عزت عوض الله «الحلو بزيادة»

كنت باخاف م البحر.. وأشعر برهبة شديدة أمامه.. لكننى أحبه فى نفس الوقت.. ممكن أتسمَّر.. قدامه لساعات.. لكننى لا أحب العوم فيه.. مش باحب ياخدنى فى حضنه.. لأننى فى كل

كنت باخاف م البحر.. وأشعر برهبة شديدة أمامه.. لكننى أحبه فى نفس الوقت.. ممكن أتسمَّر.. قدامه لساعات.. لكننى لا أحب العوم فيه.. مش باحب ياخدنى فى حضنه.. لأننى فى كل مرة أفعلها يدخل الملح فى فمى.. وأشعر باختناق.. أحب مياه النيل.. رغم أنها ثقيلة وغامضة. ودواماتها لا أمان لها.. لكن يبدو أن كل من تعلم العوم فى مياه الترع من أبناء الجنوب مثلى يدمن النيل.. ويخاف البحر الذى أحبه وأشتهيه.

والبحر الذى أعرفه لم يكن حتى سنوات مضت سوى «بحر إسكندرية».. لم أكن قد ذهبت إلى مطروح أو الغردقة أو مرسى علم أو شرم الشيخ.. لم أكن أعرف سوى بنت الإسكندرية التى خطفتنى بلا أسباب مفهومة.. وصار بحرها عشقاً وأغنية..

اعتدت الذهاب لشوارعها الخلفية.. وفتح لى عمنا الشاعر الكبير الراحل سيد حجاب أبواباً من جنتها وهو يحكى لى سيرتها الأولى فيما أنظر من شباك منزله الصيفى نحو «الفنار» الذى يسكن بجانبه وتشعر بأنه جزء من «صالة البيت».. عند عم سيد.. اذكره الآن وهو يحكى بطفولية..

«القائد المقدونى اكتسح الفرس ووصل إلى مصر عام ٣٣٢ ق.م.. راح سيوة.. كان فيه بعض كهنة هناك للإله آمون.. غطس فى مياه المعبد وباركه الكهنة ليصبح «ابن آمون».. وهو فى طريقه إلى رحلته كانت أعجبته قرية قريبة من البحر.. يسكنها عدد قليل من الصيادين بلدياتى (عم سيد حجاب ابن الصيادين فى قرية المنزلة) فقرر القائد المقدونى أن يبنى مدينة.. قال إنها مدينته، وكلف المهندس دينوقراطيس ببنائها على الطراز اليونانى.. فكانت الإسكندرية القديمة».

نسكت جميعنا مع صمت عم سيد حجاب وكأنه ذهب فى رحلة إلى التاريخ ثم عاد ليطلب من المطرب خالد شمس أن يغنى.. فيغنى:

«إسكندرية ماهيش كورنيش/ ولا هيّا رشدى ولا زيزينيا/ إسكندرية ناس بتعيش/ وكأنها مش فى الدنيا../ إسكندرية البوص والخيش/ من غير لا شيش ولا المونيا/ مدد يا شيخ سيد درويش/ غنى عشان الناس التانية»..

ومن ليلتها وأنا أبحث عن سيد درويش.. وعن كل من الشبيحة فى غناء سكندرى مصرى خالص.. وأول من ستجدهم إذا ما سألت عن الغناء السكندرى.. مطرب يشبه تلك الشوارع المفتوحة بلا نهايات.. وأولئك الناس الذين يسكنون «البوص والخيش من غير لا شيش ولا المونيا».. حياته تراجيديا مصرية خالصة.. قبطـى.. اشتهرت أغنيته الأولى بلسان مطرب غيره هو فايد محمد فايد.. ثم صارت أكثر شهرة عندما غناها أحمد عدوية.. لكنها كانت وستظل الأغنية الأولى لمطرب الإسكندرية الأول مرقص عوض الله باسيلى الشهير بعزت عوض الله..

«يا زايد فى الحلاوة/ عن أهل حيًّنا../ ما تبطل الشقاوة/ وتعالى عندنا/ أشوف حسنك أسمى/ عليك من الحسَدْ/ لا مرة بتيجى يمى/ ولا مرة بتقصدْ/ والاغى فيك وأدادى/ وأقربها الليلة دى/ ناديتلك والقساوة معاك متمكنة/ ما تبطل الشقاوة/ وتعال عندنا»..

