عز الدين سعيد:غرقت فى بحـر نجيب محفوظ

يمكنك أن تعتبره أحد مجاذيب نجيب محفوظ، بغض النظر عن إبداعاته السينمائية الكثيرة التى حازت العديد من الجوائز فى مهرجانات مصرية وعالمية.. عزالدين سعيد أحد أبناء ماسبيرو

يمكنك أن تعتبره أحد مجاذيب نجيب محفوظ، بغض النظر عن إبداعاته السينمائية الكثيرة التى حازت العديد من الجوائز فى مهرجانات مصرية وعالمية.. عزالدين سعيد أحد أبناء ماسبيرو الذين أبدعوا فى مجال السينما بشكل عام، لكن الرجل مرتبط بكاتبنا الكبير نجيب محفوظ، طوال الوقت يتحدث عن أفلامه ويعيد مشاهدتها أكثر من مرة، يقرأ رواياته وقصصه القصيرة، يعجب ببعضها وتستفزه أخرى، فيقرر أن يصطدم بصاحبها بعد حوار طويل معه.. هذه الجدلية التى تتحول إلى فيلم فيما بعد. عز الدين سعيد طوال الوقت يحاور صاحب نوبل، يتفق معه ويختلف ويتجرأ عليه. فى ذكرى وفاة عميد الرواية العربية التى مرت علينا منذ أيام، كان لنا هذا الحوار مع أحد مجاذيبه.

فى البداية يقول المخرج عز الدين سعيد: «هذه ليست علاقة خاصة بينى وبين نجيب محفوظ، يمكنك أن تقول علاقة جيل بأكمله، عندما تتحدث عن مصر بشكل عام تكون هناك مجموعة من الأيقونات تتصدر المشهد، مثل الاهرام وأم كلثوم ونجيب محفوظ، فهو وجه مصرى شكل البلد والخريطة».

ويضيف: «منذ كنا أطفالا والجو العام لأفلام نجيب محفوظ يسيطر علينا ويحاوطنا، ومن أكثر الأفلام التى كان يتم عرضها وقتها ثلاثية «بين القصرين» و«قصر الشوق» و«السكرية». الأجواء فى تلك الافلام كانت غريبة بالطبع، لا أنكر حرفية المخرجين والممثلين الذين نفذوا تلك الأعمال، لكن القصة والمناخ العام الذى كتب فيه النص الأدبى الذى كتبه محفوظ طغى على تراك الصوت والصورة فى تلك الأفلام».

ويواصل: «ونحن صغار عشنا نجيب محفوظ جدا، وكنا ننزل المغربلين وقصر الشوق وهذه الأماكن، حتى نتعرف على ما قدمه الفيلم من شخصيات، وهل هى موجودة بالفعل فى تلك الأماكن أم لا؟ وهل الفتوة موجود فى السكرية؟ وكذلك سى السيد والدرويش ومدعى العلم وغيرها من الشخصيات التى قدمت فى تلك الأفلام».

ويضيف سعيد: «نجيب محفوظ رسم تاريخ مصر وحاضرها وتوقع أيضاً مستقبلها فى نصوصه الأدبية، وبالتالى كنا نمارس نجيب محفوظ ويمارسنا من خلال المشهد الذى نشاهده فى السينما ونبحث عنه فى الواقع. بعد ذلك تطورت مسألة الفرجة عندى، ولم تكن وقتها عندى نية للعمل فى عالم السينما، وذلك من خلال أفلام يوسف شاهين، وتحديدا التى كتبها محفوظ، وقتها شاهدت أعمال أديب نوبل بشكل وتكوين سينمائى، من خلال الأبعاد المركبة فى الشخصيات التى قدمت فى تلك الأفلام، ومنها فيلم «الاختيار» على سبيل المثال، بعدها قررت الانفتاح على عالم رواية محفوظ وكنت بالفعل أقرأ فى فقه الأديان وغيره من المجالات، وعندما بدأت قراءة روايات محفوظ وجدت تماسا شديدا بيننا، لأنه دائما ما كان يبحث فى رواياته عن شىء ما، وأنا نفس الطريقة.. هو يبحث ويكتب وأنا أبحث وأقرأ، فاتفقنا أنا وهو بعقد غير معلن على أن نتقابل».

ويواصل سعيد سرد علاقته بالروائى العالمى ورواياته قائلا: «بعد ذلك وجدت نفسى أتطرق إلى عالم القصة القصيرة لنجيب محفوظ، وأنفتح على عالم آخر وكنز كبير، لذلك دائما أقول إن «نجيب محفوظ بحر غرقت فيه ومش عاوز أطلع منه» وعاشق له وللحجب التى كشفتها بكتاباته، حجب نفسية وفلسفية، هو الوحيد الذى وصل لقلوبنا وقدم سينما إلى الآن لم أجد ما يوازيها، رغم أننى قرأت لكتاب كبار مثل توفيق الحكيم وفارس القصة القصيرة يحيى حقى وغيرهما، لكنى عندما قرأت لنجيب محفوظ لم أجده شخصا عاديا فى عالم القصة القصيرة يسرد أفكاره، وإنما هو كاتب تجاوز كل الحدود. ولو قلنا إن الشعر هو فن اختزال للكلام، فإن القصة عند نجيب محفوظ تحولت إلى شعر، لأن كل كلمة يقولها تحمل بداخلها قنابل من الجمال والإبداع، واكتشفنا أن كل كلمة يقولها تحمل التطبيق الحقيقى لكلمة فلسفة».

