الحرب خدعة .. وحفل نصر أكتوبر بأكبر عملية خداع إستراتيجي، حيث نجحت القيادة السياسية ممثلة فى الرئيس الراحل أنور السادات والقوات المسلحة والمخابرات العامة وأجهزة الدولة فى عملية خداع استراتيجي للداخل قبل الخارج، خاصة فى الفترة التى سبقت الحرب .. فكانت أكبر مفاجآت الحرب .. وإنجازا ضخما أذهل العالم أجمع حتى اليوم.
وفي اليوبيل الذهبي لذكرى نصر السادس من أكتوبر1973، نحتفل بأعظم انتصارات العسكرية المصرية والعربية في العصر الحديث، التي أذهلت أعتى أجهزة الاستخبارات العالمية بتنفيذها لأعظم خطة خداع وتمويه وتعتيم إعلامي وعسكري إستراتيجي حقق عنصر المباغتة والمفاجأة بالحرب وكذا الإستعداد لمعركة تحرير الأرض، والتي تدرس إلى يومنا هذا في الأكاديميات العسكرية.
قادة أمريكا وإسرائيل أنفسهم اعترفوا في تصريحات للرئيس الأمريكي نيكسون وهنري كيسنجر وزير خارجيته، بأنهم يشعرون بخيبة أمل وفشل للمخابرات الأمريكية والاسرائيلية لعدم معرفتهم مسبقا باندلاع الحرب إلا قبل ساعات قليلة، وتصريح إيلي ذعيرا رئيس الاستخبارات الإسرائيلية وموشي ديان وزير الدفاع بأن المفاجأة كانت معجزة.
زئيف شيف المعلق العسكرى الإسرائيلى صاحب كتاب "زلزال أكتوبر.. حرب يوم عيد الغفران" فقد قال عن الحرب "لقد أذهل إسرائيل نجاح العرب فى المفاجأة فى حرب يوم عيد الغفران وفى تحقيق نجاحات عسكرية، لقد أثبتت هذه الحرب أن على إسرائيل أن تعيد تقدير المحارب العربى فقد دفعت إسرائيل هذه المرة ثمنا باهظا جدا، لقد هزت حرب أكتوبر إسرائيل من القاعدة إلى القمة، وبدلا من الثقة الزائدة جاءت الشكوى وطفت على السطح أسئلة من نوع هل نعيش على دمارنا إلى الأبد، هل هناك احتمال للصمود فى حروب أخرى؟".
واليوم، نحتفل باليوبيل الذهبي لذكرى حرب السادس من اكتوبر 1973.. ذكرى العبور العظيم للجيش العربي المصري الذي حطم خط بارليف المنيع والحصين ودك الأسطورة التي لاتهزم وسحق جيش كيان الدفاع الإسرائيلي المتغطرس، في ست ساعات، بفضل من الله أولا وبفضل خطة الخداع الاستراتيجي والخطة العسكرية المحكمة التي حققت العبور العظيم للجيش المصري خير أجناد الأرض.
- تفاصيل الخطة
مجموعة من الخطوات والإجراءات تضمنتها الخطة للتغطية على استعدادات مصر للحرب ولتضليل العدو الإسرائيلي وايهامه بأن الوقت مازال مبكرا جدا بالنسبة للمصريين حتى يخوضوا حربا، وأن الرئيس السادات والجيش المصري لا يفكرون في الحرب على الإطلاق، واستمرار الوضع على ما هو عليه، وهو "اللاحرب واللاسلم".
ويوصف الخداع فى الحروب بأنه مجموعة من الإجراءات والأنشطة المنسقة والمخطط لها بعناية بالغة بغية إخفاء الحقائق التي من شأنها التأثير على مجريات الحرب، ومنعها من الوصول إلى الدول المعادية أو المتعاونة معها، وتوجيه ودعم تقديراتها وجهودها إلى اتجاهات زائفة تؤدي إلى قرارات تخدم الخطط الموضوعة.
ويهدف الخداع في الحرب والصراع المسلح إلى تمويه العدو عن خطة إعداد الدولة وإجراءاتها مع إخفاء فكرة إدارة الصراع المسلح وطبيعته.