اسمه بالكامل.. مرقص عوض الله باسيلى من مواليد غيط العنب فى ٣ مارس ١٩٣٤.. حينما قرروا افتتاح إذاعة الإسكندرية كان عمره يزبد على العشرين قليلاً.. يغنى فى الأفراح ليلاً ويعمل فى سنترال جليم نهاراً.. يفصله عن قصر الأمير طوسون الذى أصبح مقراً للإذاعة مجرد شارع.. اعتمدوه مطرباً وملحناً لكنه لم يسترح أبدا لحافظ عبدالوهاب الذى اكتشف عبدالحليم حافظ ومنحه اسمه.. ليصبح أشهر مطرب عربى فى القرن العشرين والعقدة الأكبر فى حياة ورحلة عزت عوض الله الذى كان يشعر بالاضطهاد من الأصل..

وحسَبْ الروائى السكندرى مصطفى نصر.. «حياته تمثل دراما حزينة قريبة من الأساطير اليونانية القديمة.. فهو مثل سيزيف الذى عاقبته الآلهة».. سيزيف أو عزت هذا كان من الطبيعى أن يغنى من ألحانه أو ألحان أبناء الإسكندية التى يذوب فى شوارعها عشقاً ولا يريد أن يغادرها:

«أنا أصلى إسكندرانى والرقة غيتى/ والطوق مخلوق علشانى/ والهمة صنعتى»..

جعلها صنعته وحكايته.. فغنى لكل تفاصيلها.. وله عشرات الأغانى التى تتغزل فى أحيائها وشوارعها ومن يمشون فيها:

«الحلو ساكن بوالينو/ فى محرم بيه../ كتير وياما محبينه/ بيشاوروا عليه/ لكنْ ما بيحبش غيرى/ اسم الله عليه /تمهد الهوى جمّع بيَّنا وبقينا أصحاب

وكل واحد قال عنا.. أسعد أحباب/ بدر السمْا هوَّه فى عينه../ الحلو ساكن بوالينو../ فى محرم بيه».

وبوالينو هذه منطقة فى محرم بك أصبح اسمها الآن «اللواء أبوالفضل».. لم تكن تلك الوحيدة التى غنى لها عزت عوض الله.. فهو يغنى لكل ما هو «إسكندرانى»..

«الحلو هلّت طلعتُه/ بالورد فارش سكته/ إسكندرانى ولاّ إيه/ باين عليه من لهجُته»..

الغناء للإسكندرية وبناتها والنادى الأولمبى.. أشهر نواديها الرياضية مع «الاتحاد».. لم يكن أهم ما يميز عزت عوض الله.. لكن قدراته الصوتية الفائقة كمطرب شعبى من طراز نادر هى التى جمعت المحبين من حوله.. وأحدهم كان الروائى العالمى نجيب محفوظ.. الذى لم يكتف بسماع عزت عوض الله فقط.. لكنه خلده فى إحدى رواياته.

نجيب محفوظ كان يذهب كل صيف إلى الإسكندرية كعادة معظم الفنانين والأدباء.. وكان يقيم فى بنسيون صاحبته يونانية اسمها ميرامار.. سمت بنسيونها بنفس الاسم.. وهو عبارة عن شقة كبيرة فى عمارة قديمة بمحطة الرمل.. وأوحى هذا البنسيون لنجيب بكتابة روايته التى تحمل نفس اسم «البنسيون».. وفيها ذكر «عزت عوض الله» وأغنيته الأشهر «يا زايد فى الحلاوة»..

إبراهيم عبدالمجيد الروائى السكندرى صاحب الروايات التى تعيش فى أحياء الإسكندرية وشوارعها «لا أحد ينام فى الإسكندرية.. وطيور العنبر».. ذكر عزت عوض الله أيضاً فى روايته «إسكندرية فى عينه».. وتحدث عنه أيضاً ابن نفس الجيل الروائى الكبير محمد جبريل كاشفاً عن لقاءات جمعت بينهما وفيها ما رواه عن عزت عوض فى شرح مآساته وعقدته مع العندليب.

