حينما وصلنا إلى أبواب الجامعة كنا من بلاد شتى.. أول من قابلنى على محطة القطر محمود مطر.. شاب بسيط خجول.. مقبل من المنيا إلى سوهاج لدراسة الإعلام.. وأول من قابلنى فى
حينما وصلنا إلى أبواب الجامعة كنا من بلاد شتى.. أول من قابلنى على محطة القطر محمود مطر.. شاب بسيط خجول.. مقبل من المنيا إلى سوهاج لدراسة الإعلام.. وأول من قابلنى فى مدرج اللغة العربية بكلية التربية التى دخلتها كان الروائى خالد إسماعيل الذى كنت أعرف شقيقه الأكبر على إسماعيل أول أمين لحزب التجمع فى سوهاج.. حاد.. واضح.. قارئ ممتاز للقرآن الكريم.. ويحفظ آلاف القصص والقصائد والمواويل والحكايات الشعبية.. ومن بورسعيد جاء آخرون.. ومن المنصورة.. والمحلة.. ومن السودان أيضاً.
وفى حجرة صغيرة فى سرداب طويل فى دور أرضى بالقرب من النيل وجدتهم.. مجموعة من أبناء أسوان يغنون لمحمد منير الذى لم أكن قد سمعته بعد.. لم تكن قريتى تعرفه.. لكن صديقى أحمد سكوتى.. والشاعر السودانى أبوعبيدة الطيب على الذى يحفظ كل أغنيات محمد وردى التى أعاد منير غناءها وأشهرها "مساكن شعبية" دفعانى للبحث عنه وعن أغنياته.. فكانت صدمتى الأولى.. "حتى.. حتى".. إيه الغنا ده.. وإيه الكلام الغريب ده.. دى نكتة الدكتوراه فى "حتى" وأنا مش واخد بالى.. أعترف بأن الموسيقى التى خطفتنى أولاً.. ثم صرت أسيراً لمحاولة تفسير تلك الكلمات الغريبة: "طب خدنى فى ريح طيفك حتى.. حتى فى ديل كيفك.. ما انتى مالية الشوق ملوة نفسه لو يلمس طريقك». وكان صاحب الكلمات التى عرفت فيما بعد أنه تلميذ صلاح جاهين.. اسمه عصام عبدالله.. وعندما جئت إلى القاهرة وصرت متيماً بأغنيات على الحجار وحفلاته صار لى مقعد محجوز أسبوعيا فى الباخرة "صن ست".. وصارت أغنيتى المفضلة التى اكتشفت أنها من كلمات عصام عبدالله أيضاً "روحى فيكى تروح". وصرت متيماً مفتوناً بتلك التراكيب العجيبة التى يلملمها عصام عبدالله ويغزلها عقدا غرائبيا فى غناء لا مثيل له من قبل أو من بعد.. حتى كانت أغنيته "قلب الليل" التى صارت التحدى الأكبر لى عندما قررت أن أكون كاتباً.. وما زالت..
"فى قلب الليل.. وعزف الصمت متهادى كموج النيل.. وبرد الخوف بيتكتك سنان الخيل.. ومافى حد فى الشارع سوى مهر.. اتربط جازع فى شجر سنط.. وأنا الصمت.. وبرد الليل.. وخوف الليل"..
هذه الأغنية الفذة ربطتنى تماما عند فكرة أن "العدد فى الليمون" إلا فى الشعر والغناء.. وكان أن عرفت أن عصام عبدالله هذا قد خطفه الموت مبكرا فلم أستطع أن أقترب منه.. ومن تجربته الإنسانية.. وإن بقى شعره المختلف عنواناً لكل جمال حقيقى فى الغناء المصرى.. وصرت «أتوحشه».. حتى جاءت أنغام وقررت أن تهدينا عملاً فذاً لم تكتف أنه من كلمات عصام عبدالله الذى خرج ما بين اللهجة البدوية والصعيدية فى أغنية شعبية من طراز فريد.. وكانت المفاجأة الأكبر أن يخترق الأغنية.. بصوت ساحر.. شعبى.. حراق.. حريف.. فلفل مصرى منقوع بالبهجة.. وبلسعة ريفية كأنها «شهد العنب» فى عز الصيف.. هذا الصوت اكتشفت أن اسمه فاطمة سرحان.. أما الأغنية فهى "الوحدانية" فى تجربة أنغام التى تحتفى بالغناء الشعبى فى صياغة عصرية تماماً..
"قالى يا أم رشراش حرير شكناله أحمر.. والشعر خيلى.. سواده ليلى طويل مضفر.. والقصة حاردة على حواجب م اللى تسحر"..
ذلك المقطع تغنيه أنغام.. ثم يدخل ذلك المزمار الربانى..