وعن بداية علاقته كسينمائى بأدب محفوظ قال: «عندما دخلت عالم السينما كنت أقرأ ليس بغرض أن أنفذ فيلما، لكنها رحلة بحث، لأن صناعة الفيلم بالنسة لى لها ظروف، بمعنى أننى لو لم أنفذ فيلما أرغب فى تنفيذه فمن الممكن أن أموت، لأن الفيلم عندى عبارة عن فكرة قد تخنقنى لو لم تخرج إلى النور، لكنى لا أقرأ من أجل صناعة فيلم معين. نجيب محفوظ استفز كل طاقاتى، لذلك تجدنى أحيانا أتفق معه وأحيانا أختلف، وأحيانا أكمل شيئا هو قد بدأه، وأحيانا تكون هناك أبواب لا يفتحها نجيب محفوظ فى أعماله ويكون سر جمال العمل فى تركها كذلك. وجدت نفسى أدخل فى جدلية فكرية معه، وهذه الجدلية لابد أن تتحول إلى فيلم، بمعنى أننى لو قرأت رواية واستمتعت بها لا أقدمها كفيلم، لكنى لو دخلت فى جدل فكرى معها أحولها إلى عمل سينمائى.


ويضيف عز الدين سعيد: «الحوار الجدلى بينى وبين نجيب محفوظ كثير جدا وخناقاتنا مستمرة، وقد حولت بعض تلك الحوارات إلى فيلمين، وطبعا أنا أقل من أن أضيف إلى نجيب محفوظ، وقالها لى د.صلاح فضل فى أحد المهرجانات فى باريس، وكان ردى عليه أن نجيب محفوظ علمنا الجرأة، وكان ذلك بمناسبة مرور 100 سنة على ميلاد الأستاذ، وكنت قد قدمت فيلمين من رواياته وهما الغرفة رقم 12 والزيارة».

ويضيف: «فى 29 أغسطس 2006 جاءنى تليفون من أنس الفقى وزير الإعلام وقتها، فى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، وقال لى «نجيب محفوظ فى المستشفى وفى لحظاته الأخيرة بيموت.. وعاوزك تعمل فيلم» قلت له: «فيلم إيه حضرتك اللى بتكلمنى فيه الساعة واحدة بالليل؟!»، فقال لى «المفاجأة أن الفيلم هيتذاع فى صباح الخير يا مصر بكرة الصبح الساعة السابعة صباحا.. يعنى معاك 6 ساعات فقط». فقلت له «أى فيلم الذى يتم جمع مادة علمية عنه وكتابة النص وتسجيل الصوت وعمل المونتاج الخاص به فى 6 ساعات.. ومتى سأجمع طاقم العمل والإنتاج ومتى نفتح المكاتب»، فقال لى «اتصرف أنا عاوز فيلم عن نجيب محفوظ يتم عرضه الصبح فى صباح الخير يا مصر الساعة سبعة»، وطبعا صناعة فيلم فى عالم الميديا بهذه الطريقة مستحيل، أنا فى بيتى فى الهرم والمفروض أن أكتب سيناريو وأجمع مادة علمية وأجمع فريق العمل وأدخل مونتاج.. كله فى 6 ساعات».

ويستطرد: «قفلت مع وزير الإعلام وأنا مش عارف هاعمل إيه.. وإيه ممكن يحصل»، وحتى الرابعة صباحا لم أنفذ اى شىء، المساعدون فقط يجمعون مادة علمية وخلاص، وبعدها غمضت عينى وتأملت كل رحلتى مع نجيب محفوظ، وتأملت كل كتاباته، وعملت مقارنة بين كتاباته والمشاهد الموجودة منها فى الافلام، والتى ساستخدمها فى الفيلم، وبالتالى سيكون عندى بديل للتسجيل الصوتى أو النيريشن كرد من الأفلام على لسان أبطال الأعمال، وقلت «أنا هاعمل فيلم محاكمة نجيب محفوظ»، وهو دائما ما كان يتهم بالجنون، وكان فى موقف اتهام، قلت لنفسى «طيب مين يتحاكم فى أفلامه؟ شكرى سرحان فى فيلم «اللص والكلاب» واحد بيقول له «ده مجنون»| وبعدها أعمل «كت» عليه، وآخر يقول «موتونى وريحونى من العذاب اللى انا فيه» وبعدها «كت»عليه، ثم مشهد لشكرى سرحان وهو يقول «أنا اللى هادافع عن نفسى» بصورة لنجيب محفوظ. حاكمت محفوظ من خلال أبطال رواياته.. وفى الآخر أقول «هو أنا علشان عندى قلب أبقى مجنون؟.. لو تدوروا هتلاقوا كل اللى عندهم قلوب مجانين».. وقفلت الفيلم الذى كانت مدته دقيقتين ونصف دقيقة، ولا أعرف كيف عملته ولا أى روح جعلتنى أخرجه بهذه الطريقة».


