا بل مجرد حامل شنطة، الأمر الثالث هو غموض تحوله الى مرشد للشرطة دون أسباب منطقية مقنعة.

أيضا هناك خط درامى كان من المهم أن يتناوله المؤلف وهو قضية الجماعات الإرهابية المتدثرة برداء الدين والمتاجرة به، خصوصا والمؤلف بدأ الحكاية بمشهد اغتيال رأس الدولة على أيديهم.

 أحمد صالح

نجح المخرج أحمد صالح فى الانتقال بنا الى أجواء عقد الثمانينات من القرن الماضى بداية من التتر الذى عمل عليه عصام نصار ومحمد عزت مستخدما كل عناصر وأدوات ورموز هذه السنوات، لكن هناك بعض الملاحظات مثل عودة المخرج 14 سنة بالمشاهد الخاصة بمريم وهشام، فلم يكن هناك أى تغيير يذكر على الشخصيات وتحويل المشاهد الى أبيض وأسود لن يغير من الأمر شيئا. أيضا كانت هناك مبالغة فى أداء مريم فى بعض المشاهد. والموسيقى التصويرية لهانى مهنى كانت موحية ومعبرة عن الدراما بدقة رائعة، وكل هذه العناصر أدارها المخرج بمهارة شديدة، واستطاع الحصول على أفضل أداء من فريق نجومه.

 القادمون

محمد على رزق (مرتضى)، محمد عادل (راضى)، حسنى شتا (مجدى)، رنا رئيس (جميلة)، نهى عابدين (بدرية)، منة عرفة (نجوى).

 النجوم

شاهدنا مباراة فى الأداء بين خالد الصاوى وصابرين وكانا نجمين كبيرين، أيضا إياد نصار وغادة عادل اجتهدا فى حدود الشخصيتين اللتين قدماهما.

ويظل السؤال هل تاهت بينا ليالينا؟


 	محمد أبو شادى

محمد أبو شادى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

«العزيمة».. أول فيلم واقعى فى تاريخنا السينمائى يقدم شغيلة الحارة

لو كنت قرأت مذكرات المخرج الكبير الراحل صلاح أبو سيف لعرفت المعاناة التي عاناها فنانو الواقعية، رغم أن ستديو مصر...

أفلام الأضحى.. موسم سينمائى ملىء بالنجوم

كريم عبد العزيز وأحمد عز الأبرز

هانى شاكر..حكاية كل عاشق (ملف خاص)

رحل الفنان الكبير هانى شاكر، بعد رحلة كبيرة مع الفن والطرب والموسيقى...

فارس السينما الأكبر (5) مظهر يغامر ويفتح بيته لاجتماعات الضباط الأحرار

عندما قال عبد الناصر: اجمع رجالتك يا أحمد.. خلاص هنعملها! سافر مظهر للمشاركة فى دورة الألعاب الأولمبية فقامت ثورة يوليو...