أكدت رانيا حمود الباحث الاقتصادي والمتخصص في السياسات الرقمية وحوكمة الذكاء الاصطناعي أن التساؤل حول كيفية تنظيم تقنية تتقدم أسرع من التشريع، دون أن نقتل الابتكار الذي نحتاجه اقتصاديا؟ هذا هو السؤال الذي تحاول عشرات الدول الإجابة عنه الآن، ومصر بينها.
وأضافت حمود في تصريحات ل "بوابة ماسبيرو" أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية، بل صار محركا أساسيا في صياغة مستقبل الاقتصاد والسياسة والحياة اليومية. وبقدر ما يفتح هذا التحول من فرص، فإنه يطرح أسئلة جدية عن حدود الاستخدام والمسؤولية القانونية وحماية الأفراد، وهي أسئلة لم تعد نظرية بل انتقلت الى ساحات المحاكم وطاولات صناع القرار.
واقتصاديا، يمثل الذكاء الاصطناعي قوة دافعة لزيادة الإنتاجية وخفض التكاليف التشغيلية، إذ تسهم أتمتة العمليات وتحليل البيانات الضخمة في فتح أسواق جديدة وتوفير فرص استثمارية واعدة. غير أن هذا التحول يفرض تحديا لا يمكن تجاهله يتمثل في تراجع وظائف تقليدية بأكملها، بما يستلزم إعادة تأهيل العمالة لمواكبة متطلبات سوق مختلف.
سياسيا، أصبحت التقنية أداة استراتيجية في موازين القوة والنفوذ بين الدول، من تطوير الأنظمة الدفاعية الى دعم اتخاذ القرار استنادا إلى التنبؤات الرقمية. وفي المقابل تتصاعد المخاوف بشأن السيادة الرقمية والأمن السيبراني، وخطر توظيف التقنية في توجيه الرأي العام ونشر الشائعات.
اجتماعيا، يغير الذكاء الاصطناعي نمط الحياة اليومية عبر تحسين الرعاية الصحية وتخصيص التعليم، لكنه يثير في الوقت نفسه قضايا أخلاقية معقدة أبرزها تراجع الخصوصية وتحيز الخوارزميات واتساع الفجوة الرقمية بين المجتمعات.
وحول المحتوى المزيف والابتزاز الإلكتروني تستخدم تطبيقات التزييف العميق في فبركة الصور ومقاطع الفيديو، فتتحول الى وسيلة ضغط وابتزاز.
وأضافت حمود أن التحيز وتهميش الكفاءات من خلال الخوارزميات المستخدمة في التوظيف قد تستبعد فئات كاملة استنادا إلى بيانات تاريخية منحازة، فتتحول من أداة لاختيار الأفضل الى آلية لإعادة إنتاج التمييز.
وبينت أن انتهاك الخصوصية وجمع البيانات الشخصية وتحليل السلوك اليومي عبر تطبيقات يستخدمها الملايين دون رقابة واضحة أو موافقة مستنيرة.
وخلال العامين الماضيين تحولت حوكمة الذكاء الاصطناعي من بيانات نوايا الى أطر ملزمة ومسارات تفاوض دولية.
وعلى سبيل المثال في أوروبا، دخل قانون الذكاء الاصطناعي حيز النفاذ في أغسطس 2024، وبدأ مكتب الذكاء الاصطناعي الأوروبي والسلطات الوطنية إنفاذه فعليا في الثاني من أغسطس 2026، مع صلاحيات تشمل طلب الوثائق التقنية وتقييم النماذج وفرض غرامات على المخالفين. وقد رافقت ذلك تعديلات تبسيطية عرفت باسم حزمة الأومنيبوس دخلت حيز النفاذ في يوليو 2026 بهدف جعل التطبيق أوضح وأكثر ملاءمة للابتكار، مع جدول زمني محدد لقواعد الأنظمة عالية الخطورة في مجالات مثل القياسات الحيوية والبنية التحتية الحرجة والتعليم والتوظيف.