ويضيف: «وزير الإعلام كلمنى بعدها وكان فى قمة انفعاله وإزعجه وانفعاله، وقال لى «انا قلت مستحيل تعمل حاجة.. ازاى تعمل حاجة بهذا العمق الفلسفى الكبير.. عصير حياة نجيب محفوظ بالكامل فى دقيقتين ونص».

وعن بقية أفلامه عن أعمال محفوظ يقول سعيد: «الغرفة رقم 12» وكان بطولة لطفى لبيب وأحمد صيام وسيد عبدالكريم وحسن العدل وسحر رامى، واشترك معى فى كتابة السيناريو الروائى الكبير مكاوى سعيد صاحب «تغريدة البجعة».. وفى فيلم «الزيارة» اشترك مكاوى معى أيضاً فى كتابة السيناريو، وكان من بطولة ماجدة الخطيب وإيناس مكى وليلى جمال والفنان الكبير كمال الدسوقى، وعملت الفيلمين وتم عرضهما فى باريس بمناسبة مرور 100 سنة على ميلاد محفوظ، وكان معى الكبير محمد سلماوى وجمال قطب ود.صلاح فضل والناقد على ابو شادى، وكان من المفترض عرض فيلم «بين القصرين» وكانوا قد تواصلوا مع المركز القومى للسينما للحصول على الفيلم، وللأسف المركز بعت الفيلم على «بكرة» وهم فى المركز الثقافى المصرى بباريس لا توجد لديهم أداة عرض للأفلام التى على بكرة، فكانت هناك ورطة كبيرة، وقتها قلت للمستشار الثقافى المصرى هناك إن عندى فيلمين عن نجيب محفوظ، سألنى «هل هما مترجمان؟»، فأجبته «فرنساوى»، وبعد أن شاهدهما أعجب بهما جدا، وتم عرضهما بدلا من فيلم بين القصرين، ولقيا نجاحا غير عادى».

ويضيف: «كان موجودا فى القاعة التى عرض الفيلم بها رئيس جامعة السوربون، ورئيس قسم الأدب الشرقى بجامعة السوربون وهو يدرس الأدب المصرى، فتم اختيار الفيلمين لكى يدرسوهما فى قسم الأدب الشرقى بجامعة السوربون بشكل دائم كنموذج للرواية والقصة الفلسفية التى يتم تحويلها إلى فيلم، وحتى الآن يتم تدريسهما والامتحان فيهما من طلبة الجامعة.

ويواصل المخرج الكبير سرد رحلته مع عميد الرواية العربية وأعماله قائلا: «بعد فترة وجدت نفسى أواجه نجيب محفوظ شخصيا، لكن هذه المرة ببعض من الغرور، قررت أن يدخل هو عالمى الخاص، فطوال الوقت كنت أنا تائه فى عالمه، ونفذت ذلك فى فيلم «السلطان»، وقام بدور نجيب محفوظ أحمد فواد سليم، وجعلته طول الوقت يمشى باحثا عن بنت شكلها غريب ظهرت له فجأة، لا تعرف هل يبحث عن فكرة وهو يمشى يقابل أشخاصا كلهم يعرفون، لكنه الوحيد الذى يتحرك فى عالم ميتافيزيقى يبحث عن شخص غير موجود، أو موجود لكنه لا يراه، وكتب الكلمة الأخيرة فى الرواية، تاريخ إتمامها هو 30 اغسطس 2006، وهو تاريخ وفاة نجيب محفوظ».

 


 	عرفة محمود

عرفة محمود

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

على ربيع يعود للدراما بمسلسل جديد

بدأ الفنان على ربيع التحضيرات لمسلسل جديد يعود من خلاله إلى الدراما بعد غياب.

أحمد حلمى يستعد ل «حدوتة»

يواصل الفنان أحمد حلمى التحضيرات النهائية لفيلمه الجديد «حدوتة »، والمقرر أن يعود من خلاله إلى السينما بعد غياب.

الحمل يبعد أسماء أبواليزيد عن الدراما

اعتذرت الفنانة أسماء أبواليزيد عن بطولة مسلسل جديد مع الفنان عصام عمر، كان من المقرر أن تقوم بتقديمه خلال الفترة...

شعارها «مصر أولاً» شيرين تعود لأحضان المصريين

عادت صاحبة التجربة الاستثنائية... حتى في أزماتها، عادت لتمنحنا درساً جديداً في فنون الحياة وتقدم لنا تجربة من لحم ودم......