"قلنا هنبني وأدي إحنا بنينا السد العالي".. أغنية للفنان الراحل عبد الحليم حافظ تروي حكاية شعب ولازال يرددها من عاش وكان شاهدا على بناء السد العالي..
ويعد شهر يناير هو شهر أعياد السد العالي، حيث نحتفل بوضع الرئيس جمال عبد الناصر حجر الأساس في 9 يناير عام 1960 .. بعدها بستة أيام وتحديدا في 15 يناير عام 1971 افتتح الرئيس الراحل أنور السادات مشروع السد العالي بعد اكتماله.
ومابين وضع حجر الأساس وحتى اكتمال البناء .. رحلة طويلة بدأها المصريون لبناء واحد من أهم المشروعات العملاقة في العصر الحديث بل وربما أهم مشروع في حياة المصريين بجانب قناة السويس.
إنه السد العالي الذي استهدف بناؤه حماية مصر من الفيضانات العالية التي كانت تفيض على البلاد وتغرق مساحات واسعة فيها، والحفاظ على المياه التي تضيع هدرا في البحر المتوسط.، وتخزين مياهه وتوليد طاقة كهربية منه.
وفي تقرير صدر عن الهيئة الدولية للسدود والشركات الكبري، قيم السد العالي في صدارة كافة المشروعات، واختارته الهيئة الدولية كأعظم مشروع هندسي شيد في القرن العشرين.
نقلة نوعية كبيرة في التنمية في مصر أحدثها السد العالي، حيث نقلها من الزراعة الموسمية إلى الزراعة الدائمة، وحماها من أضرار الفيضانات وأسهم في استصلاح وزيادة مساحة الأراضي الزراعية، ويعد من أهم إنجازات الرئيس الراحل جمال عبدالناصر.
* بناء السد .. وحكاية شعب
رحلة بناء السد بدأت بعد أشهر قليلة من ثورة 23 يوليو 1952، حيث تقدم حينها المهندس أدريان دانينوس إلى قيادة الثورة بمشروع لبناء سد ضخم عند أسوان يهدف إلى حجز فيضان النيل وتخزين مياهه وتوليد طاقة كهربائية منه.
واتخذ قرار بناء السد العالي في عام 1953 بتشكيل لجنة لوضع تصميم للمشروع، حيث تم وضع التصميم عام 1954 تحت إشراف المهندس موسى عرفة والدكتور حسن زكى بمساعدة عدد من الشركات العالمية المتخصصة.
ولتوفير الموارد المالية اللازمة لبناء السد العالي، لجأت مصر لتأميم قناة السويس في عام 1956 ليتم توقيع إتفاقية بناء السد العالي عام 1958 ووضع حجر الأساس عام 1960.
وبدأ الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الاهتمام بفكرة المشروع، خاصة أنه في عام 1954 طرحت شركتان ألمانيتان هندسيتان إمكانية تصميم السد العالي، ومع بدايات حكم الرئيس الراحل، بدأ خطوات إنشاء السد، ليبدأ معها البحث عن ممول لهذا المشروع الضخم، الذي سيتكلف أموال طائلة.
وواجهت مصر في ذلك الوقت صعوبة في إيجاد الموارد التي تمكنها من المضي في تنفيذ ذلك المشروع العملاق، ما دفعها للجوء إلى الدول الغربية لمساعدتها من الناحية المالية والفنية والتكنولوجية.
وبالرغم من حاجتها إلى التمويل لاستكمال المشروع رفضت الحكومة المصرية الشروط التي قدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا لأنها كانت شروطا تمثل خطورة على مصر.
وخاضت مصر معركة دبلوماسية مع كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية بجانب البنك الدولي، بعد تراجعهم عن تمويل السد، فقد استخدمت بريطانيا هذا الملف الخاص بتمويل السد من أجل استمرار تدخلها في الشأن المصري وهو ما رفضه جمال عبد الناصر الذي أصر على استقرار كامل وتام للدولة المصرية ليغير وجهته إلى الاتحاد السوفيتىي.
وفي عام 1958، أعلن الاتحاد السوفيتي توقيع اتفاقية مع مصر ومنحها قرضا لبناء السد، بـ100 مليار جنيه، وبعدها تم توقيع اتفاقية توزيع مياه خزان السد بين مصر والسودان، وبدأ العمل في تنفيذ المرحلة الأولى.
* مواصفات السد
السد العالي هو سد ركامي أقيم على نهر النيل في مدينة أسوان جنوب مصر، يبلغ طوله عند القمة 3830 مترا، منها 520 مترا بين ضفتي النيل ويمتد الباقي علي هيئة جناحين علي جانبي النهر.
يبلغ ارتفاع السد 111 مترا فوق منسوب قاع نهر النيل، وعرضه عند القمة 40 مترا.
حجم جسم السد 43 مليون متر مكعب من إسمنت وحديد ومواد أخرى، ويمكن أن يمر خلال السد تدفق مائي يصل إلى 11 ألف متر مكعب من الماء في الثانية الواحدة.
