لو أن جمال عبد الناصر رحمه الله شاهد فيلم "المتمردون" الذى كتبه الصحفى الرائد "صلاح حافظ" وأخرجه "توفيق صالح" لما وقعت هزيمة 5 يونيو 1967، رغم أن صلاح حافظ كان
لو أن جمال عبد الناصر رحمه الله شاهد فيلم "المتمردون" الذى كتبه الصحفى الرائد "صلاح حافظ" وأخرجه "توفيق صالح" لما وقعت هزيمة 5 يونيو 1967، رغم أن صلاح حافظ كان قائما بأعمال رئيس التحرير فى مجلة "آخر ساعة"، وكان "عبد الناصر" يعرفه جيدا، وكان "توفيق" المخرج الكبير قد قدم عدة أفلام منها "يوميات نائب فى الأرياف" و"درب المهابيل"، وكان "عبدالناصر" - بالطبع - يعرفه، لكن هناك لحظة فى التاريخ يمكن أن تسمى لحظة "انزلاق العجلة"، وهى لحظة تتحكم فيها قوة "الجاذبية الأرضية"، فتجعل التدحرج والسقوط مسألة طبيعية خارجة عن سيطرة البشر، مهما حسنت نواياهم. وفيلم "المتمردون" هو الأهم فى تاريخ سينما ثورة يوليو 1952، والبعض يرى أن رواية "ثرثرة فوق النيل" للكاتب "نجيب محفوظ" ـ صديق توفيق صالح المقرب ـ كانت تحمل "نبوءة" الهزيمة الفادحة التى تجرع الشعب مرارتها. وفيلم "المتمردون" ـ من إنتاج عام 1966 ـ أى قبل هزيمة يونيو بعام كامل - يحكى قصة "مصحة" لمرضى "الدرن" أو السُل الرئوى، وهو مرض خطير كافحته مصر وانتصرت عليه بعد عناء، هذه المصحة كانت تضم عددا من المرضى الذين عزلتهم "وزارة الصحة" فى مكان فى الصحراء لعلاجهم وحماية المجتمع من العدوى التى يمكن أن تنتقل إلى أفراده، ويدير هذه المصحة إدارى فاسد يسرق الدواء ويحرم مرضى القسم المجانى منه، ويحرمهم من الطعام والماء لصالح المرضى القادرين الذين يقيمون فى قسم "العلاج الاقتصادى" مدفوع الثمن، وفى أحد الأيام يضطر الدكتور "عزيز" ـ الفنان شكرى سرحان ـ للإقامة فى المصحة بعد إصابته بمرض الدرن، ويكتشف سوء الأحوال بداخلها، ويلحظ حالة التمرد التى تغلى فى قلوب مرضى القسم المجانى، ورغم أنه طبيب يعمل بوزارة الصحة فإنه لم يستطع الحصول على العلاج المخصص للأطباء، وهو علاج تخصصه نقابة الأطباء لأعضائها، وذلك بسبب الروتين واللوائح واللجان البطيئة التى جعلت الدكتور عزيز يندمج مع المرضى، وينضم إليه صديقه الصحفى رجب – الفنان توفيق الدقن – ويتصاعد الصراع بين المرضى ومعهم الطبيب والصحفى، وبين الإدارة التى يقف على رأسها "رشوان بك" - محمود السباع – وتتدخل إخلاص هانم – زوزو شكيب – رئيسة "الجمعية الخيرية" التى تدعم المصحة بتبرعات أهل الخير من "الباشوات" والأثرياء وتنحاز لصالح "رشوان بك" لأن بينهما "صداقة حميمة" وتحاول "إخلاص هانم" قتل حالة التمرد بمحاولة استقطاب الدكتور عزيز وإبعاده عن عنابر المرضى المتذمرين، لكنه لا يستجيب لمحاولاتها، ويقرر بعد أن عقد اجتماعا مع المرضى السيطرة على المصحة وإدارتها وعزل الإدارة الفاسدة المتمثلة فى "رشوان بك"، وينجح المرضى المتمردون على أوضاع المصحة فى السيطرة عليها، لكنهم يفشلون فى إدارتها، وتستطيع الإدارة الفاسدة إرسال قوة بوليسية ضخمة لقمع تمرد المرضى، وينتهى التمرد وتعود الإدارة الفاسدة إلى مواقعها مرة أخرى، ويتم إخلاء المصحة من المرضى المتمردين ويعود كل شىء إلى ما كان عليه قبل وقوع التمرد.