«مجرد مغن أتاحت له الظروف فضلاً عن الذكاء الاجتماعى أن يحتل مكانة هو أجدر منه بها».. هكذا يتحدث عوض الله عن حليم.. ثم يضيف: «مجرد بروباجندا ورسم ع الناس.. اليتم والملجأ والفقر وادعاء صداقة كبار الإعلاميين.. حتى لبس البلوفر أو السويتر الذى يلفه عبدالحليم على كتفه يحرص على أن يكون بطريقة لافتة».. ذلك الرأى الحاد من عوض الله فى عبدالحليم كان لبانة فى فمه.. يلقيها يومياً على دراويش جلسته فى ورشة أحذية حيث يغنى لأصدقائه ويسكر حتى الصباح.. يضيف محمد جبريل:

«ظفر بالأولوية.. ولو داخل حدود مدينتنا.. وإن غلبنى الإشفاق للرائحة التى كانت تفوح من فمه.. وأدركت أن الشعور بالإحباط يدفعه لتعاطى الخمر».. تلك الحياة البائسة.. وحرص عزت الشديد على الجنيهات القليلة التى يتقاضاها من الحكومة خاصة بعد أن تزوج وأنجب وعاش فى منزل جديد خلف قسم شرطة الإبراهيمية.. منعاه من الذهاب للقاهرة للبحث عن نجوميتها.. لكن ذلك لم يمنع الموسيقار سيد مكاوى من سماعه.. والحديث عنه.. حتى إنه قال «عزت عوض.. صوت لا يعوض»..

«معداوى فى بحر الحب متحيَّر/ وأهل العشق شافونى/ وقالوا يا عينى يا صغير/ حياتك حُبْ وغناوى/ وقلبك ع الغرام ناوى/ ويوم ما تروح لمحبوبك../ عايزلك بيت معداوى»..

لم يملك عوض الله القدرة على المغامرة أو المجازفة بترك دياره وعاداته.. استسلم تماماً لفكرة اضطهاده. ورغم تلك السلبية والاستكانة فى طريقة حياة الرجل إلا أن الحظ طرق بابه وهو يجلس فى مكانه..

كان الإعلامى والكاتب والشاعر جليل البندارى وهو من مشاهير الصحافة والوسط الفنى فى الخمسينات والستينات فى طريقه للإسكندرية.. وأدار مؤشر الراديو.. واستمع إلى إذاعة الإسكندرية التى كان إرسالها يغطيها ويغطى البلدان المجاورة لها.. وسمع الرجل يغنى:

«من بحرى يا ناس/ عدى عليّا../ سحرتنى عيونه وحلاوتهم/ ما قدرتش أشيل عنه عنيا/ غير بعدما حوِّد على بيتهم»..

فراح يسأل عنه واكتشف أن الإسكندرانية يعشقونه ويعتبرونه جزءاً من يومياتهم.. ذهب إلى جلسته خلف ورشة الأحذية واستمع إليه وحاول إقناعه بالمجىء للقاهرة.. ليقدمه لإعلامها والإذاعة الكبرى.. وللسينما.. لكنه «وعده بالتفكير فى الأمر».. وبعد شهور من تلك المقابلة قرر عوض الله السفر للقاهرة.. أخذ قطار الصباح.. وحط فى محطة مصر.. يبحث عن جليل البندارى.. كانت قد مرت على لقائهما فى الإسكندرية شهور.. وحينما وصل إلى الجريدة التى كان يعمل فيها البندارى اكتشف أن الرجل فارق الحياة.. مات.. فعاد فى قطار الليل خائباً حزيناً يندب حظه ويغنى.. وفقط يغنى..

«ياما قالوا فى الغرام/ وكتروا الكلام/ أنا قلت كلمة واحدة/ بحبّك والسلام»..

اقروا الفاتحة لأبو العباس

فى روايته «إسكندرية فى غيمة» التى تكتمل بها ثلاثيته عن «عروس المتوسط» يرصد إبراهيم عبدالمجيد التحولات التى طرأت على الإسكندرية متعددة الثقافات والبشر.. يرصد كيف تسلل الوهابيون من الشوارع الخلفية فى تحالف شبه معلن مع نظام سياسى كان يكتب فى تلك اللحظات بدايات انهياره..

فى تلك الرواية يكتب إبراهيم عبدالمجيد ما نصه: «التهبت الأكف مع الموسيقى الشرقية.. كانت علياء على غير العادة ترتدى بدلة رقص بيضاء الليلة.. ولحمها الأبيض يلمع تحت الضوء الخافت.. وسرعتها بدت كفراشة حقيقية.. ونحافتها كانت تميزها بين راقصات الإسكندرية اللاتى هن أكثر بدانة.. هى أقرب فى حركتها إلى سامية جمال.. وظهر المطرب الشاب الجديد فى إذاعة الإسكندرية إبراهيم أحمد، وراح يغنى: «يا زايد فى الحلاوة عن أهل حينا» أغنية مطرب الإسكندرية عزت عوض الله التى يعشقها أهل الإسكندرية».

