من طهران إلى القاهرة.. الأيام الأخيرة في حياة شاه إيران

بقلم الدكتور/ محمد عمر سيف الدين – كاتب وباحث في الشؤون الإيرانية

تُمثل حقبة السبعينيات "العصر الذهبي" في تاريخ العلاقات المصرية الإيرانية، حيث توطدت الصلات بين القاهرة وطهران في المجالات كافة؛ السياسية، والعسكرية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية. يرجع هذا الأمر إلى تقارب الرؤى بين زعيميّ الدولتين آنذاك الرئيس المصري "محمد أنور السادات"، وشاه إيران "محمد رضا بهلوي" تجاه التحولات الإقليمية والدولية، ونهج التعامل مع الغرب خاصة الولايات المتحدة باعتبارها قوةً تُحرِّك الأحداث من وراء الكواليس بعد العدوان الثلاثي عام 1956 ونكسة عام 1967.

ايران ومصر

والحقيقة يتملكني يقينٌ لا يخالجه شكٌ بأن الله عز وجل لو كان مَدَّ في عُمر السادات، ولم تقم الثورة الإيرانية، وظلت الأسرة البهلوية متربعة على عرش الطاووس، لكانت مصر وإيران الآن لاعبين رئيسين فيما تمر به منطقة الشرق الأوسط من تحدياتٍ وأزماتٍ وحروبٍ، وواضعي نقطة النهاية في هذه اللعبة الخبيثة المتحكم بقواعدها وبدايات جولاتها ونهاياتها الدول الغربية.

أُعوِّلُ وجهة نظري تلك على ما ذكره السادات نفسه عقب حرب أكتوبر 1973، حيث قال في حديثه مع المجلة الفرنسية الشهرية L'Expansion الصادرة في 6 يونيو عام 1976: "إنني سعيدٌ بالإنجازات التي تحققت من توطيد العلاقات المصرية والإيرانية، وراضٌ عنها، وأفتخرُ بالأجواء التي تسود هذه العلاقات الثنائية. لقد حان الوقت لنجتمع ونقول للقوى العظمى نحن متواجدون كي نحدد مصير القضايا المتعلقة بالمنطقة".

هذا الحديث أدلى به السادات قبل سفره إلى إيران في 16 من يونيو من العام نفسه وتوقيعه حزمة من الاتفاقيات الثنائية مع محمد رضا بهلوي في المجالات العسكرية والاقتصادية والثقافية والتعليمية والسياحية، كما صرح خلال مؤتمر صحفي عُقد بينه وبين الشاه في 19 من يونيو بالعاصمة طهران: "لقد قررنا (أنا والشاه) تشكيل لجنة مشتركة لتطوير سُبل التعاون العسكري بين البلدين، ونحن نبغي من هذا الأمر ألا تقع أية حربٌ في منطقة الخليج ثانيةً، كما أننا على يقينٍ تامٍ بأن الأزمة الإسرائيلية ستنتهي، لذا سنبذُل قصارى جهدنا في هذا الصدد".

تلك كانت رؤية السادات وبهلوي المشتركة تجاه أنفسهما وبلادهما ومعضلات منطقة الشرق الأوسط، وفي صدارتها "القضية الفلسطينية"؛ وهي رؤية تخشى العديد من دول المنطقة والعالم تحقيقها سواء كانت إيران متوجة بالتاج أو مُعَمَّمة بالعِمَّامة. لعل محاولة الغرب إفشال اتفاق استئناف التعاون بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية المبرم في القاهرة بوساطة مصرية، بعد تصويت مجلس الأمن على عودة العقوبات الأممية على طهران، هي أكبر دليل على هذا الأمر.

ايران ومصر

الثورة الإسلامية: إيران تخلع التاج وترتدي العِمَّامة

مع حلول عام 1977 كانت إيران كلها تموج بالثورة، وقد ظهرت مقدماتها بوضوح في تنامي مشاعر الرفض الشعبي تجاه سياسات الشاه محمد رضا بهلوي، وتدني مستويات المعيشة لأغلب الإيرانيين، واحتكار نظام الشاه للحياة السياسية في البلاد من خلال حزبه الأوحد " حزب رَستاخيز ملت ايران: حزب نهضة الأمة الإيرانية"، والمعروف اختصارًا باسم "حزب النهضة"، وفشل المشروعات التنموية والاقتصادية المقترنة بفساد الطبقة الملكية.