هذه هى القصة الرمزية التى استطاع "صلاح حافظ" و"توفيق صالح" أن يصورا من خلالها أوضاع مصر فى ظل قيادة الزعيم الوطنى جمال عبد الناصر، حبيب الشعب، ونصير الفقراء، الذى منحهم الأحلام العريضة التى تبخرت صبيحة يوم 5 يونيو 1967، أما الرموز فهى واضحة للغاية، وعبد الناصر فى هذه القصة يمثله "الدكتور عزيز" الحالم الذى عجز عن حماية مصالح قسم المجانى وعجز عن إدارة المصحة ولم يستمع إلى خبرة الفلاح المصرى – الفنان شفيق نور الدين – والإدارة الفاسدة فى الفيلم ورمزها "رشوان بك" هى ذاتها "جهاز الدولة"، ذلك الجهاز الذى أفشل خطة عبدالناصر للنهوض بمصر، وإعادة توزيع الثروة، فذلك الجهاز اعتمدت عليه ثورة يوليو، وهو ذاته الجهاز الموروث من عصر الملكية والاحتلال الإنجليزى، ولم يكن الجهاز سوى الشوكة التى غرست فى ظهر ثورة يوليو لتقتلها، وهذا ما حدث مع جمال عبدالناصر.. كان يوزع الأحلام فى الصباح، ليسرقها جهاز الإدارة فى الظهيرة ويخنقها فى الليل، وهكذا عاشت مصر ثمانية عشر عاما مليئة بالأحلام والطموحات، لكن جهاز إدارة الفساد جعل المصريين يدفعون ثمن لحظة التمرد من أقواتهم ودمائهم، لأن مصر ليست دولة عادية أو هامشية فى الشرق الأوسط، بل هى دولة "محورية" ولا يصح لها أبدا أن تغرد خارج السرب أو تحقق الاستقلال السياسى والاقتصادى الذى يمكنها من النهضة والتقدم.. وعموما فقد دفع توفيق صالح ثمن إخراجه هذا الفيلم، وحاربه السينمائيون حتى هرب إلى دمشق وبغداد، ولما عاد قضى ما تبقى من عمره فى سرير المرض إلى أن مات ولم يقدم سوى سبعة أفلام!
قتل الزوج زوجته من أجل «الرأى العام» المتخلف فى قرية «إقطـاعية» التفكيــر!
قدم المخرج "كمال عطية" فى فيلمه "قتلت زوجتى" - الذى أخرجه وكتب قصة - رؤية لثقافة الريف المصرى فى أوائل القرن الماضى، وهى ثقافة إقطاعية بحكم هيمنة الإقطاعيين على الحكم فى ذلك الزمان، فالفكر الإقطاعى يختصر المرأة إلى جسد يجب أن يظل مصونا ومملوكا للعائلة التى تنتمى إليها هذه المرأة، وفى حالة رغبة المرأة فى الخروج عن السياق الاجتماعى يكون القتل هو الجزاء الذى تتلقاه لتكون عبرة لغيرها من اللاتى يرغبن فى رفض هذا الواقع الظالم، ورغم أن قصة الفيلم بها العديد من الثغرات الفنية فإن الفكرة التى قامت عليها فكرة إنسانية طيبة، استهدف كمال عطية من خلالها أن يضع عيون المجتمع الجديد - مجتمع ثورة يوليو 1952 – على الموروث الإقطاعى المدمر لكل محاولات النهوض بالبلاد.
فى الفيلم يقوم عماد حمدى ـ الموظف بالنيابة العامة - بدور المواطن الأسير للفكر الإقطاعى فيرفض عرض زوجته ـ الفنانة مديحة يسرى ـ على طبيب أمراض النساء، لأن "القيم" التى تربى عليها تحول دون قبوله فكرة عرض امرأة على طبيب رجل، ولم تكن فى زمن كتابة قصة الفيلم طبيبات متخصصات فى علاج أمراض النساء، لكن "عمر الحريرى" - الطبيب المتخصص فى علاج أمراض النساء ـ يعود من الخارج بعد أن أنهى بعثته الدراسية، ويقرر علاج "مديحة يسرى" فهى ابنة خالته وصعب على نفسه أن يراها محرومة من نعمة الإنجاب بسبب "جمود" عقل زوجها "عماد حمدى"، وبالفعل يعالجها ويحدث الحمل، لكن أهالى القرية كان لهم موقف مختلف، هاجموا "مديحة يسرى" واعتبروها زوجة خائنة لأنها أقامت علاقة مع "عمر الحريرى" ـ ابن خالتها وخطيبها السابق- ولم يكن لدى أهالى القرية علم بأن هذه العلاقة علاقة علاج أو علاقة طبيب بإحدى مريضاته، حتى زهرة العلا شقيقة مديحة يسرى فسخت الخطوبة التى جمعتها مع "عمر الحريرى" بعد أن تلقت من الأخبار والحكايات والشائعات ما يجعلها تفقد الثقة فى شقيقتها وخطيبها، ويضطر "عماد حمدى" تحت كل هذه الضغوط الاجتماعية إلى الاتفاق مع رجال عائلة زوجته على قتلها هى والطفل المولود بعد العملية الجراحية الناجحة التى أجراها الطبيب "عمر الحريرى"، وكانت السبب وراء حملة الشائعات التى تعرضت لها الزوجة، وظهر أمام مشاهدى الفيلم تمثيل كامل لجريمة قتل أقدم الزوج "عماد حمدى" على ارتكابها، لكن بمرور الأحداث المتبقية من الفيلم يثبت للمشاهدين أن عملية القتل لم تتم، وأن الزوج "عماد حمدى" أقدم على تمثيل الجريمة بالاتفاق مع زوجته "مديحة يسرى" حتى يهدأ الرأى العام فى القرية، وينتهى الفيلم بثبوت براءة الزوج من ارتكاب جريمة قتل زوجته وثبوت اتهام مجتمع القرية بأنه مجتمع ظالم وقاتل لكل معنى جميل!
