ذكرت الباحثة في العلوم السياسية فاطمة أيمن صابر أنه وعلى مدار العقد الماضي، انخرطت الدولة المصرية في ورشة عمل هندسية كبرى استهدفت تثبيت أركان الدولة وتأسيس بنية تحتية صلبة قادرة على استيعاب تطلعات الجمهورية الجديدة واليوم، يأتي "منتدي مصر 2026". ليُدشن انتقالاً استراتيجياً في بوصلة التنمية؛ من التركيز على المشروعات القومية المادية، إلى الاستثمار العميق في "رأس المال البشري".
واضافت صابر في تصريحات ل "بوابة ماسبيرو" هذا التحول ليس مجرد تغيير في الأولويات الاقتصادية فقط، بل هو إدراك سياسي عميق بأن البنية التحتية. مهما بلغ تطورها تظل هياكل صماء ما لم تُدار بعقول مبتكرة ومواطن يمتلك الوعي والكفاءة. فالإنسان المصري لم يعد مجرد "متلقٍ" للخدمات التنموية، بل أصبح هو المعيار الأول لقياس كفاءة مؤسسات الدولة، وخط الدفاع الأهم لضمان استدامة الأمن القومي الشامل.
ونوهت أن التحول الاستراتيجي الذي تتبناه الدولة المصرية من التركيز على المشروعات الصلبة إلى الاستثمار المكثف في "رأس المال البشرى".هذا الاستثمار لم يعد مجرد ترف تنموي،بل ضرورة أمنية واقتصادية.تفرضها لغة الأرقام ومؤشرات النمو الديموغرافي. ف بالرغم تجاوز التعداد السكاني حاجز 106 مليون نسمة. وأدرك صناع القرار أن البنية التحتية التي أنفقت عليها تريليونات الجنيهات خلال العقد الماضي لتثبيت أركان الدولة وايضاً تحديث شبكاتها لايمكن أن تستديم أو تحقق عائدها الاستثمارى دون بناء وعي جمعي قادر على إدارتها وحمايتهاو لم يعد التحدى الراهن كامناً في قدرة الدولة على البناء المادي،بل فى قدرة المواطن على الاستيعاب والتشغيل . مما يجعل التنمية البشرية وبناء العقول حائط الصد الأول لحماية المكتسبات القومية. تتجلى هذه الرؤية بوضوح في النموذج التطبيقي الخاص بملف الأمن المائي والبيئيوفقاً للمؤشرات التنموية الرسمية،تقف مصر حالياً تحت خط المائي العالمي الشديد ،حيث تراجع نصيب الفرد إلى نحو 500 متر مكعب سنوياً. في ظل ثبات الحصة التاريخية من مياه النيل عند 55 ونصف مليار متر مكعب . لمواجهة هذا التهديد، الوجودي تحركت الدولة بآلة هندسية ضخمة وأنفقت عشرات المليارات من الجنيهات على مشروعات عملاقة. أبرزها محطة معالجة مياه مصرف "بحر البقر" التي دخلت موسوعة جينيس كالأكبر عالمياً بطاقة إنتاجية تبلغ 5 ملايين و600 الف متر مكعب يومياً.أيضا الى جانب المشروع القومي لتبطين الترع. لكن، لضمان استدامة هذه المشروعات كركيزة للأمن القومي برز التحدي البشري كعامل حسم. فمحطات المعالجة لن تحمي المياه إذا استمرت الممارسات الاستهلاكية القديمة. هنا، أصبح تحويل الفلاح نحو تقنيات الري الحديثة ضرورة ملحة. ليس فقط لترشيد الاستهلاك، بل لجدواها الاقتصادية التي أثبتت الدراسات قدرتها على رفع صافي العائد الاقتصادي الزراعي بنسبة تقارب السبعة والستين بالمائة.غير أن المراهنة على الوعي المعرفي للفلاح وحدها تظل قاصرة ما لم تتحول إلى سلوك عملي مدعوم بـ "رأس مال اجتماعي" وحزمة من السياسات التحفيزية، مثل توفير التمويل التعاوني الميسر. ففي ظل تصاعد التهديدات الجيوسياسية العابرة للحدود التي تمس الأمن المائي لضفاف النيل، يصبح تطبيق أساليب "الحوكمة الرشيقة"، والتنسيق المؤسسي، وتحصين الجبهة الداخلية اقتصادياً، هو الضامن الحقيقي لترجمة البنية التحتية إلى أمن قومي مستدام .
