هدى سلطان تتحدى المجتمع المحافظ وتنتصر عليه فى فيلم «سر امرأة»

فيلم "سر امرأة" بطولة هدى سلطان وصلاح ذوالفقار وعماد حمدى وعمر الحريرى، ومن إخراج "عاطف سالم"، ينتمى إلى مرحلة من مراحل السينما المصرية، كانت خلالها تخوض حرب "التطور"

فيلم "سر امرأة" بطولة هدى سلطان وصلاح ذوالفقار وعماد حمدى وعمر الحريرى، ومن إخراج "عاطف سالم"، ينتمى إلى مرحلة من مراحل السينما المصرية، كانت خلالها تخوض حرب "التطور" ضد قيم الإقطاع، التى من ضمنها احتقار المرأة واعتبار جسدها مجرد بضاعة يتحكم فيها الرجل، وكانت تلك المعركة مرتبطة بانتقال المجتمع المصرى من مرحلة سيطرة ملاك الأراضى الزراعية إلى مرحلة سيطرة الطبقة المتوسطة، وهى مرحلة بدأت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث ظهرت طبقة العمال وطبقة المتعلمين وطبقة العسكريين، وتكون حلف من هذه الطبقات قام بدوره فى إزالة مجتمع كبار ملاك الأراضى، وإرساء قواعد مجتمع "الفكر" و"العمل"، أى المجتمع الذى تتحقق فيه السيطرة للمبدعين ومنتجى الأفكار، مثل المدرس والطبيب والمحاسب والصحفى والموظف، والذين ينتجون الثروات المادية، وهم العمال فى المصانع المدنية والحربية. والسينما المصرية قدمت عشرات الأفلام خلال هذا الصراع الذى دام سنوات طويلة، فتحقق النصر للطبقات الجديدة، وتحررت المرأة وصارت ذات حضور فى الوظيفة والمدرسة والمصنع، والتحقت بكل قطاعات العمل فى المجتمع.

ويقدم لنا فيلم "سر امراة" قصة امرأة جاءت من أحد الأقاليم لتعيش فى القاهرة، وتعمل راقصة ومطربة فى أحد الملاهى الليلية، بعد أن أودعت أخاها الطفل فى أحد الملاجئ الخيرية، وظلت ترسل إليه بالمال الذى تكسبه من عملها فى الملهى دون أن تخبره بحقيقة هذا العمل، وتشاء الأقدار أن تتعرف إلى مقاول - عماد حمدى- فتنشأ بينهما قصة حب جعلتهما يعيشان فى إحدى الشقق بعيدا عن رقابة زوجة المقاول. فى الوقت ذاته كانت زوجة المقاول تقيم علاقة غير مشروعة مع صديقه المحامى، ولما قرر المقاول الزواج من الراقصة وإظهار علاقتهما إلى العلن تم قتل هذا المقاول بأيدى صديقه المحامى الذى كان يخونه مع زوجته، حتى تحصل زوجة المقاول الخائنة على الثروة التى يملكها المقاول المقتول، ولو أننا تعاملنا مع قصة هذا الفيلم بالأحداث التى وردت فيه لقلنا إنه يعتمد على موضوعين خالدين فى حياة الفن، أولهما موضوع الزوج والزوجة والعشيق وهو موضوع تناولته السينما فى مئات الأفلام، وثانيهما موضوع خيانة الصديق وهو موضوع مفضل لدى مبدعى التراث الشعبى، وانتقل إلى المسرح والسينما وكل الفنون الحديثة، فيمكن للمهتم أن يراجع الأغنيات الشعبية والقصص التى يبدعها الفلاحون وأبناء الطبقات الشعبية وسوف يجد أن موضوع "الصديق الخائن" يحتل مساحة عريضة من هذه الإبداعات. ولكى يقدم الفيلم هذين الموضوعين إلى جانب الموضوع الأصلى الذى استهدفه وهو الدفاع عن حق المرأة فى العمل والانتساب إلى المهنة التى تحبها، والدفاع عن المجتمع الجديد الذى قام على فكرة العمل المبدع واحترام الأفراد حسب ما لديهم من قدرات، ولهذا نجد أن النصف الثانى من الفيلم يقدم شقيق الراقصة وهو يرتدى زى المحاماة ليدافع عن أخته التى بذلت حياتها من أجل إسعاده وتعليمه، وهذه هى الجرأة التى حملها جوهر فيلم "سر امرأة"، فلم يكن معتادا لدى أفراد المجتمع المصرى آنذاك قبول فكرة احتراف بنات العائلات الرقص والغناء، لأن أفكار المجتمع الإقطاعى القديم كانت هى المسيطرة على عقول الناس. وإذا أردنا أن نحدد موقع هذا الفيلم من الخريطة الفكرية للسينما المصرية فى تاريخها الطويل فيمكننا القول إنه الفيلم الذى قدم جوهرا يحترم المرأة ويحترم الفن دون الإخلال بمتطلبات سوق الإنتاج السينمائى، فقدم فكرة راقية من خلال "هدى سلطان" المطربة ذات الصوت الجميل والإمكانيات الأنثوية العالية حتى يضمن تدفق الجماهير إلى دور العرض ويتحقق المكسب المادى الذى يسعى إليه المنتج. وبقى القول إن المخرج "عاطف سالم" واحد من المخرجين المهمين فى تاريخ السينما المصرية، وقدم أفلاما راقية المحتوى ملتزما بمتطلبات " السوق" التى كانت تقوم على وجود امراة جميلة وقصة تخاطب الوجدان الجمعى للشعب وصورة جذابة للمشاهدين، والمهم فى هذا الفيلم تقديمه الطبيعة المصرية وتشجيع السياحة الداخلية وتعريف الجمهور بالطبيعة المصرية الجميلة فى إقليم الفيوم.. لكن فيما بعد تخلت السينما المصرية عن هذه المهمة ولم تعد تقدم المشاهد الطبيعة المصرية، حتى نسى الناس مكونات بلادهم وأصبحوا جاهلين بها.