أما على المستوى الأممي، فقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في مارس 2024 أول قرار عالمي بشأن ذكاء اصطناعي آمن وجدير بالثقة بموافقة الدول الأعضاء كافة، ثم جاء الميثاق الرقمي العالمي في سبتمبر 2024 ليضع أسسا مشتركة للحوكمة. وفي يوليو 2026 استضافت جنيف الحوار العالمي بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي، وهو أول اجتماع مخصص يجمع جميع أعضاء الأمم المتحدة حول هذا الملف، مسنودا بالتقرير الأول للفريق العلمي الدولي المستقل المكون من أربعين خبيرا من مختلف مناطق العالم.
وتتوازى هذه المسارات مع اتفاقية مجلس أوروبا الإطارية بشأن الذكاء الاصطناعي التي فتحت للتوقيع في سبتمبر 2024، ومع مبادرات غير ملزمة لكنها مؤثرة مثل مبادئ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومدونة سلوك مجموعة السبع. الرسالة المشتركة بين هذه المسارات واحدة، وهي أن التقنية لا تعترف بالحدود، وأن التنظيم الوطني وحده لا يكفي ما دام بإمكان النشاط أن ينتقل الى البيئات الأقل التزاما.
وعلى صعيد متصل ذكرت رانيا حمود الباحث الاقتصادي والمتخصص في السياسات الرقمية وحوكمة الذكاء الاصطناعي أن الخطر يكمن في التغيير البطيء الذي لا يلحظه أحد من خلال أنظمة التوصية التي تختار لنا ما نقرأ ونشاهد ونشتري تعيد ترتيب اهتماماتنا تدريجيا، وتضيق دائرة ما نتعرض له من آراء، فتبدو القناعة المكتسبة وكأنها اختيار حر بينما هي في جانب منها نتيجة ترتيب خوارزمي.
ويظهر البعد الأعمق في مثال بسيط. مراهق يستيقظ في منتصف الليل ويسأل مساعدا آليا عن الله وعن معنى وجوده، فيتلقى إجابة مصقولة وسريعة وبلا وجه إنساني أمامه. الإشكال ليس في السؤال، فالسؤال مشروع وصحي، وليس بالضرورة في الإجابة ذاتها، بل في أن أهم مراحل تكوين الوعي صارت تجري في حوار خاص مع نظام صمم ليجيب في كل موضوع بالثقة نفسها، وهو ينتج كلامه من أنماط إحصائية لا من علم راسخ أو خبرة معاشة، ولا يعرف سياق الفتى ولا أسرته ولا مجتمعه وحين يحل هذا الحوار محل الأسرة والمعلم والمرجعية العلمية بدل أن يكون مدخلا إليها، ينتقل تشكيل القناعات من فضاء اجتماعي مفتوح الى فضاء مغلق لا يطلع عليه أحد ولا يصححه أحد.
ويضاف إلى ذلك أثر الاعتماد المتزايد على الأدوات التوليدية في الكتابة والبحث وحل المشكلات، وهو اعتماد مفيد في توفير الوقت، لكنه قد يقلص مساحة التفكير النقدي والتحقق المستقل إذا تحول من مساعدة الى استبدال.
وحين يصبح التمييز بين المحتوى الحقيقي والمصنع أمرا عسيرا، تتآكل الثقة العامة في الصورة والصوت والخبر، وهي ثقة يصعب استعادتها بعد فقدانها.
وتعد معالجة هذا البعد لا تتم بالقوانين وحدها. فهي تحتاج الى تعليم إعلامي ورقمي في المدارس والجامعات، والى شفافية في الإفصاح عن المحتوى المولد آليا، والى إعلام مهني قادر على التحقق، وهذه أدوات وقائية أكثر منها عقابية.
ويعد التخوف المشروع من التنظيم أن يتحول الى عبء يبطئ الشركات الناشئة ويهاجر بالكفاءات ويحرم الاقتصاد من مكاسب الإنتاجية. والتخوف المقابل أن يترك السوق بلا ضوابط حتى تقع الأضرار ثم يجري البحث عن علاج متأخر. والموازنة بين الأمرين ممكنة عبر مبادئ عملية نذكر منها
التنظيم بحسب درجة الخطورة: تشديد الالتزامات على التطبيقات التي تمس الحقوق والسلامة مثل الصحة والتوظيف والقضاء والأمن، وتخفيفها على التطبيقات منخفضة الأثر حتى لا تعاقب الابتكار في مهده.