على الرغم من نفيه خارج إيران في بلدية "نوفل لو شاتو" Neauphle-le-Château الواقعة بمقاطعة "إيفلين" Yvelines قرب العاصمة الفرنسية باريس، كان صوت "الخُميني" آنذاك هو الصوت الأعلى في انتقاد سياسات الشاه وعلاقته الوثيقة بأمريكا وإسرائيل مبعث استنكار الشعب الإيراني واستفزاز مشاعره، وكان حضور التيار الديني الطاغي على الثورة الإيرانية مرتكزًا على كاريزما الخُميني المنحدر من نسل الإمام السابع لدى الشيعة الاثني عشرية "موسى الكاظم"، واستخدام مفردات مذهبية تحفز الوجدان الشعبي لدى الشيعة مثل "المستضعفين، والمستكبرين، والطاغوت، والشهادة، وعاشوراء، وكربلاء"، بالإضافة إلى تشعب رجال المؤسسة الدينية في طول البلاد وعرضها. كل هذا أسفر عن ذوبان جميع التيارات السياسية تحت عباءة الخُميني.

اندلعت أول المظاهرات في 7 يناير 1978 بمدينة "قُمّ" المقدسة، حيث اتخذ طلاب الحوزات العلمية "مدارس علوم الدينية" من مقالٍ نشرته الصحيفة اليومية "اِطلاعات" يسب الخُميني، ذريعةً للنزول إلى الشارع، وكانت قُمَ هي المدينة التي قام الخُميني بالتدريس فيها عام 1963. خرجت الاحتجاجات عن نطاق السيطرة في 9 يناير، وهاجم المتظاهرون عددًا من المباني الحكومية، وكل ما اعتبروه رمزًا من رموز الحداثة كدور السينما والمطاعم والملاهي ومدارس البنات، واضطرت الشرطة للتدخل، وأُعيد الهدوء إلى الشارع مرة أخرى، لكن بعد مصرع 6 أشخاص من المتظاهرين ورجلين من قوات الشرطة.

بعد هذه المظاهرة اجتاحت إيران مظاهرات أخرى في كل من العاصمة طهران، وتبريز، وشيراز، ومشهد، وإصفهان بمشاركة الطلاب والليبراليين واليساريين وتُجَّار البازار (السوق) ورجال الدين، مما أسفر عن إعلان الشاه للأحكام العرفية. في 9 و10 من ديسمبر 1978ميلاديًا الموافق 9 و10 من المحرم 1399هجريًا، طلب الخُميني من منفاه خروج مظاهرات حاشدة في جميع أنحاء البلاد لإحياء ذكرى استشهاد الإمام "الحسين". لما كانت الأحكام العرفية مطبقة، حبذ الجنرال "غُلام عليّ أوڤيسي"، حاكم طهران العسكري، منع المتظاهرين من النزول إلى الشوارع والاصطدام المباشر معهم، لكن الشاه رفض ذلك الاقتراح حقنًا للدماء، وسحب الجيش دباباته من وسط طهران، واحتفظ بتواجد سري قرب المباني الحكومية لتأمينها وحمايتها.

على هذا النحو احتل المتظاهرون المدينة، وظلوا لمدة يومين يهتفون بسقوط الملكية وإقامة "الجمهورية الإسلامية". مع بلوغ المظاهرات هذا الحد وخروجها عن نطاق السيطرة، حثت بعض الشخصيات السياسية المهمة في إيران، كالسفير الأمريكي "ويليام سوليفان" William H. Sullivan، والسفير البريطاني "أنتوني بارسونز" Anthony Parsons في طهران، ورئيس الوزراء الإيراني آنذاك "شابور بَختيار"، الشاه على مغادرة البلاد لتهدئة الرأي العام وامتصاص غضبه.