خطة الرئيس الراحل محمد أنور السادات الخاصة بالخداع الإستراتيجي، ركزت على إظهار ضعف مصر اقتصاديا وعدم قدرتها على الهجوم، وإظهار حرصها على أن حل الأزمة يجب أن يكون سلميا، واشتمل الحل السياسي بإظهار قبول حالة اللاسلم واللا حرب والإعلان عن عدم الحسم أكثر من مرة ثم الخداع الإستراتيجي والتعبوي الإعلامي، مثل قرار وزير الحربية بزيارة ليبيا في توقيت معين.
- السادات يشرف على خطة الخداع الاستراتيجي
قبل نشوب حرب أكتوبر المجيدة بعام، في يوليو 1972، قام الرئيس السادات بزيارة المخابرات العامة، وبصحبته قائد الجيش ومستشار الرئيس للأمن القومي ورئيس المخابرات العسكرية، ودعا كل رؤساء الأقسام بالجهاز إلى اجتماع تاريخى استغرق أكثر من 5 ساعات.
ووجه بوضع خطة خداع استراتيجي يسمح لمصر بالتفوق على التقدم التكنولوجي و التسليحي الإسرائيلي عن طريق إخفاء أي علامات للاستعداد للحرب وحتى لا تقوم إسرائيل بضربة إجهاضية للقوات المصرية في مرحلة الإعداد على الجبهة.
أشرف الرئيس أنور السادات شخصيا على خطة التنسيق بين جهات عدة وهى وزارات الإعلام والخارجية والدفاع لتطبيق خطة الخداع، حيث تم نشر أخبار سلبية عن الوضع الاقتصادى وتصدير فكرة أن مصر لا يمكنها خوض أي معارك، وليس أمامها خيار آخر سوى القبول بحالة السلم.
وعلى الصعيد السياسي تم إعداد خطة حرب بسيطة وشاملة بالتنسيق مع الجانب السوري، مع الأخذ فى الاعتبار إمكانية إحداث أي تغيير مع بداية الحرب مباشرة.
- تسريح 30 ألف مقاتل مصري
فى يوليو 1972 .. صدر قرار بتسريح 30 ألفا من المجندين منذ عام 1967، وكان كثير منهم خارج التشكيلات المقاتلة الفعلية وفى مواقع خلفية، وفى الفترة من 22 وحتى 25 سبتمبر تم الإعلان عن حالة التأهب فى المطارات والقواعد الجوية بشكل دفع إسرائيل لرفع درجة استعدادها تحسبا لأى هجوم، ولكن أعلنت القوات المصرية بعد ذلك أنه كان مجرد تدريب روتيني، واستمرت القوات المصرية تطلق تلك التدريبات والمناورات من وقت لآخر حتى جاءت حرب أكتوبر وظنت إسرائيل فى بدايتها أنها مجرد تدريب أيضا ولم تكن مستعدة لها.
- إجراء التعبئة العامة والاستدعاء
كان من ضمن خطة الخداع الاستراتيجي التي وضعها الرئيس الراحل أنور السادات قبل الحرب، تعمد تكرار إجراء التعبئة العامة والاستدعاء ثم تسريح القوات، ما جعل القيادة الإسرائيلية تترد كثيرا في إعلان حالة الاستعداد القصوى إزاء كل تعبئة تقوم بها مصر والقيام بعملية تعبئة كاملة للقوات قبيل بدء الحرب.
- التدريب على عبور القناة
في عام 1972، كانت القوات المصرية تتدرب على عبور قناة السويس، تحت سمع وبصر قوات العدو، فقد أعدت القوات المسلحة المصرية شواطئ لنزول القوات عليها، وذلك مع علم القيادة العسكرية المصرية حينها بأن العدو الإسرائيلي يقوم بمراقبة التحرك بصورة يومية، كما قام الجيش المصري مرة واحدة على الأقل في عام 73 بتمثيل عملية العبور بأقل تفاصيل ممكنة، ونقلت الصحف المصرية سير هذه العملية التي شهدها جنود العدو في خنادقهم على الضفة الشرقية للممر المائي.