نيللى تتخلى عن ولدها.. ونور الشريف يضعها فى مأزق عائلى صعب

هذا الفيلم "زوجة بلا رجل" هو الفيلم الثانى للمخرج "عبدالرحمن شريف" بعد فيلمه "اللهب".. وبطولة هذا الفيلم كانت من نصيب الفنانة نيللى والفنانة ليلى طاهر، وقامت قصة الفيلم على فكرة "الأمومة" و"الحب خارج منظومة الأسرة" وعواقبه غير المحمودة فى مجتمعنا الشرقى المحافظ. ويروى قصة زوجة "ليلى طاهر" تعيش مع زوجها المهندس البحرى "كمال الشناوى" ولم تستطع إنجاب طفل يسعد قلب زوجها، وفى الوقت ذاته كانت أختها "نيللى" قد أحبت شابا "نور الشريف" وسلمته نفسها وحملت فى بطنها جنينا منه دون وجود عقد زواج رسمى بينهما، وعاشت الفتاة العاشقة حيرة كبرى، فالحبيب انقطعت أخباره وهى لا تستطيع أن تواجه المجتمع الذى لا يقبل هذا الأسلوب المتمثل فى الحمل خارج مؤسسة البيت المعترف بها اجتماعيا، ووجدت أختها المتزوجة الحل المريح للطرفين، طلبت منها أن تعطيها ولدها - الذى لا أب له - لتخدع زوجها الذى يحلم بطفل يحمل اسمه، وبذلك تستريح الفتاة من مطاردة المجتمع لها، وتستريح الزوجة فى حياتها مع زوجها، وتمت "الصفقة" المخالفة لكل الشرائع والمبادئ، لكن ا لفتاة التى تخلت عن ولدها عاشت آلاما فظيعة، فهى ترى ولدها يلعب ويتألم ويضحك ولا تستطيع المجاهرة بالسر الذى تحمله بين ضلوعها، وأختها استراحت للصفقة وظلت - طوال مدة الفيلم - تذكر أختها بالخطيئة التى أوقعت نفسها فيها وتذكرها بأنها أنقذتها من الإدانة الأخلاقية لها من جانب المجتمع، ولكن "الغريزة" كانت أقوى من الأم المزيفة وأقوى من الأم الأصلية، ولما تقدم زميل الفتاة "صلاح السعدنى" إليها طالبا منها الزواج رفضته وحكت له ما جرى معها من حبيبها السابق الذى هجرها، لكن تتطور الأحداث تطورا مفاجئا، فيظهر الحبيب "نور الشريف" مرة أخرى ويكتشف الزوج المخدوع "كمال الشناوى" حقبقة ما حدث، ويخبر الفتاة بأنه يعرف أن الطفل ليس ولده، وتعود المياه إلى مجاريها وتستعيد الفتاة العاشقة حبيبها القديم ويعود الطفل إلى أمه الأصلية.

فكرة الفيلم إنسانية جميلة، وتمس الجوانب الروحية لدى المشاهدين، وتأتى لتقول إن الزواج رباط مقدس وإن " الحب" لا يعنى أن تفرط الفتاة فى نفسها حتى لا تصبح أسيرة فى أيدى الحبيب، وزمن إنتاج الفيلم هو زمن الستينات من القرن الماضى، وكانت مصر آنذاك تعيش مرحلة فارقة من سماتها مجانية التعليم وخروج المرأة للتعليم والعمل، ونشوء قصص حب بين الشبان والفتيات، وظهور مشكلات عديدة بسبب هذه القصص التى كانت مرفوضة من جانب المجتمع.

زينات صدقى..

أضحكت الملايين وبكت وحيدة طوال عشرين عاما !