ايران ومصر

الأيام الأخيرة في حياة الشاه محمد رضا بهلوي

كانت العلاقة بين الرئيس المصري محمد أنور السادات وشاه إيران محمد رضا بهلوي خلال فترة السبعينيات قوية، وجمعت بينهما صداقة حميمة، وكان الشاه على اتصال دائم بالسادات، ويتبادل معه الآراء حول قضايا المنطقة محل الاهتمام المشترك، خاصة بعد إبرام اتفاقيات "كامب ديفيد" بين مصر وإسرائيل عام 1978، وعادةً ما يدعوه "أخي الحبيب". خلال اللقاءات الرسمية التي جمعت السادات وبهلوي، تعرفت زوجتا الزعيمين السيدة "جيهان السادات" والشهبانو "فرح ديبا" على بعضهما، وصارتا صديقتين مقربتين. وكانت فرح ديبا على تواصل دائم بجيهان السادات خلال خريف عام 1978م، ومع تفاقم الأوضاع في إيران، دعت جيهان السادات فرح ديبا والشاه كي يقدما مصر بعد موافقة السادات على استضافتهما بالطبع.

هبطت طائرة الشاه والشهبانو في أسوان يوم 16 يناير 1979، وحرص السادات على إقامة مراسم رسمية لاستقبال الشاه وحفل عشاء على شرفه، حيث كان محمد رضا بهلوي حتى تلك اللحظة حاكم إيران الفعلي. نزل الشاه وحرمه بفندق "أوبروي" Oberoi المشيد على جزيرة "إلفنتين" Elephantine بوسط النيل. لم تمض فترة طويلة من الوقت حتى علم الشاه أن حاشيته ورجالاته في إيران قد تخلوا عنه، ولم يعد هناك مجالٌ لفعل أي شيء. بعد مرور 6 أيام تلقى الشاه دعوة من ملك المغرب "الحسن الثاني" للذهاب إلى مراكش، ومع ذلك جدد السادات دعوته إلى الشاه كي يبقى بمصر، مؤكدًا له أن القاهرة أقرب إلى طهران من أجل تنظيم مقاومة كان الشاه يَعُدُّ لها، لكن الشاه لم يشأ أن يثقل كاهل السادات، وقرر الرحيل.

الشاه والشاهبانو في اياران

الشاه يتوجه إلى المغرب

توالت الأخبار المفجعة على الشاه محمد رضا بهلوي تباعًا أثناء إقامته في مراكش. ففي 1 فبراير قدم الخُميني طهران وسط ترحيبٍ حارٍ من ملايين الشعب الإيراني بعد 14 عامًا أمضاها في منفاه خارج البلاد. وفى 7 من فبراير خرجت مظاهرات مليونية تؤيد إنهاء الحكم الملكي وإقامة الجمهورية الإسلامية، ولاذ الجنود الإيرانيين بالفرار. وفى 11 فبراير اقتحم الثوار الثكنات العسكرية، واستولوا على الأسلحة، واُغتيل الفريق "عبد العليّ بَدرئي"، قائد القوات البرية والحرس الملكي، ونائبه اللواء "محمد أمين بيجلاري" في مقر عملهما بسبب رفضهما تحييد الجيش، وفر رئيس الوزراء "شابور بختيار" إلى فرنسا، وبثت إذاعة طهران الوطنية نبأ "انتصار الثورة وانهيار معقل الديكتاتورية".

في اليوم التالي انتشرت أنباء عن مذابح الضباط في ميادين إيران وشوارعها، وكذلك عن أوامر إعدام جماعية أصدرها الثوار المتعصبون. أدرك الشاه محمد رضا بهلوي في تلك اللحظة أن فصلًا جديدًا قد شرع في حياته، ولم يعد هناك أي أمل في العودة إلى إيران. كان الكونت "ألكسندر دي مارينش" Alexandre de Marenches مدير جهاز الاستخبارات الفرنسية –المسمى وقتها "مصلحة التوثيق الخارجي ومكافحة التجسس" وحاليًا "المديرية العامة للأمن الخارجي"– قد التقى شاه إيران في مراكش، وأبلغه بأن الخُميني قد أمر تابعيه المتعصبين باختطاف أفراد من العائلة الملكية المغربية كرهائن، ومبادلتهم بالشاه وأسرته، فاضطر محمد رضا بهلوي إلى الرحيل من المغرب مع أن الملك الحسن الثاني رفض ووضعه طائرته الخاصة تحت تصرف الشاه.