البيئات التجريبية الرقابية: السماح للشركات باختبار حلولها تحت إشراف الجهة المنظمة ولفترة محددة، بما يتيح تعلم المنظم والمبتكر معا قبل التعميم.
وضوح المسؤولية: تحديد من يتحمل التبعات عند الخطأ بين المطور والمشغل والمستخدم، لأن غموض المسؤولية يعطل الاستثمار كما يعطل التقاضي.
قابلية التشغيل البيني للقواعد: مواءمة المعايير المحلية مع الأطر الدولية لتسهيل تصدير الخدمات الرقمية بدل حبسها في السوق المحلي.
الاستثمار في المقابل التنموي: ربط جهود التنظيم ببرامج للبنية التحتية الرقمية وإعادة تأهيل العمالة وتوطين المهارات، حتى تكون الحوكمة رافعة للتنمية لا سقف لها.
بهذا المعنى، الحوكمة الجيدة ليست ضد الابتكار، بل شرط لاستدامته.
فالثقة هي الأساس الذي يعول عليه المستهلك لتبني تطبيقات ما، أما المؤسسات التي تنشأ وتطبق تقنية على نطاق واسع تحتاج الى الابتكار والشفافية معا وفي الجانب الآخر المستثمر الذي يريد تعظيم القيمة السوقية لشركاته .
فالثقة هي الخيط الرفيع الذي يربط الجميع وغيابها يكلف السوق أكثر مما تكلفه القاعدة التنظيمية.
الموقع المصري من الخريطة
نحن والكثير من دول العالم نواجه صعوبة في توصيف الجرائم المرتبطة بالخوارزميات لغياب نصوص صريحة تعالجها، أو غياب فهم تقني وهو ما يجعل بناء إطار تنظيمي أولوية عملية لا ترفا فكريا.
وقد تحركت الدولة في هذا الاتجاه عبر صياغة دليل إطار الحوكمة الوطني للذكاء الاصطناعي بواسطة المركز المصري للذكاء الاصطناعي المسؤول.
ووفقا لما أعلن، قفزت مصر خمسة عشر مركزا لتسجل المرتبة 48 عالميا في مؤشر حوكمة الذكاء الاصطناعي المسؤول لعام 2026.
والتحدي القادم أن ينتقل هذا الجهد من مرحلة الأدلة الاسترشادية الى نصوص تشريعية قابلة للتطبيق، مع بناء قدرات فنية داخل الجهات الرقابية والقضائية تمكنها من فهم النظم الخوارزمية وتقييمها.
وفي الختام ذكرت حمود يبقى الذكاء الاصطناعي تقنية مزدوجة الأثر، ويتوقف ناتجها النهائي على جودة القواعد التي تحكمها والمطلوب ليس الاختيار بين الحماية والتقدم، بل تصميم إطار يجعل الحماية شرطا للتقدم و تنظيم متدرج يحمي الأفراد، واستثمار يوسع الفرص، وتعليم يحصن الوعي من اعادة التشكيل الصامت وعندها تتحول الحوكمة من قيد على التكنولوجيا إلى ضمانا لبقائها في خدمة المجتمع.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
أكدت رانيا حمود الباحث الاقتصادي والمتخصص في السياسات الرقمية وحوكمة الذكاء الاصطناعي أن التساؤل حول كيفية تنظيم تقنية تتقدم أسرع...
في إطار حرصه على تعزيز التواصل المباشر والفعال مع جموع المواطنين للاستماع إلى مطالبهم والعمل على حلها لتقديم أفضل الخدمات...
تفقد اليوم اللواء عمرو الغريب محافظ المنوفية، التجهيزات النهائية لتشغيل موقف قويسنا النموذجي الجديد المقام على مساحة 2 فدان بطاقة...
شاركت جامعة بنها، برعاية الدكتور ناصر الجيزاوي، رئيس الجامعة، في فعاليات الملتقى القمي الرابع للطلاب ذوي الإعاقة بالجامعات والمعاهد المصرية...