«خيلانة حردتك فوق رأسك.. يا عيوقية»..
تلك هى "فاطمة سرحان سلطانة الغناء البلدى" فى مصر.. هى نفسها التى تغنى: "مال الحديث ده بس بيا".. نفس دهشتى حين سمعت ذلك الصوت فى تلك الأغنية هو نفس حال أبناء الجيل الجديد الذين استمعوا لها لأول مرة فى مسلسل "أفراح القبة" وهى تغنى براقصة شكوكو القديمة: «حبك شمعة وقلبى فانوس وبتلعب بيه.. وحوى يا وحوى ياما هواك غرمنى فلوس.. وحوى يا وحوى». فمن هى هذه «السلطانة» التى جاءت من آخر الدنيا لتفتح لنا «خزانة» غناء مصرى لا حدود له؟ البداية من هنا.. والأصل والتأصيل لا يوجد تاريخ محدد للسنة التى ولدت فيها فاطمة سرحان.. لكن الجميع يؤكد أنها من مواليد مركز بسيون فى محافظة الغربية.. وأنها عاشت فى رعاية خالها بعد وفاة والديها.. طفلة مصرية عادية تلعب فى شوارع القرية وتخطفها شاشة بيضاء كان يضعها رجل من قريتها أمام دكانه ويعرض أفلام ليلى مراد.. روحها سلبت منها أمام ذلك الصوت الساحر الذى يخرج من «الراوى» ومن تلك الشاشة.. فحلمت أنها «مطربة».. وعرف الخال فضيق عليها فى الخروج والدخول ولم يكن هناك من سبيل سوى الزواج.. وكانت الطامة أن من تقدم لها يطلب يدها مطرب شعبى اسمه عطية السفرتى.. يعمل فى فرقة شعبية مع إخوته الذين يجيدون ذلك اللون الذى عرفته موالد الدلتا.. وكان من الطبيعى أن يرفض الخال.. لكن الفتاة تصر.. فيقبل بعد محايلات ووساطات بشروط أهمها ألا يحضر الزوج وفرقته للغناء فى القرية تحت أى ظرف.. والتزم الرجل الذى صارت فاطمة زوجته وإحدى عضوات «الكورس» فى فرقته عند هذا الحد.. اكتفت فاطمة بممارسة حلمها.. وأنجبت طفلتها التى أصبحت فيما بعد المطربة الشهيرة «سوزان عطية» وإلى جوارها شبت أخت من زوجة سابقة للأب.. ولم يكن فى ذهن فاطمة «أم البنتين» بالميراث والتبنى أى فكرة عن القاهرة والشهرة.. والمسارح الكبيرة.. ولم تكن قد سمعت عن زكريا الحجاوى.. ولا فرقة الفلاحين التى أنشأتها الثورة.. ثورة يوليو.. لم تكن تعرف سوى أنها تغنى.. وأن صاحباتها فى فرقة «سيد رمضان» على موعد مع الحظ ومع الرجل الذى ظنته القرية عندما ذهب ليستمع إلى أفراح الفرقة من الشرطة.. أو «الحكومة» مثلما صرخ الأطفال فى الشارع.. يومها قرر الحجاوى الذى كان بصحبة زوجته خضرة محمد خضر أصطحاب فرقة «سيد رمضان» إلى القلعة.. إلى مسرح المقطم الذى كانت تتجمع فيه اكتشافاته التى جاء بها من كل ربوع مصر ليضع بذرة أولى الفرق الشعبية المصرية. يومها كانت فاطمة مجرد ضيفة.. لفتت نظره فسأل "مين دى؟".. فاخبروه بأنها ضيفة وأنها تحب الغناء.. فقال «هاتوها معاكم».. لم يسمعها يومها.. سمعها حينما جاءت معهم للقاهرة ليكتشف أنها «ريكوردر» يحفظ كل ما يتلقاه من غناء.. بعضه كان من تأليفه وتلحينه.. «ناعسة وأيوب».. وكان أن أوجد لها مكانها الذى يستحقه ذلك الصوت الصفى، فصدحت تغنى من «مسرح إلى آخر» ومن حفلة إلى أخرى.. من الإذاعة فى الشريفين.. إلى مبنى ماسبيرو.. ومنه إلى كل الوطن العرب..
«صدق اللى قال يا طيبة انك هبة النيل. ولولاكى يا حبيبة ما غنت الأراغيل.. قصدى البداية من هنا والأصل والتأصيل.. أهل الحضارة هنا وأفعل التفضيل»..
لم يكن وعى فاطمة سرحان البسيط.. يستوعب ما عليه الحجاوى من معان «وأفعل التفضيل».. لكنها كانت تملك موهبة فطرية سمحت لها بأن تعيد غناء أشهر ما غناه ناظم الغزالى وبالفصحى..