ايران ومصر

بُلدان العالم ترفض استضافة الشاه والمكسيك تقبل

خلال تلك الفترة، رفضت أغلب عواصم العالم استضافة الشاه محمد رضا بهلوي وأسرته خشيةً من الإضرار بمصالحها مع النظام الجديد في إيران، وفي مقدمتهم واشنطن، ولندن، وباريس. بعد اتصالات مكثفة مع السلطات في جزر البهاما التي باتت عضوة في الكومنولث عقب الاستقلال عن بريطانيا عام 1973، توجه الشاه إلى هناك، حيث اِستأجر فيلا، ومكث بها شهرين وعشرة أيام، ثم أخبرته الحكومة البريطانية عبر سفيرها السابق في طهران "دنيس رايت" Dennis Wright ‏أنها لا ترغب في وجوده على أراضيها.

تذكر الشهبانو "فرح ديبا" في مذكراتها أن السلطات في جزر البهاما بعد الامتناع عن تجديد أوراق إقامتهم، راحت السفارات الأجنبية ترفض استضافة الشاه الواحدة تلو الأخرى، وحده السادات فحسب مَن جدد دعوته إلى الشاه كي يقدم مصر، لكن الشاه كان يرى أن السادات وقع لتوه "اتفاقيات كامب ديفيد" و"معاهدة السلام مع إسرائيل"، مما أثار مشاعر الغضب ضده وأحدث قلقلة واسعة على الصعيدين الشعبي والسياسي في الشارعين المصري والعربي، فلم يقبل الدعوة. في نهاية الأمر عرضت المكسيك استضافة الشاه بطلب من وزير الخارجية الأمريكي السابق "هنري كيسنجر" Henry Kissinger، وكان الشاه قد التقى ذات مرة الرئيس المكسيكي "خوسيه لوبيز بورتيو" José López Portillo أثناء توليه وزارة المالية، وأبدى إعجابه به.

ايران ومصر

الشاه يتوجه إلى أمريكا مع تفاقم حالته الصحية

كان الشاه محمد رضا بهلوي خلال تلك الفترة يعاني من تضخم في الطحال بسبب إصابته بسرطان الغُدد اللمفاوية، مما تطلب استئصاله، ونظرًا لحالته الصحية الحرجة، طلب من الولايات المتحدة السماح له بالعلاج لديها، فوافق الرئيس الأمريكي آنذاك "جيمي كارتر" James Carter، غير أنه كان قلقًا من وقوع أي مكروه للسفارة الأمريكية في طهران بسبب ذلك.

دخل الشاه إلى الولايات المتحدة في 19 أكتوبر 1979، وأجرى عملية استئصال المرارة في 24 من أكتوبر بمركز "مركز ميموريال سلون كيترينج لعلاج السرطان" بنيويورك، لكن كان من الضروري استئصال الطحال. بعد مرور أسبوعين على إجراء العملية، وقع ما كان يخشاه كارتر، ففي 4 نوفمبر، داهم الطلاب الإسلاميون والشيوعيون السفارة الأمريكية في طهران، وتحفظوا على الدبلوماسيين المتواجدين بها كرهائن، وكان عددهم 52 أمريكيًا، في مقابل تسليم الشاه وأسرته. أعلن كارتر حينها أن الحكومة الإيرانية مسؤولة عن احتجاز هؤلاء الرهائن وسلامتهم، وأن الشاه يستطيع الرحيل من الولايات المتحدة ريثما تسمح صحته بذلك. خلال تلك الفترة جدد السادات دعوته لاستضافة الشاه مرة ثالثة.

مع نهاية شهر نوفمبر رأى الأطباء أن الشاه يستطيع مغادرة المستشفى، وفي 30 نوفمبر تلقى الشاه مفاجأة غير متوقعة؛ وهي رفض المكسيك منحه حق اللجوء السياسي. حينئذ بحث البيت الأبيض السُبل الممكنة لاستضافة الشاه وزوجته، حيث تقرر إرسالهما إلى قاعدة "لاكلاند الجوية" في مدينة "سان أنطونيو" بولاية تكساس، فنزلا بمبنى العلاج النفسي بالمستشفى العسكري فيما يشبه "الإقامة الجبرية". لم تسمح صحة الشاه بالبقاء في تكساس، كما كان البيت الأبيض يرغب في رحيله بسبب أزمة الرهائن الأمريكيين.