توفيق صالح مخرج سينمائى ظلمه الواقع وتبرأ منه الأصدقاء ومات بالحسرة
ظلم الواقع السينمائى المصرى المخرج توفيق صالح ـ ظلم الحسن والحسين ـ رغم أنه سافر إلى فرنسا فى بعثة دراسية استغرقت من عمره ثلاث سنوات لدراسة فن السينما دراسة أكاديمية، من أجل أن يعود إلى مصر ويحقق حلمه الكبير.. حلم تقديم سينما واقعية تنحاز إلى الحق والخير والجمال وتقاوم وتفضح الفساد والجهل والقمع.. لكن الحياة الواقعية لهذا المخرج لم تمنحه ما تمناه، ولم تعطه الهيئات والشركات والجهات المسئولة عن فن السينما فى بلادنا فرصة تحقيق هذا الأمل، أمل تحويل السينما إلى أداة لتطور المجتمع. وتقول بياناته إنه من مواليد الاسكندرية عام 1927، ورحل عن الدنيا فى أغسطس 2013، وبلغت جملة الأفلام التى قدمها لجمهور السينما سبعة أفلام روائية وسبعة أفلام تسجيلية، وكان والده طبيبا يعمل فى الحجر الصحى بميناء الاسكندرية، الأمر الذى أتاح له إلحاق ولده بكلية فيكتوريا، وهى مدرسة رفيعة المستوى تخرج فيها يوسف شاهين، وعمر الشريف، والملك الحسين بن طلال ملك الأردن الراحل، وهذا المستوى الاجتماعى سمح له بالحصول على "منحة" دراسية لدراسة السينما فى باريس، وحقق نجاحا فى البعثة، وعاد ليصطدم بالواقع المرير الذى كانت عليه صناعة السينما فى مصر، وكان الصراع دائما يقع بين "توفيق صالح" وموظفى الرقابة ومنتجى الأفلام، ولما تحولت السينما المصرية إلى هيئة مملوكة للدولة وقعت صراعات عديدة بينه وبين القائمين على هذه الهيئة، وحسب ما رواه توفيق صالح لأصدقائه المقربين، فإن "صلاح أبو سيف" المخرج المعروف كان أحد الذين منعوا "توفيق صالح" من النجاح والتواجد فى مجال الإخراج السينمائى، وكان من أهم أفلامه التى حققت نجاحا واسعا خارج مصر فيلم "المخدوعون"، وهو من إنتاج هيئة السينما فى "دمشق"، وهو مأخوذ عن قصة "رجال فى الشمس" للكاتب الفلسطينى "غسان كنفانى".. ورغم كل ما عاناه توفيق صالح من التعنت والرفض فى "القاهرة" و" دمشق" فقد استطاع الإقامة فى بغداد لعدة سنوات، وهناك أخرج فيلم "الأيام الطويلة" الذى حكى قصة حياة صدام حسين رئيس العراق الأسبق، واعتبره النقاد فيلما يدعم "الديكتاتورية" ويقف ضد حرية الشعب العراقى الشقيق، ولم يتبرأ توفيق صالح من الفيلم وقال لكل من هاجموه إنه راضٍ عن إخراج الفيلم، وإنه نفذه وهو مقتنع بما فيه من أفكار، واستطاع "توفيق صالح" أن يقدم سبعة أفلام روائية هى: "يوميات نائب فى الأرياف، المتمردون، درب المهابيل، المخدوعون، الأيام الطويلة، صراع الأبطال، السيد البلطى"، وكلها أفلام تتناول الواقع الاجتماعى المصرى، بعين الفنان الوطنى المنحاز إلى "الجماهير"، وكلها لم تمر بسهولة وكلفته الآلام والأحزان والمنع من العمل رغم موهبته الكبيرة ورؤيته العميقة لحركة المجتمع والقوانين التى تتحكم فى أحلام الناس ورغباتهم ورؤاهم.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
صورة المجنون على الشاشة، صورة حية تتجاوز فكرة الوصف والنقد والتحليل إلى تقديم كائن من لحم ودم، صورة حية للجنون...
الفنان عبد العزيز مخيون الجميعي، هو من أبناء قبيلة الجميعات التي تسكن فى البحيرة ومطروح، وكانت تسكن في زمن مضى...
أحد نجوم الصف الأول، رغم أنه ليس نجم شباك، فعلى مدى تاريخه الفنى الطويل بين السينما والتليفزيون والمسرح، لم يتنازل...
رحل فى هدوء بعد تجسيد مشهد وفاته فى آخر عملين له نجح فى خلق توازن بين أعماله الفنية ومبادئه الشخصية...