«قل للمليحة فى الخمار الأسود.. ماذا فعلت بناسك متعبد.. قد كان شمر للصلاة ثيابه.. لما وقفت له بباب المسجد.. ردى عليه صلاته وصيامه.. لا تقتليه بحق دين محمد»..
هذه القدرات غير المحدودة لفاطمة سرحان.. وتميزها فى غناء نوع من الموال.. لم يجدوا له تصنيفا فنسبوه إلى قريتها وصار اسمه «الموال البسيانى».. وتلك الفرحة التى تتسلل عبر ذلك الصوت الواثق سمحت لها أيضاً بأن تكون «سيدة الأفراح الأولى فى وقتها» وأن يكون لها فيما بعد سرادق باسمها فى منطقة الحسين التى انتقلت للسكن بالقرب منه فى منطقة الرويعى ولم تغادرها إلا إلى منطقة أقرب إلى آل البيت الذين تخصصت فى مدحهم وما زالت تعيش هناك فى السيدة زينب.. تلك الطريقة البلدية فى الغناء.. وذلك الموال الخاص.. الذى سبق أغنيتها التى جاءت بها من هناك أيضاً «على ورق الفل دلعنى».. انتبهت لهم عيون مخرجى السينما فكان أن شاركت فى فيلم «أنا الدكتور» عام ١٩٦٨..
«أول كلامى بالصلاة على الحبيب.. كنز الأرامل واليتيم والغريب.. ويا ربى تجعل لنا فى زيارته نصيب.. ونشاهد اللى كلمه ربنا»..
شاشة السينما التى كانت سببا فى محبة فاطمة سرحان للغناء لم تبهرها وهى مطربة معروفة.. وإن لم ترفض المشاركة فيما عرض عليها.. فقدمت "الجوازة لازم تتم.. احذروا هذه المرأة".. وأخيراً فيلم "حد السيف" الذى أنتجته الراقصة نجوى فؤاد التى فهمت خصوصية غناء فاطمة فاستعانت بها فى رقصة خاصة اسمها الحجالة.. وذهبت معها إلى عدد كبير من الولايات الأمريكية على مدار ثمانى سنوات متواصلة، وهذا ما حاولت الراقصة دينا تكراره أيضاً.
فاطمة سرحان.. سيدة غير مبادرة.. هى مثل غيرها من أولئك البنات اللاتى خرجن فى زخم اهتمام ثورة يوليو بالغناء الشعبى.. وبمجرد أن جاء زمن الرئيس السادات وقرر وزير إعلامه د.عبدالقادر حاتم فى عام ١٩٧٢ حل فرقة الفلاحين بشكل عبثى ومفاجئ أدى إلى رحيل الحجاوى إلى دولة عربية وانفراط عقد الفرقة.. ذهب كل فرد فى تلك الفرقة «مذبوحاً يرقص».. وهو الأمر الذى تدركه فاطمة سرحان التى صارت بعد اعتزالها عضوة فى لجنة التراث بالمجلس الأعلى للثقافة.. هى تقر فى حوار متلفز مع الزميلة «ريهام منيب» بقناة النيل الثقافية أن التجربة انتهت برحيل الحجاوى.. لكنها استمرت تغنى كلما تيسر لها ذلك..
«يا حلو يا أسمر غرامك فى الفؤاد شبابيك.. لكن سمارك بخفة شغلنى والعيون شبابيك.. وأنا خاطرى أطولك وأشوف طولك.. من الشبابيك».
قلمك يا زمان.. ع الخدين واجعنى
ورغم تعدد الدراسات الشعبية التى تعرضت لتجربة فرقة الفلاحين.. وللغناء الشعبى فى مصر.. والموال بأنواعه إلا أنه قل أن تجد دراسة متكاملة لذلك النوع الذى تخصصت فاطمة سرحان فى غنائه باستثناء مقالات متفرقة فى بعض المطبوعات والمنتديات الإلكترونية، ومنها ما كتبه الشاعر الباحث مسعود شومان الذى وصفها بشجرة التوت «التى لا تضن على عابر بثمارها.. فيها من خد الجميل.. ومن الأبيض الذى إن تذوقت عسله ستدوخ.. وعلى فروعها العالية تسكن ثمار الموال والمربعات والأغانى الفرحة»..
«قلمك يا زمان على الخدين واجعنى.. كسر لى سنى وضرس العقل واجعنى.. خايف أقول آه.. كلام الناس يواجعنى.. وليه أنت يا زمن بدون أسباب ذلتنى.. وقلعت شجرة.. كانت نافعة وظلتنى.. اعمل ما بدالك.. وأنا قبالك.. وذلتنى.. حتى إن كوتنى.. ما أقولش الكى واجعنى».