أخيرًا في 12 ديسمبر أبلغ البيت الأبيض الشاه أن "بنما" على استعداد لاستضافته، وبالفعل سافر الشاه وزوجته إلى هناك، ونزلا في فيلا مكونة من 4 حُجرات، لكن نشوب نزاع بين الأمريكيين والبنميين حول حقوق السيادة على "قناة بنما"، ألقى بظلاله السلبية على أسرة الشاه، وأصبحت تعيش تحت مراقبة الشرطة البنمية، وسرعان ما اكتشفت الشاهبانو فرح ديبا أن جميع اتصالاتهم وأحاديثهم الشخصية مسجلة. في الوقت نفسه تقدمت طهران بطلب إلى الحكومة البنمية لتسليم الشاه وأسرته، وكان القانون البنمي آنذاك ينص على اعتقال الشخص المراد تسليمه فور تلقي الطلب، ويبدو أن الحكومة البنمية رأت أن الإقدام على هذه الخطوة سيكون له أثر إيجابي في إطلاق سراح الرهائن الأمريكيين، وبدأت في اتخاذ إجراءات اعتقال الشاه وأسرته.

الشاه يصل "القاهرة" محطته الأخيرة.. والسادات يُبدي موقفًا شجاعًا تجاهه

في ظل هذا الموقف الدقيق، هاتفت الشاهبانو فرح ديبا في مارس عام 1980 السيدة جيهان السادات، وأطلعتها بخطورة الموقف. أخبرت السيدة جيهان الرئيس السادات، فأبدى موافقته على استضافة الشاه، وإرسال طائرة الرئاسة المصرية إليه. عندما علم الرئيس الأمريكي جيمي كارتر بسفر الشاه إلى مصر، انتابه قلقٌ شديدٌ لما سيسفر عنه هذا الأمر من ضعضعة الموقف الدولي تجاه السادات والتأثير السلبي على جهود عملية السلام في منطقة الشرق الأوسط، لذا هاتف كارتر السادات مُثنيًا إياه عن استضافة الشاه، لكنه لم يفلح في ذلك، بل إن السادات وجه له تحذيرًا مباشرًا وقال: "جيمي.. أريدُ الشاه هنا، وأريده حيًا". 

موقف السادات الشجاع إزاء شاه إيران في هذه اللحظة العصيبة كان بمثابة رد جميل منه إلى رجلٍ قدم لمصر خدمات جليلة إبان حرب السادس من أكتوبر 1973، وزوَّدها بما يقرب من 600 طن من البترول، كانت الآلات العسكرية المصرية في حاجة ماسة لها كي تستكمل الحرب، هذا فضلًا عن قيام إيران بإرسال مساعدات طبية إلى مصر ونقل العديد من المصابين والجرحى لتلقي العلاج في طهران.

وصل الشاه محمد رضا بهلوي والشهبانو فرح ديبا القاهرة في 24 مارس 1980 بعد 14 شهرًا من الترحال المتواصل، وأعدَّ السادات قصر القبة مقرًا لهما، ثم لحق الأولاد بهما. تذكر الشهبانو فرح ديبا أن الشعب المصري استقبل الأسرة البهلوية بحفاوة بالغة، وغمرهم بعبارات محبة وودودة، والكثير من المصريين كانوا يريدون التبرع بالدم للشاه، وينادونه (الأخ).

في 28 من مارس، دخل الشاه مستشفى القوات المسلحة بالمعادي، وأجرى له عملية استئصال الطحال جراح القلب الأمريكي لبناني الأصل "مايكل ديبيكي" Michael DeBakey، ومساعده الأسترالي وبعض الجراحيين المصريين. بدأت حالة الشاه في التحسن، لكنها تدهورت تدريجيًا إلى أن سقط في غيبوبة ليلة 27 من يوليو، وافته المنية على إثرها.