المحور الثاني: هندسة الفرص.. التمكين التكنولوجي كرافعة لتعظيم العائد البشريفي خضم هذا التحول الاستراتيجي، الدولة لاتقف عند حدود تشخيص التحديات ،بل تتجه نحو صياغة مقاربة شاملة لتعظيم العائد من ثروتها الديموغرافية. في مجتمع يمثل فيه الشباب دون سن الثلاثين أكثر من ستين بالمائة من نسيجه الكلي. تتطلب هذه الكتلة البشرية الحرجة سياسات استباقية تتجاوز مفهوم " التمكين الإنتاجي . وهنا،يبرز التمكين التكنولوجي وتطوير المناهج ورقمنة الخدمات كأدوات استراتيجية لدمج هذه الطاقات في شرايين الاقتصاد المعرفي الحديث. غير أن التحول الرقمي لا يؤتي ثماره تلقائياً بمجرد توفير البنية التحتية، بل يظل نجاحه مشروطاً بتجسير "الفجوة الرقمية". ورفع الكفاءة التنظيمية للمؤسسات ويتوازى هذا المسار مع حزمة من برامج الحماية الاجتماعية المتقدمة، مثل منظومة التأمين الصحي الشامل،.والتي تُعد استثماراً تنموياً واعداً، يظل أثره الفعلي مرهوناً باستدامة التمويل وتوسيع مظلة التغطية لتقليص الإنفاق من جيب المواطن، لتهيئة بيئة صحية تفرز مواطناً قادراً على المنافسة.
وتتجلى هذه الرؤية بوضوح في النموذج التطبيقي الخاص بالتحول من بناء "المدن الذكية إلى بناء العقول الذكية" حيث أن الدولة استثمرت مليارات الجنيهات في تدشين أكثر من عشرين مدينة ذكية من مدن الجيل الرابع. مجهزة بأحدث الشبكات التكنولوجية. لكن الإدارة السياسية تدرك أن هذه المدن لا تحقق قيمتها التنموية بمجرد تدشينها المعماري، بل تحتاج إلى "العقل البشري" الذي يتولى إدارتها وتشغيلها. ولتحقيق هذه المعادلة، تبنت الدولة مبادرات لتأهيل عشرات الآلاف من الشباب في مجالات الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الأخضر. ومع ذلك، تظل الاستفادة القصوى من هذا التأهيل مرتبطة عضوياً بقدرة الاقتصاد الوطني على توليد فرص عمل حقيقية؛ فمهارات الشباب على أهميتها لا تكفي وحدها لاحتواء أزمة التشغيل. ما لم يقابلها طلب حقيقي في سوق العمل، وتنسيق دقيق يضمن العدالة المكانية والاجتماعية في توزيع عوائد هذه التنمية.