يلتقط شومان «فرعا» مهما من فروع تجربة فاطمة سرحان.. ويشير إلى قدرتها على استعادة مربعات ابن عروس..
«كيد النسا يشبه الكى.. من مكرهم عدت هارب.. يتخرموا بالحنش حى.. ويعصبوا بالعقارب».
هذه المربعات وجدت طريقها الآن إلى حناجر فرق صغيرة سمت نفسها «مستقلة» أعادت تقديم هذا اللون دون معرفة حقيقية بأصوله.. ودون وجود «قائد» يعرف الهدف من استدعاء التراث أو إعادة توظيفه.. وهذا ما كان يعرفه الحجاوى جيدا.. وهو الأمر ذاته الذى حاوله عبدالرحمن الشافعى الذى اقتربت منه فاطمة سرحان فى تجربة مسرح السامر.. لكن التجربة لم تلاق نفس النجاح السابق.. وإن ظلت تجلياتها جزءاً لا يمكن تجاهله من المحاولات الحقيقية والجادة لإحياء التراث الشعبى المصرى..
«قالوا الهوى له دوا وناقلت مش معقول.. ولا تمر خالى النوى ع النخل مش معقول.. ولا اللى قلبه انكوى يرتاح.. مش معقول».
كل ما فيكى يا مصر بيغنى
لم تكن تجربة مسلسل «أفراح القبة» التى قدمت صوت فاطمة سرحان للجيل الجديد هى تجربتها الوحيدة فى التليفزيون، لكن مسلسلها الأول الذى كتبه زكريا الحجاوى وأخرجه نور الدمرداش عام ١٩٦٤ «خيال المآتة» يظل هو الأهم.. وتذكر فاطمة سرحان فى أحد حواراتها أن الشوارع كانت تخلو من المارة فى المحافظات المصرية كلها أثناء إذاعته.. اختفاء تلك النوادر الغنائية لم يمنع جمهور الغناء الذى فاجأه صوت فاطمة سرحان بعد «أفراح القبة» ومشاركتها السابقة لأنغام فى غناء «وحدانية» من البحث عن أعمالها.. وهو الأمر الذى لم يقتصر على المصريين فقط.. فقد ذهب الشوام للبحث عن إحدى أغنياتها القديمة «تحت الشباك.. ولمحتك يا جدع» التى أعاد فضل شاكر ومعين شريف غناءها فى حفلاتهما، وهو ما يفعله الشعراء من مطربى لبنان فى برامجهم وحفلاتهم الخاصة.
والغريب أن هذه الأغنية ليست من الفلكلور الذى تميزت فاطمة سرحان فى غنائه.. لكنها إحدى أغنيات المطرب الساخر عزيز عثمان الذى عرفناه بـ«بلاليكا» فى فيلم «لعبة الست» تلك الأغنية هى أحد «فتوحات» محمود الشريف اللحنية.. الذى غنت له فاطمة فى «أفراح القبة»: «حبك شمعة». هذا الأمر أستغربه جدا.. فلم ينتبه أحدهم من ملحنى ذلك الجيل إلى ذلك الصوت ليقدمه فى أعمال خاصة.. مثلما فعل بليغ حمدى مع روح الفؤاد مثلاً.
على كل حال.. لم تقاوم فاطمة سرحان فكرة اعتزالها واكتفائها بأسرتها فى منزلها بالسيدة زينب منذ عام ٢٠٠٠.. وسحبتها نداهة الغناء فذهبت تلبى دعوات محبيها من أبناء الجيل الجديد.. أنغام وسيمون وأحمد سعد.. وأعضاء فرقة النيل الذين تقوم بتدريبهم عسى أن يخرج من بينهم «حجاوى» جديد..
«يا قلبى ليه اللى بايعك تشتريه غالى.. وتعلى سعره ليه.. وهوه مرخص الغالى.. لو اشتريت الأصيل بالغالى.. ما هوش غالى».
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
رشح الفنان على ربيع الفنانة مايان السيد لتكون ضمن فريق فيلمه الجديد «ولاد العسل» المقرر بدء تصويره فى الفترة المقبلة.
توقفت تحضيرات فيلم الفنان أحمد بحر، الشهير بـ«كزبرة»، بعد عرض مسلسله «بيبو» فى الموسم الرمضانى.
بدأت الفنانة اللبنانية نانسى عجرم العمل على ألبومها الجديد، والمقرر أن يحمل اسم «نانسى 12»، واستقرت على أغنية جديدة باللهجة...
فى هذه الأيام تعيش العائلة المصرية احتفالها السنوى بالأم، والربيع بالطبع، ولعل الربط بين الأمومة والربيع قام على المعنى المشترك...