أقام السادات جنازة عسكرية مهيبة لمحمد رضا بهلوي، آخر ملوك إيران، تولى بنفسه الإشراف على أدق تفاصيلها، وكان هو الرئيس الوحيد الذي يتقدمها، يصحبه آخر ملوك اليونان "قسطنطين الثاني"Constantine II ، والرئيس الأمريكي الأسبق "ريتشارد نيكسون" Richard Nixon، حيث ورى جسد الشاه الثرى في "مسجد الرفاعي" بوسط القاهرة إلى جوار مقابر العائلة الملكية المصرية.

السادات يتقدم جنازة الشاه بصحبة الأسرة البهلوية (القاهرة – يوليو 1980)

من عجائب الأقدار أن الشاه محمد رضا بهلوي قد دُفن في الحُجرة نفسها التي دُفن بها أبوه رضا شاه. كان رضا شاه قد توفي في 26 يوليو 1944 في منفاه بالعاصمة الجنوب أفريقية "جوهانسبرج"، بعدما اجتاحت القوات الأنجلو – سوفيتية الأراضي الإيرانية عام 1941، وأجبرته على التنازل عن العرش لابنه والنفي خارج البلاد، فانتقل الجثمان إلى القاهرة، ودُفن في مسجد الرفاعي في 28 أكتوبر، وكان الشاه محمد رضا بهلوي حينها متزوجًا من الأميرة "فوزية" شقيقة الملك الفاروق، لكن بعد الطلاق عام 1948، نقل رُفات رضا شاه إلى طهران عام 1950.

يمر اليوم 45 عامًا على وفاة شاه إيران، وطيلة هذه السنوات لم تتخلَّف الشهبانو فرح ديبا مرة واحدة عن المجيء إلى القاهرة في ذكرى وفاة زوجها، سواء بمفردها أو بصحبة نجلها ولي العهد "رضا بهلوي الثاني"، وسط جمع غفير من الجالية الإيرانية المقيمة في مصر والمنطقة العربية، حيث تضع إكليلًا من الزهور على ضريح الشاه، وآخر على ضريح السادات (النصب التذكاري للجندي المجهول) بمنطقة مدينة نصر عرفانًا منها لما قدمه الرئيس المصري من عونٍ في وقت أوصدت فيه أبواب الدنيا في وجه الشاه وأسرته. كانت السيدة جيهان السادات تحرص على مرافقة الشهبانو فرح ديبا خلال هذه المراسم إلى أن وافتها المنية عام 2021، ودُفنت إلى جوار زوجها.

الآن تأتي الشهبانو فرح ديبا واضعةً ثلاثة أكاليل من الزهور؛ الأول على قبر زوجها، والثاني على قبر السادات، والثالث على قبر رفيقة سنوات ترحالها السيدة جيهان السادات. في عام 2022 حرص ولي العهد رضا بهلوي وأسرته –الزوجة الأميرة ياسمين بهلوي (اعتماد أميني) والبنات الثلاث (نور، إيمان، فرح)– على القدوم إلى مصر مع الشهبانو فرح ديبا، وزيارة قبر السيدة جيهان السادات، إلى جانب ضريحي الشاه والسادات.

ايران ومصر
ايران ومصر

 

خاص بوابة ماسبيرو

خاص بوابة ماسبيرو

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تقارير مصر

من إيطاليا.. الأزهر يمد جسور التواصل لمسلمي أوروبا

في إطار الدور العالمي الذي يقوم به الأزهر الشريف لترسيخ الخطاب الديني الرشيد، انطلقت في إيطاليا سلسلة من اللقاءات الفكرية...

التعليم العالي في أسبوع.. ختام مبادرة "تمكين" وتعزيز التعاون مع اليونسكو

على مدار الأسبوع الماضي، وفي إطار دعم جودة التعليم الجامعي، شهدت قطاعات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي سلسلة متتابعة من...

وسط تصاعد التحديات بالقارة.. مصر رئيسا لمجلس السلم والأمن الأفريقي

وسط تزايد التحديات الأمنية والسياسية والتنموية بالقارة السمراء.. وفي محطة دبلوماسية مهمة تعكس الثقة المتزايدة في دور مصر المحوري فيها،...

عيد الشرطة 74.. بطولات خالدة وتضحيات متواصلة

عيون مصر التي لا تنام.. حراس الوطن عبر التاريخ.. يواصلون العمل جنودا أوفياء يحملون الأمانة ويدافعون عن أمن واستقرار الدولة...