وهذا التكرار للتدريب على عملية العبور أكبر خدعة للعدو، إذ إنه لم يثر فيهم سوى الضحك والاستهزاء من عدم قدرة القوات المصرية على القيام بذلك و عبور أكبر خط دفاعي وساتر ترابي عرفه التاريخ.
- إنشاء ساتر ترابي على الضفة الغربية لقناة السويس
أنشأ الجيش المصري على الضفة الغربية للقناة ساترا ترابيا في مواجهة مناطق تمركز قوات العدو لإخفاء التحركات العسكرية، وكذلك أنشأ عددا من السواتر في العمق بزوايا ميل مختلفة لنفس الغرض، وقد حققت هذه السواتر أهدافها إذ جعلت العدو يقتنع بأن الجيش المصري قد لجأ إلى إستراتيجية دفاعية في حماية هذه السواتر، كما ساعدت على إخفاء تحركات القوات المدرعة المصرية نحو شاطئ القناة لتأخذ أوضاع الهجوم عندما بدأت الحرب.
- تحريك القوات المصرية في اتجاهات مختلفة وثانوية
كان من ضمن خطة الخداع الاستراتيجي التي وضعها الرئيس الراحل أنور السادات قبل الحرب تحريك القوات المصرية في اتجاهات مختلفة وثانوية، وإجراء تحركات عرضية داخل الجبهة وعكسية من وإلى الجبهة تحت ستار التدريب مع التغيير المستمر في حجم وأوضاع القوات البرية وأماكن تمركز القطع البحرية في الموانئ والمراسي داخل وخارج الجمهورية.
- استمرار عملية تشتيت العدو الإسرائيلي
كانت خطة الهجوم تتضمن عملية خداع موسعة للعدو، حتى لا يكتشف مبكرًا اتجاه الهجوم الرئيسي، فقد تم الهجوم على طول الجبهة وفي أعماق سيناء وعبر بحيرة التمساح، وذلك بهدف إرباك العدو وخداعه، بالإضافة إلى استمرار الأعمال اليومية الاعتيادية على طول الجبهة وتفادي الإقدام على إجراء يمكن أن يدل على تغيير سير الحياة الطبيعية.
- نقل الدبابات
نقل المعدات الثقيلة كالدبابات إلى الجبهة، عن طريق نقل ورش التصليح إلى الخطوط الأمامية، ودفع الدبابات إلى هناك في طوابير بحجة إصابتها بأعطال.
- السوريون يأتون إلى مصر عبر السفن
فى يوم 21 أغسطس تم عقد اجتماع بين القادة السوريين والمصريين ولإخفاء فكرة حضورهم مصر، جاءوا بالملابس المدنية على إحدى السفن القادمة إلى الإسكندرية، وخلال الاجتماع تم تحديد موعد الهجوم ما بين 5-11 أكتوبر.
- خداع الأقمار الصناعية
تعتبر هذه الخطوة من أدهى الخطوات التى قام بها الجيش المصري فى خطة الخداع الإستراتيجية، فقد كان الجيش على دراية كبيرة بأجهزة الاستطلاع الجوى التي يستخدمها العدو الإٍسرائيلي فى التقاط الصور ونقلها بكفاءة، خاصة الأقمار الصناعية المزودة بمعدات التصوير الحراري التي تستطيع التقاط صور واضحة لتحركات المعدات حتى بعد أن تغادر أماكنها بدقة متناهية.
ولم تكن ثمة وسيلة لإخفاء طوابير العربات والدبابات وقطع المدفعية عن عدسات هذه الأقمار التي لا تكف عن الدوران حول الأرض في مسارات عديدة منتظمة، إلا أنه بالبحث والدراسة المتأنية ثبت أنه بالإمكان خداعها.
فقد كان من المعروف لدى خبراء الاستطلاع الجوي المصري أن هذه الأقمار تحلل الألوان إلى 32 لونا تتدرج من الأبيض الناصع إلى الأسود القاتم، ثم ترسل مشاهداتها على هيئة أرقام يعبر كل منها عن لون المربع الواضح في الصورة، وفي مراكز الاستقبال الأرضية يعاد استبدال الأرقام بمربعات لها نفس درجة اللون، فتكون الصورة الحقيقة مرة أخرى.