تقع محطة الكهرباء علي الضفة الشرقية للنيل، معترضة مجري قناة التحويل التي تنساب منها المياه إلي التوربينات، من خلال ستة أنفاق مزودة ببوابات للتحكم في المياه بالإضافة إلي حواجز للأعشاب.
تنتج محطة الكهرباء طاقة كهربائية تصل إلي 10 مليار كيلووات ساعة سنويا.
وتشكل المياه المحجوزة خلف السد بحيرة صناعية هائلة، وهي بحيرة ناصر، يبلغ طولها 500 كيلومتر ومتوسط عرضها 12 كيلومترا، حيث تغطي منطقة النوبة.
وتبلغ سعة التخزين الكلية للبحيرة 162 مليار متر مكعب من المياه، وسعة التخزين الميت 32 مليار متر مكعب، وتعني عبارة "التخزين الميت" كمية المياه التي لا يمكن نقلها من خلال فتحات السد، حيث تقع هذه الكمية أسفل منسوب فتحات جسم السد.
* فوائد متعددة
قبل بناء السد العالي شهدت مصر فيضانات عارمة في بعض السنوات، ويقول مؤرخون إن من أشدها فيضان عام 1887، وبلغ إيراد مصر من المياه حينها نحو 150 مليار متر مكعب من المياه، وحمل النهر جثث الضحايا من السودان وجنوب مصر حتى المصب.
وأقيمت مشروعات التخزين السنوي للمياه، مثل خزان أسوان وخزان جبل الأولياء على النيل للتحكم فى إيراد النهر المتغير، كما أُقيمت القناطر لتنظيم الري على طول مجرى النهر.
لكن التخزين السنوي لم يحل المشكلة إلا جزئيا، خاصة مع تفاوت إيرادات المياه من الفيضان، التي قد تنخفض إلى 42 مليار متر مكعب، أو تزيد لتصل إلى 151 مليارا.
انتهى خطر الفيضان تماما بعد بناء السد العالي، الذي عمل على حماية مصر من الفيضان والجفاف أيضا، حيث أن بحيرة ناصر تقلل من اندفاع مياه الفيضان، وتقوم بتخزينها بشكل دائم للاستفادة منها في سنوات الجفاف.
كما أسهم السد في زيادة مساحة الرقعة الزراعية بمصر من 5.5 إلى 7.9 مليون فدان، وساعد على زراعة محاصيل أكثر استهلاكا للمياه مثل الأرز وقصب السكر، كما أنه أدى إلى تحويل المساحات التي كانت تزرع بنظام الري الحوضي إلى نظام الري الدائم.
كما وفر الطاقة الكهربية التي تستخدم في إدارة المصانع وإنارة المدن والقري، وأدى إلى زيادة الثروة السمكية عن طريق بحيرة ناصر، وكذلك تحسين الملاحة النهرية طوال العام.
وحمي السد مصر من كوارث الجفاف والمجاعات، في سنوات الفيضانات الشحيحة مثل الفترة من عام 1979 إلي 1987، حيث تم سحب مايقرب من 70 مليار متر متر مكعب من مخزون بحيرة ناصر، لتعويض العجز السنوي في الإيراد الطبيعي لنهر النيل.
كما حمي السد مصر من أخطار الفيضانات العالية، التي حدثت في الفترة من عام 1998 إلي 2002.
* جوانب سلبية
رغم الفوائد الهائلة للسد إلا أن الأمر لم يخل من أضرار، حيث أدى السد العالي إلى تقليل خصوبة الأراضي الزراعية، لأنه حجز خلفه الطمي القادم من الهضبة الأثيوبية مع الفيضان، والذي كان يجدد خصوبة التربة كل عام، ما زاد من الاعتماد على الأسمدة ورفع تكلفة المحاصيل.
وكان تدفق الطمي إلى مصبات النهر في دمياط ورشيد بمثابة حائط صد لعمليات النحر والتآكل، التي تحدث بسبب المد والجزر، و يهدد توقفه بغرق الدلتا وذلك إلى جانب عوامل أخرى تسهم في زيادة هذا الخطر، مثل الاحتباس الحراري وذوبان الجليد بالقطبين الشمالي والجنوبي.
كما أدى إلى زيادة النحت المائي حول قواعد المنشآت النهرية.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
على مدار الأسبوع الماضي، وفي إطار دعم جودة التعليم الجامعي، شهدت قطاعات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي سلسلة متتابعة من...
وسط تزايد التحديات الأمنية والسياسية والتنموية بالقارة السمراء.. وفي محطة دبلوماسية مهمة تعكس الثقة المتزايدة في دور مصر المحوري فيها،...
عيون مصر التي لا تنام.. حراس الوطن عبر التاريخ.. يواصلون العمل جنودا أوفياء يحملون الأمانة ويدافعون عن أمن واستقرار الدولة...
في إطار دعم جودة التعليم الجامعي، وتعزيز البحث العلمي التطبيقي، وتوسيع الشراكات الدولية، بما يسهم في بناء اقتصاد قائم على...