الفنانة الكوميدية زينات صدقى كان لها حضور طيب فى الأفلام التى عملت فيها.. كانت "صوت الشعب" فى الزمن الذى كان الشعب فيه لا يشغل أحدا، وربما سبب ذلك أنها لم تحمل ثقافة حديثة، كانت تحمل الثقافة الموروثة التى انتقلت إليها بالتجربة والمعايشة. وحياة هذه الفنانة القديرة مليئة بالمواقف والحكايات الصعبة، فهى من مواليد حى الجمرك الشعبى فى الإسكندرية فى 4 مايو 1912، وتوفيت عام 1978 بعد أن قضت سنوات طويلة لا تعمل فى السينما، وطوال تلك الفترة تجاهلها الفنانون، لكن الرئيس السادات مد إليها يد المعونة فأصدر قراره بتخصيص معاش شهرى لها قدره مائة جنيه. ولم يكن ميلادها الفنى بالسهل أبدا، فقد ندهتها نداهة الفن فعملت مطربة وسافرت إلى لبنان، وهناك حققت نجاحا كبيرا، وعقب معركة بينها وبين المرطبة "فتحية أحمد" تركت لبنان وعادت إلى مصر بعد أن تعرفت إلى "بديعة مصابنى" الراقصة المشهورة وزوجة "نجيب الريحانى".. وبعد أن عملت فى صالة بديعة التحقت بفرقة "نجيب الريحانى" وحققت حضورها الفنى فى دور السيدة الشعبية "سليطة اللسان".. ولم تكن "زينب محمد سعد" أو "زينات صدقى" - والمعلومة الخاصة بالاسم ليست موثقة - تعرف القراءة والكتابة، لكن المخرج يحكى لها المشهد أو دورها المطلوب منها أداؤه، فتؤديه وترتجل الكلمات والإفيهات حسب ما يرد على ذهنها، فهى فنانة بالفطرة ولم تنل تعليما ولم تلتحق بمعهد للتمثيل أو أكاديمية للفنون، لكنها استطاعت أن تحقق المعادلة الصعبة، عاشت فى عالم التمثيل وتحملت مقاطعة الأهل لها حتى موتها، وأنشأت "مقبرة" استعدادا ليوم الرحيل، وكتبت عليها عبارة "عابر سبيل"، وقالت للمقربين منها إن مقبرتها هذه متاحة لكل الموتى الذين لا مقابر لهم، وكأنها اختارت أن تجعل من المقبرة "صدقة جارية" على روحها. ومما روى عنها من حكايات أنها باعت أثاث بيتها لتتمكن من مواجهة نفقات المعيشة، لكن بعض قريباتها قمن بنفى هذه الحكاية، وقلن إنها باعت الأثاث الغالى الثمن واستبدلته بأثاث متوسط القيمة، وقلن إن "زينات صدقى" عاشت مستورة إلى أن لقيت ربها عام 1978. ومما يروى أيضاً عنها أنه لما أصابتها الأمراض رفضت تلقى العلاج على نفقة الدولة رغم احتياجها الشديد إلى هذه المعونة. والدرس الذى نتعلمه من حياة هذه الفنانة الكبيرة التى ليست لها "نسخة" أو صورة تشبهها هو أن الكرامة و"عزة النفس" هما القيمة الكبرى للإنسان وأن عليه أن يتحمل كل شىء من مصاعب الدنيا حتى يرحل عنها عزيز النفس موفور الكرامة.. والدرس الثانى الذى نتعلمه من حياة " زينات صدقى" هو "الإصرار على تحقيق الحلم"، فقد تحملت قسوة الأهل وتحملت الغربة والجوع والمرض فى سبيل حبها للفن الذى استولى على كل حواسها منذ طفولتها. وقصة "زينات صدقى" هى قصة مكررة فى حيوات جيل الفنانين الرواد، فذلك الجيل الذى أرسى دعائم فن المسرح وفن السينما فى مصر تحمل الكثير من جانب المجتمع الذى كان وعيه محدودا آنذاك، وكان ينظر إلى الممثل على أنه "مشخصاتى" لا يستحق الاحترام.. ورغم هذا استطاع ذلك الجيل الرائد أن يرسى قواعد المسرح والسينما ويمهد الطريق للأجيال التالية فى عالم الفنون.


 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

هوليوود تحتفى بالسينما: ليلـة أوسكارية تعكس نبض العالم

شهدت الدورة الثامنة والتسعون من جوائز الأوسكار ليلة سينمائية حافلة بالإنجازات واللحظات اللافتة فى مسرح دولبي فى هوليوود،

«الخرتيـة» حلـم لـم يكتمـل لـ «زكى فطين عبدالوهاب»

10 سنوات قضاها «زكى» فى كتابة السيناريو.. وكان يفترض تنفيذ الفيلم بـ«منحة فرنسية» «شاهين»: رشحتك مدير مواقع التصوير بـ«المهاجر».. ومستنى...

الشيخ محمد صديق المنشاوى يروى حكايته مع القرآن وحـكاية عائلته معه

لا يحتاج الشيخ محمد صديق المنشاوى تقديماً، هو من أصحاب المدارس فى التلاوة، رغم انتساب مدرسة المنشاوية لوالده الشيخ صديق،...

نجوم الفن يتحدثون عن عودة «الجوكر» للإذاعة

بعد سنوات من الغياب، عاد الفنان الكبير محمد صبحى ليطل على جمهوره في  موسم رمضان 2026 من خلال المسلسل الإذاعى...