ذلك العالم الذى يتحدث عنه إبراهيم عبدالمجيد.. يقول إن آخرين كانوا يغنون أغنيات عوض الله.. فيما يجلس هو يندب حظه.. ومن هؤلاء فايد محمد فايد.. وعدوية كما أشرنا سابقاً.. لكن شهرة أغنيات الرجل بأسماء غيره لم تجعله يفكر فى تغيير طريقته أو مساره.. هو مستمر فى رحلته «السيزيفية» بلا أى مقاومة.. يفوز الأولمبى لأول مرة فى تاريخه ببطولة الدورى.. فيذهب ليغنى مع الإسكندرانية:

«اقروا الفاتحة لأبو العباس/ يا أولمبيادية يا أجدع ناس/ يا ولاد ع الحريفة / والروح العالية الرياضية/ زى الصواريخ جوه الملعب/ سيطرة ع الكورة وجدية

آدى الكفاح والرجولية/ والفن فى وابور المية/ والجماهير عند المنشية/ عاملين فرقة إسكندرانية/ خدنا الدورى وبكرة الكاس/ يا أولمبادية.. يا أجدع ناس»..

كل ليلة.. يفعل عوض الله ما يفعله فى الليلة ذاتها.. تلك السنة كانت ١٩٦٦.. أى قبيل الهزيمة بقليل.. وبعدها تغير كل شىء فى مصر تقريبا.. وتغيرت الأغنيات.. هناك استنزاف ع الجبهة وفى الشارع.. لكن الرجل كما هو.. خرجت أغنيات فرقة النهار.. وفرقة إسماعيل الحكيم.. وجاء على إسماعيل وعرفنا الشيخ إمام عيسى.. وتمرغت الأغنية المصرية ما بين جيل متمرد يقلد الغرب فى موسيقاه.. وجيل متمرد ناقم على من أوصلنا لهذه المرحلة وعشرات من أغنيات جلد الذات.. وعزت عوض الله.. كما هو.. يغنى لبنات الإسكندرية:

«وردتين غاليين عليّا/ والعيون الحلوة ديه/ والشفايف سكرية/ يا سلام الله يا عينيّا/ ع اللطافة البحراوية/ دول بنات إسكندرية../ مشيهم ع البحر غية»..

ومن كلمات محمد إبراهيم الطوال وألحان محمد حماقى مكتشف بدرية السيد التى شاركت عوض فى غناء «نوارة حارتنا» يغنى:

«من غير ذواق../ من غير كحُلة/ بيزيد جمالك وبيحلى/ والحُسن لو كان ربانى/ يا بنت بلدى يكون أحلى»..

لم يفكر الرجل فى أنه لم يستفد من ذلك الفوران الذى حل بالأغنية الشعبية وذهب بها إلى آفاق أرحب.. حتى فى تجربته الوحيدة مع شاعر من رواد تجربة الغناء الشعبى الحديث هو عبدالرحمن الأبنودى.. لم يستفد عوض الله من التجربة وظل مجرد صوت حلو يتربع على عرش الإسكندرية ومسارحها..

«عايزانى لمّا أعدى/ أخطف بصة واهدى/ كان بدرى يا عروسة / ما كبرنا ع الحاجات دى../ آهين على السنين../ ماشية وماشيين معاها/ ناديت ما قالتش مين/ ولا بقتْ وراها»..

ربما تلخص كلمات الأبنودى التى لحنها فتحى حجازى وغناها عزت.. أيامه.. التى تركتها السنون وغادرت ولم تنظر إلى الخلف حينما طلب محادثتها.. كان قد كبر الرجل «من جواه».. فهو لم يغادر الأربعين بعد..

