"التربية المتحفية".. هل أصبحت ضرورة لحماية التراث الأثري؟

التوعية والتربية المتحفية .. ثقافة مطلوبة في بلدنا التي تزخر بمتاحف عديدة تضم أثارا قيمة تعكس حضارة عظيمة تمتد 7 آلاف سنة .

ولعل احتفالية الحب والفخر التي صاحبت افتتاح المتحف المصري الكبير مؤخرا أبرزت احتياجنا إلى نشر الوعي الأثري وتدريس التربية المتحفية في المناهج المدرسية والجامعية خاصة بعدما كشف الإقبال الجماهيري الهائل على زيارة هذا الصرح الثقافي والحضاري عن سلوكيات فردية غيرلائقة في التعامل مع الآثار .

ومن هذه المخالفات التي تم رصدها عبر مواقع السوشيال ميديا واستنكرها المصريون والمؤثرون المولعون بالحضارة المصرية وانتقدها رئيس مجلس الوزراء موجها بنشر الوعي : رفع الصوت، مخالفة مسارات السير، استخدام معدات تصوير تعيق الحركة، محاولات لمس القطع الأثرية أو الجلوس عليها أو تلاوة أحد الأشخاص القرآن بصوت عالي، مما دفع إدارة المتحف لتقنين التعامل واتخاذ إجراءات رادعة لضمان احترام هيبة المكان وحماية الآثار من خلال إصدار "مدونة سلوك" .

ممنوع اللمس والازعاج

وحول مدونة السلوك ، أوضح الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، أن المدونة تتضمن عدة ضوابط أساسية، أبرزها: عدم لمس الأثر أو الجلوس عليه، عدم رفع الصوت أو تسجيل مقاطع مزعجة، ومنع تناول الطعام والشراب داخل قاعات العرض الأثري لوجود مطاعم وكافيتريات ، والامتناع عن التقاط صور أو فيديوهات تقتحم خصوصية الزوار الآخرين.

رسالة وعي ومسؤولية

عبد الرحيم ريحان

وشدد على أن مدونة السلوك ليست قوانين قسرية بل رسالة وعي ومسئولية تجاه التراث مؤكدا أن المخالفة المتكررة للمدونة تستوجب الخروج الفوري من المتحف، لأن لمس الأثر يقلل من عمره الافتراضي ويؤدي إلى تلفه بمرور الوقت، ويهدر مجهودا ضخما في عمليات الترميم التي سبقت افتتاح المتحف لضمان الحفاظ على التراث المصري في أبهى صوره أمام العالم.

وحث على غرس قيم الانتماء وحب الأثار منذ الصغر عبر الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام، لأن زيارة المتحف ليست نزهة بل رحلة تثقيفية في قلب الماضي للتعلم والتواصل مع حضارة وهوية الوطن.

وأضاف أن هذه الإجراءات تهدف إلى الحفاظ على الانضباط واحترام قدسية المكان.

وأشار إلى أن المتحف المصري الكبير من أكثر المتاحف تفاعلًا في العالم، حيث تتيح تقنيات الـQR Code التعرف على كل قطعة أثرية ناطقة تشرح تاريخها بطريقة مبتكرة، وويمكن للزائر استخدام تقنيات الواقع الافتراضي (VR) لمشاهدة الآثار المصرية في تجربة غامرة تحاكي الماضي.

وأضاف أن هناك أجنحة خاصة للأطفال من سن 6 إلى 12 عاما للتفاعل مع مستنسخات أثرية وليست آثارا حقيقية، بهدف تنمية وعيهم وتعريفهم بالحضارة المصرية من خلال اللمس والتجربة المباشرة.


ندوات وورش عمل بالمدارس

د. نفررتيتي احمد

وعن فن حماية الآثار وتحويل المدونة إلى ثقافة وإسلوب حياة ، قالت الدكتورة نفرتيتي أحمد خبيرة التنمية البشرية ورئيس مجلس آباء وأمناء مدرسة السعيدية الثانوية لموقع أخبار مصر إن هناك مدارس تنظم بالفعل ندوات ومجموعات وورش عمل لنشر الوعي المتحفي وتعليم النشء وتدريبهم على فن التعامل مع الاثار ومنحهم القدوة خلال الزيارات والرحلات المدرسية .

واستنكرت ما حدث من سلوكيات مسيئة بالمتحف الكبير امام السياح الاجانب مما ينم عن غياب التربية المتحفية وعدم احترام التراث والاثار من مجموعة وصفتهم بالمخربين .

وأشادت بقرار مدونة السلوك وتنظيم حجز تذاكر زيارة المتحف في ضوء الإقبال القياسي للزائرين والذي يتخطى الطاقة الاستيعابية القصوى للمتحف، وذلك من خلال قصر حجز وشراء تذاكر الزيارة يومي الجمعة والسبت، وأيام العطلات الرسمية، على الموقع الإلكتروني الرسمي للمتحف فقط (www.gem.eg). ضمن خطة تنظيم عملية الدخول وضمان تجربة زيارة متميزة وآمنة للزائرين، بما يسهم في رفع كفاءة الخدمات المقدمة وتحسين تجربة الزائرين.