- إخلاء المستشفيات لاستقبال الجرحى
كان من الضروري إخلاء عدد من المستشفيات وإعدادها لاستقبال الجرحى الذين سيتوافدون مع بداية المعركة، وكان ذلك يعد من أهم مبادئ الإعداد للحرب، ولما كان إجراء بمثل هذه الضخامة سيثير بالتأكيد شك مخابرات العدو كان على المخابرات أن تجد حلا لإخلاء عدد المستشفيات المطلوب بدون إثارة أدنى شك.
وتم إعداد خطة محكمة ضمن خطة الخداع حيث قام الجيش بتسريح ضابط طبيب كبير كان مستدعى للخدمة العسكرية، وأعيد هذا الطبيب إلى الحياة المدنية وفور تسلمه وظيفته السابقة بوزارة الصحة أرسل للعمل في مستشفى الدمرداش التابع لجامعة عين شمس التي وقع عليها الاختيار لكبر حجمها لتكون في أول قائمة المستشفيات.
وحسب الخطة اكتشف الطبيب بعد وصوله إلى المستشفى أن ميكروب التيتانوس يلوث العنابر الرئيسية للمرضى، ولأن هذا الطبيب كان منزعجا وقلقا من هذا الميكروب الذي يهدد حياة المرضى وبعد ضياع يومين من الرسائل المتبادلة بين المستشفى ووزارة الصحة مع بعض الروتين اللازم لحبك الخطة ومناقشات الأطباء والمذكرات أمرت وزارة الصحة بإخلاء المستشفى من المرضى تماما وتطهيره.
وتم تكليف الطبيب بالمرور على باقي المستشفيات لاستكشاف درجة تلوثها، وقامت الصحف بنشر التحقيقات الصحفية حول المستشفيات الملوثة ونشر الصور وعمال التطهير يرشون المبيدات الخاصة بالتطهير في عنابر المستشفيات.
وما إن حل أول أيام أكتوبر حتى كان العدد اللازم من المستشفيات قد أخلي نهائيا، وأصبح على أتم استعداد لاستقبال الجرحى والمصابين كإجراء احتياطي مهم.
- تأمين الاحتياجات التموينية
الخطة كانت تسعى لإظهار ضعف مصر اقتصاديا وعدم قدرتها على الهجوم، ومنها استيراد مخزون استراتيجي من القمح، عن طريق قيام المخابرات العامة بتسريب معلومات بأن أمطار الشتاء قد غمرت صوامع القمح وأفسدت ما بها، وتحول الأمر لفضيحة إعلامية .. حتي استوردت مصر على أثرها الكميات المطلوبة.
- اختيار توقيت الحرب
لم تقتصر خطط الخداع على ذلك فحسب، بل شملت أيضا الخدعة الكبرى فى اختيار ساعة الصفر نفسها تحديدا الثانية ظهرا فى العاشر من رمضان والسادس من أكتوبر، وهذا لعدة أسباب:
* أولها أن العدو لن يخطر بباله أن الجيش سيخوض الحرب فى شهر الصوم وفى أكتوبر تحديدا، حيث تنشغل إسرائيل بعيد الغفران اليهودي وتستعد لخوض انتخابات تشريعية.
* وثانيها اختيار الساعة وقت الظهيرة وتعامد الشمس فوق رؤوس العدو بشكل يصعب عليهم الرؤية وهذا شيء لم يتوقعه العدو، حيث إن العمليات العسكرية تكون مع أول ضوء أو آخر ضوء.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
شهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، صباح اليوم، بمقر رئاسة الجمهورية بمصر الجديدة، أداء نائب رئيس الوزراء والوزراء ونواب الوزراء الجدد...
في إطار الدور العالمي الذي يقوم به الأزهر الشريف لترسيخ الخطاب الديني الرشيد، انطلقت في إيطاليا سلسلة من اللقاءات الفكرية...
على مدار الأسبوع الماضي، وفي إطار دعم جودة التعليم الجامعي، شهدت قطاعات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي سلسلة متتابعة من...
وسط تزايد التحديات الأمنية والسياسية والتنموية بالقارة السمراء.. وفي محطة دبلوماسية مهمة تعكس الثقة المتزايدة في دور مصر المحوري فيها،...