التقى الكاتب الكبير د. يوسف إدريس بياسر عرفات ( أبو عمار ) قائد منظمة التحرير الفلسطينية . كان ذلك بعد اجتياح إسرائيل لبيروت ، وروى له أسرار ما حدث ، وهو ما عبر عنه يوسف إدريس فى مقال له بعنوان "رحلة إلى الشتات" ، صحيح أنه لم يبح بكل ما أسر به له ياسر عرفات ، ولكنه وضع بين أيدينا بعض أسرار المؤامرة التى نحاول أن نستعيدها الآن ، لعلها تفسر لنا ما يحدث اليوم على أرض فلسطين من جريمة الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني .
يحكي د. يوسف إدريس :
كنت أحس من اللحظة الأولى التى رأيت فيها أبا عمار هذه المرة ، أنه رغم استرداده لصحته ومعنوياته ، لا يزال صدره يحفل بكم كبير من الشجن ، وصفحة وجهه بلونها ذلك اللون الذى يحدث للملامح الإنسانية حين تعكرها ضربة غدر أو تؤخذ من صميم حسن نيتها ، ، كان الانشقاق قد حدث فى " فتح " – المنظمة - والطعنات قد بدأت تنهال . وكان وجه عرفات كأنه وجه قيصر بعدما رأى بعينيه كل الأقنعة وقد طرحت ، وكل الخناجر المخفاة وقد ظهرت ، وكل " بروتس " قد خلع عنه ملابس الصديق ، بل أي ملابس ، وقد تعرت أهدافه ومقاصده أمام كل العيان .
سألته عن الانشقاق وكيف حدث ؟
ولست فى حل من أن أذكر بالتفصيل كل ما قاله لي أبو عمار ، إنما الذى يمكن قوله إن الرجل لا يعادي إسرائيل والاستعمار فقط ، وإنما ثمة حلف غير مقدس يتكتل للقضاء عليه .. وحين سألته عن المضمون السياسي لذلك الحلف ، قال هو للأسف ليس حلفا سياسيا ، إنه حلف طائفي .. طائفي ؟ أجل طائفي ، فدولة إسرائيل ليست فى حقيقتها إلا الطائفة الإسرائيلية فى قمة طائفيتها .. منظمة ومسلحة . والوجود الطائفي الإسرائيلي كان لا يمكن أن يكتمل إلا بخلق موجة من الطائفية تجتاح العالم العربي بالذات ، بحيث يتفتت من حيث هو كيانات وحكومات شرعية وغير شرعية ، تتفتت إلى كيانات طائفية علوية ودرزية وشيعية ومارونية ، ومن يدرى ربما بعد هذا كردية وأرمنية ..الخ .. القائمة .. بحيث تكون إسرائيل بالضرورة أكبر تلك الكيانات وأقواها وأحدثها تسليحا وتفكيرا وقدرة ، ومن المحتم أن تسيطر عليها ، وليس فقط سيطرة احتلال أو تخويف مؤقت ، ولكن سيطرة دائمة ، سيطرة الطائفة الأقوى على الطوائف الأقل قوة بكثير ، ودوام تلك السيطرة مادامت النعرة الطائفية قائمة وموجودة وتغذيها باستمرار أحداث ودعايات ووقود عقائدي . باختصار العودة بعالمنا العربي والإسلامي إلى شكل العشيرة والقبيلة والتناحر بينها .
هذه الاستراتيجية الطويلة المدى التى تريد بها إسرائيل أن تدير أمر بقائها فى عالمنا العربي لمئات السنين ، وربما إلى الأبد لتفتيت الكيان العربي السياسي والقومي إلى طوائف ، وتفتيت الطوائف إلى قبائل طائفية وفكرية وأيدولوجية لكى تصبح محصلة الوجود العربي النهائي صفرا كبيرا .
ذكريات عشرين عاما مضت أيام كان العدو محددا واضحا ، والأصدقاء محدودون واضحون ، والطريق واضح أيضا ، الآن بعد عشرين عاما من الرحلة ، تنوء الخطوات ويكثر الظلام ، ويتخفى العدو حتى لا نكاد نراه ، ويختفى الأصدقاء حتى كأنما تنكروا فى ثياب الأعداء ، وتصبح وحدك تواجه العدو ، وحدك لا يسمعك أحد ، ومن عهد فيه كان الثائر يصرخ فى " وجده " قرب حدود تونس فيتردد صدى صرخته ليسمعها العرب أجمعون ، إلى عهد أصبح فيه الصراخ قريبا جدا فى بيروت هنا ، أو فى البصرة هناك ، ولا من مغيث ، ولا حتى من سامع ، وكأنما الجميع ملتفون حول فيديو غريب نومهم مغناطيسيا وعضليا وإراديا ، يشاهدون ويسمعون ولا يرمش لهم جفن مهما حركت أمامهم على شاشة التليفزيون من جثث عربية وأشلاء آدمية ودم وصرخات ، فهم " متوولون " إلى النخاع ، مغيبون فى وجودهم الخانع على مساحة الوطن العربي ، كالخشب المسندة ترتدى أحدث الأزياء ، وتلمع وجوهها وشعورها بأرقى الكريمات والصبغات ، وتدفن نفسها فى صفيح المرسيدس والبويك وقد برزت منها كروش ممتلئة بالشحم ، وبالغاز المتصاعد من طعام كثير الدسم ، له هو الآخر فعل المخدر .
أطفال فلسطينيون قادمون من جميع أنحاء العالم العربي الواسع الذى تناثرت فيه أشلاء شعبهم ، وبدلا من أن يقضوا معسكرات صيف يمرحون فيها ويلعبون كمعظم أطفال العالم ها هو العدو قد أفقدهم المرح ، كما أفقدهم الوطن ، ويعلمهم الآن صنعة الحرب والقتل ليضفي عليهم جنرالات إسرائيل وصف أطفال ال " آر . بي . جي ".. ومن الذى جعلهم كذلك ؟ منظمة التحرير الإرهابية ، أم الإرهاب الذى أفقدهم الوطن والبيت والعائلة ؟ أولئك الذين سرقت بلادهم مرتين ، مرة كمواطنين ومرة أخرى كلاجئين ، ولا تزال كل يوم تسرق ، أي عدو مجنون وإن كان يرتدى ثوب العقلاء .. بالغ التطرف وإن كان يبدو للعيان كجيش ودولة ، أي أناس شديدي الجنون ، شديدو الخطر ، قد فعلوا هذا بأطفال الفلسطينيين وغدا بكل أطفالنا .
ويختتم يوسف إدريس رد فعله على شهادة ياسرعرفات :
وجدتني أبكي ، ودموعي ترتد داخلي علقما مرا ، ويصعب على مأساتنا ومأساتهم إلى الدرجة التى لو طاوعت نفسي فيها لانخرطت فى بكاء متصل عال .
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
التنظيمات الشعبية تتكون من منظمات أو فرق يجرى اختيارها وفق اشتراطات طبيعية والسن لا يقل عن 18 سنة مدرسة الدفاع...
الشعب رفع شعار «كلنا هنحارب» .. متعلمون وصنايعية تطوعوا لمواجهة العدو على الجبهة الداخلية فرق المتطوعين تعلمت درسًا من طائرات...
الصحف العالمية وصفت خطاب السادات بأنه الأخطر كانت قواتنا المسلحة مزودة بكل التجهيزات الفنية والهندسية لعبور المانع المائى القذافى: المعركة...
محمد البحر: أبى رفض أن تكون لى أية صلة بالموسيقى والغناء الشيخ مفرح محمود: بدأ بتقليد الشيخ «حسن زهرى» على...