لكن أحزانه وانكفاءه على ذاته شاخ به وبأغنيته التى لم يعد لها حظ مع جيل أحمد عدوية والكاسيت.. رغم أن مجموعة من تلك الأغنيات طبعتها له صوت القاهرة.. وإذا كان هو قد رفض المجىء للقاهرة.. فقد رفضته هى الأخرى وتجاهلته تماماً.. فيما جاء أصحابه وأبناء مدينته مثل عبدالسلام أمين وحلمى أمين اللذين حاولا المجىء بصوته فى إحدى أغنياتهما لكن دون جدوى:

«قمر الحتة../ خلَّت لياليه زى الأول/ وأهل الحتة

بيقولوا يا ليل/ والنبى طوِّل/ خلينا نشرح له الميل/ وان دبنا يا ليل../ اسهرُله انت.. قمرْ الحتة»

نهاية رجل حزين

بعيداً عن محبة أهل الإسكندرية لصوت عزت عوض الله وتعصبهم له لمحبته لمدينتهم حتى إنهم ينسبون لبليغ حمدى أنه استلهم لحنه «يا بنات إسكندرية» من عزت عوض الله.. وهى معلومة غير دقيقة على الإطلاق.. فأول من غنى هذا اللحن وبكلماته المتداولة كان المطربة الشعبية «سيدة حسن» وهى أسبق من عوض الله بسنوات كبيرة.. ولحن أغنيتها هو الأقرب لما قدمه بليغ حمدى فى مسرحية «ريا وسكينة» بعد وفاة عوض الله بسنوات.. وليس صحيحاً أيضاً أن ملحن الإسكندرية الأشهر محمد عفيفى هو صاحب اللحن وأن عوض الله استأذنه فى تقديمه ونسبه لنفسه فقد اشتهرت الأغنية فى حياة محمد عفيفى ولم يحدث أن ذكر الرجل ذلك.

وما يعنى هنا هو أن عوض الله.. استكان تماماً لفكرة أنه «مطرب الإسكندرية».. واكتفى بذلك.. واستمر يغنى لها..

«هنا إسكندرية/ بنت الجمهورية/ بتقدم تحية../ لضيوف البهية../ هنا الجو هادى/ هنا جنة بلادى/ هنا شط الجمال/ سحر الطبيعة../ ومناظر بديعة/ بتفوق الخيال»..

وكما هو الحال مع أى حياة درامية لرجل مثل عوض الله.. كانت نهايته «فوق الخيال» فقد صحا سكان شارع جميل ثابت صباح يوم السابع عشر من شهر أغسطس عام ١٩٧٥ على تجمع للمارة من ناحية شارع إيزيس حيث وجدت جثة لشاب ملقاة على الرصيف.. وعندما حضرت الشرطة اكتشفت أنها جثة مطربهم الأشهر.. ولشهور تناقل المصيفون على الشاطئ قصة الشاب الذى وجدوه قتيلاً تفوح رائحة الخمر من فمه على بعد خطوات من منزله الجديد الذى تسكنه زوجته الشابة وابنتهما التى لم يتعد عمرها الشهور..

بعض الشهود أكدوا أنهم شاهدوه يخرج من بار مواجه للكنيسة الحمراء بشارع الشيخ بيرم وخلفه من يرقبه.. ثم هجم عليه هؤلاء المتربصون وطعنوه ثم فروا هاربين.. ولأن الشرطة لم تعثر على القاتل فإنها قيدت الجريمة ضد مجهول.. فمن ذلك المجهول الذى يقتل صوتاً أحبه كل من استمع إليه؟.. ظنـى.. أن الإحباط الذى صاحب الرجل وعقدة الاضطهاد هى التى قتلت عوض الله وهو شاب لم يفارق الأربعين بعد.. لتظل مسيرته وأغنياته ونهايته لغزاً من ألغاز ذلك البحر الغامض الذى يحاوط عروس المتوسط:

«نوارة حارتنا

يا مزًّود سيرتنا

يا ريت يبقى بيتهم

بابه جنب بيتنا»..


 	محمد العسيرى

محمد العسيرى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

«العزيمة».. أول فيلم واقعى فى تاريخنا السينمائى يقدم شغيلة الحارة

لو كنت قرأت مذكرات المخرج الكبير الراحل صلاح أبو سيف لعرفت المعاناة التي عاناها فنانو الواقعية، رغم أن ستديو مصر...

أفلام الأضحى.. موسم سينمائى ملىء بالنجوم

كريم عبد العزيز وأحمد عز الأبرز

هانى شاكر..حكاية كل عاشق (ملف خاص)

رحل الفنان الكبير هانى شاكر، بعد رحلة كبيرة مع الفن والطرب والموسيقى...

فارس السينما الأكبر (5) مظهر يغامر ويفتح بيته لاجتماعات الضباط الأحرار

عندما قال عبد الناصر: اجمع رجالتك يا أحمد.. خلاص هنعملها! سافر مظهر للمشاركة فى دورة الألعاب الأولمبية فقامت ثورة يوليو...