المحور الثالث : حوكمة التنفيذ من لغة الأرقام إلى قياس الأثر الفعليلاقيمة لأي رؤية استراتيجية مالم تستند إلى آليات حوكمة صارمة تترجمها إلى واقع يخضع للقياس المستمر.أن التحدي الفعلي الذي يواجه مخرجات "منتدى مصر" لا يكمن في إعلان الأهداف، بل في تأسيس مؤشرات أداء رئيسية تقيس الأثر الحقيقي للسياسات العامة على حياة المواطن. من هنا، تبرز الضرورة القصوى لكسر حالة "الجزر المنعزلة" بين الوزارات المعنية بملف التنمية البشرية (كالتعليم، والصحة، والتضامن). تفادياً لتضارب الاختصاصات وإهدار الموارد. فالنجاح التنموي في الاقتصادات الحديثة لم يعد يُقاس بحجم الإنفاق الحكومي أو عدد المباني المُشيدة، بل بمدى انعكاس هذا الإنفاق على رفع إنتاجية الفرد وتحسين موقعه في مؤشرات التنمية البشرية العالمية.فالنجاح التنموي في الاقتصادات الحديثة لم يعد يُقاس الآن بحجم الإنفاق الحكومي،بل بمدى انعكاس هذا الإنفاق على رفع إنتاجية الفرد وتحسين موقعه في مؤشرات التنمية البشرية العالمية.ولعل المبادرة الرئاسية "حياة كريمة" تقدم مختبراً واقعياً لقراءة هذا التحول بوصفها أضخم مشروع لتطوير الريف يستهدف تغيير واقع نحو ستين مليون مواطن. وقد وثقت تقارير المتابعة الرسمية الصادرة عن وزارة التخطيط والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء نجاحات ملموسة للمرحلة الأولى. كان أبرزها خفض معدلات الفقر بحوالي أحد عشر بالمائة في القرى الأكثر احتياجاً. إلى جانب القفزات الواسعة في تغطية خدمات الصرف الصحي ومياه الشرب..
غير أن القراءة الاستراتيجية لنتائج المبادرة تؤكد أن قيمتها الفعلية يجب أن تتجاوز حدود المقاولات وتحديث البنية التحتية. لتصل إلى عمق الاستثمار في رأس المال البشري. وهذا المسار يفرض تحديات مؤسسية عاجلة.أولها توفير الكوادر المؤهلة لتشغيل المرافق الجديدة باستدامة، وثانيها التأكد من تحول القروض الميسرة الممنوحة لشباب الريف والمرأة إلى مشروعات إنتاجية حقيقية مدعومة بإرشاد تسويقي متكامل. هذا الدعم الفني والمؤسسي هو حائط الصد الذي يمنع ارتداد الفئات الهشة إلى دائرة التعثر المالي في ظل الضغوط التضخمية الحالية، وهو وحده ما يضمن تحول المبادرة من مجرد "شبكة إنقاذ اجتماعي" مؤقتة، إلى قاطرة حقيقية للنمو الاقتصادي المحلي.
وفي النهاية، تتجاوز أهمية منتدى مصر 2026 من كونه مجرد منصة للحوار الوطني ليمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الإدارة التنفيذية. قدرتها على تحويل التوصيات والمقترحات إلى سياسات ملزمة و إن الرؤية المستقبلية لاستدامة التنمية في مصر تفرض الانعتاق من أسر السياسات الرعوية والانتقال نحو بناء منظومة متكاملة تربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل الحقيقية على أرض الواقع وتضمن العدالة في توزيع عوائد التحول الرقمي و لن تُقاس قوة مصر الشاملة في العقد المقبل بأطوال طرقها أو مساحات مدنها الذكية فحسب، بل بقدرتها على تحصين أجيالها اقتصادياً ومعرفياً؛ فالأوطان لا تُبنى فقط بهندسة الأسمنت، بل تُستدام بهندسة العقول.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
أجرى الدكتور إسلام رجب، نائب محافظ مطروح، جولة تفقدية شملت مقر كلية التربية ومدرسة طارق بن زياد والشارع الجديد خلف...
أعلن الدكتور المهندس حسام عبد الفتاح، محافظ القليوبية، إصدار 7 شهادات للتتبع الزمني للمتغيرات المكانية من خلال مركز معلومات الشبكات...
تنفيذاً لتكليفات اللواء عماد كدواني، محافظ المنيا، شارك الدكتور محمد جبر، نائب المحافظ، في مؤتمر إعلان المشروعات الفائزة بالمبادرة الوطنية...
ذكرت الباحثة في العلوم السياسية فاطمة أيمن صابر أنه وعلى مدار العقد الماضي، انخرطت الدولة المصرية في ورشة عمل هندسية...