وقد أعلن الموقع الرسمي الخاص بحجز تذاكر زيارة المتحف المصري الكبير، عن نفاد تذاكر زيارة المتحف الخاصة بالمصريين عبر الموقع، وذلك لجميع فئاتها «البالغين – الأطفال – الطلاب – كبار السن»، يومي الجمعة والسبت القادمين 14 و15 نوفمبر 2025، وأن النسبة الأكبر من الزائريين من المصريين ولذا تم تحديد نسبة معينة من تذاكر الدخول للمصريين، وأخرى للسائحين الأجانب والعرب خلال أيام العطلات ونهايات الأسبوع (الجمعة والسبت) مع اختلاف النسبة حسب الطلب وحجم الإقبال .

ودعت خبيرة التنمية البشرية الإعلاميين والمدرسين وكل المصريين إلى احترام الآثار والتراث ورفض التصرفات المسيئة والتوعية والإبلاغ عن أي تجاوز وتنظيم حملات توعية بالاعلام و"السوشيال ميديا" .

فن التعامل مع التحف القيمة

المتحف الكبير

وقال الخبير السياحي عاطف أبو الدهب للموقع إن المشكلة الأساسية تكمن في نقص الوعي بكيفية التعامل مع التحف ذات القيمة التاريخية والفنية، لافتا الى أن زيارة المتاحف والتفاعل مع الحدث بفخر لايبرر التصرفات السلبية الفردية ومن ثم يجب التصدي لها بردع حتى لاتعطي انطباعا غيرلائق أمام السائحين الأجانب الذين يحترمون رموز الحضارة أو تتسبب في إتلاف الأثر .

وشدد على توفير لافتات توجيه وارشادات وتعليمات تكتب على التذكرة وداخل الأجنحة وصالات العرض، وقد نحتاج إلى فيلم توعوي أو تعيين عدد كبير من المشرفين للمتحف للسيطرة على الأعداد الكبيرة من الزوار.

ودعا الخبير السياحي الى تدريس التربية المتحفية وتذوق الجمال في المناهج المدرسية، مع نشر حملات للتوعية عبر وسائل الإعلام ويرى أنه مع الاستمرارية، سيتم تغيير سلوكيات الجمهور بشكل غير مباشر، عبر تعليمهم كيفية الزيارة واحترام المكان وحماية الآثار .

ويشار هنا إلى أن مصر شاركت في إعداد الاتفاقية الدولية لحماية التراث غير المادي، ويعد متحف النوبة في أسوان. الذي ترجع فكرة إنشائه إلى عام 1982 عندما تبنت اليونسكو إنشاء متحف الحضارة، من أوائل المتاحف التي أنشات قسما للتربية المتحفية .

إجراءات وتعليمات دولية

وذكر الدكتور حسن معوض، عضو المجلس الدولي للمتاحف، أن الإقبال الكبير من الزوار المصريين والعرب والأجانب دفع إدارة المتحف إلى تشديد إجراءات الحجز المسبق خاصة في عطلات نهاية الأسبوع والعطلات الرسمية، إلى جانب التأكيد على رفض بعض التصرفات غير المنضبطة داخل القاعات.

المتحف الكبير

وأوضح عضو المجلس الدولي للمتاحف أن الإدارة أصرت على فرض تعليمات واضحة معمول بها في متاحف العالم ويجب على كل زائر احترامها،  من بينها:الحفاظ على الهدوء داخل القاعات ،عدم لمس القطع الأثرية ، حظر إدخال الأطعمة والمشروبات من الخارج التصوير الشخصي ومنع عصا السيلفي والمعدات الكبيرة داخل صالات العرض.

وأضاف أن أي سلوك غير منضبط يخضع لإجراءات قد تصل إلى منع دخول الزائر في نفس اليوم أو اتخاذ خطوات أخرى وفق حجم ونوع المخالفة، مؤكداً أن الهدف ليس العقاب، بل الحفاظ على صورة حضارية تليق بصرح عالمي يمثل تاريخ مصر أمام الزائرين من مختلف دول العالم.

 

Katen Doe

د.هند بدارى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المتحف الكبير
المتحف المصري الكبير

المزيد من تحقيقات وحوارات

"أخبار مصر" يحاور لاعبة تايكوندو تتألق ببطولة الجمهورية للمدارس

براعم رياضية واعدة في رعاية الجامعات.. تحرز بطولات محلية وتنطلق للمسابقات الدولية .. فبعد منافسات قوية ومشاركة واسعة من مختلف...

بعد العاصفة الترابية والصقيع .. هل شتاء هذا العام الأطول والأكثر برودة ؟

بعد موجة الصقيع و العاصفة الترابية التي شهدتها بعض المحافظات مؤخرا (يومي الاثنين والثلاثاء 12و13يناير 2026)..ما أدى لإعاقة الرؤية على...

بعد اعتقال رئيسها.. مصير فنزويلا إلى أين؟

اعتقال الولايات المتحدة رئيس فنزويلا وزوجته بالقوة وتقديمه للمحاكمة.. أثار دهشة وانتقادات العالم وطرح كثيرا من التساؤلات عن تداعيات هذه...

امتحانات نصف العام وسط أجواء الأعياد .. معادلة صعبة

وسط أجواء الاحتفال برأس السنة وأعياد الكريسماس .. تسود كثير من البيوت حالة من التوتر والقلق بسبب اختبارات "الميدتيرم' ببعض...


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص