المنشد الكبير ياسين التهامى: جمهورى هم أحبابى

سعيد بعودة الإعلام الوطنى والطفرة التى تحدث فى ماسبيرو إحساسى بالقصيدة هو سبب اختيارى لها أم كلثوم حالة نادرة الوجود الجمهور يتفاعل مع مدلول الكلمة وأسرارها وإن لم يعرفوا المعنى الحرفى لها

المنشد الكبير ياسين التهامى، حالة وجدانية خاصة جدا.. مؤثر فى قلوب محبيه بغض النظر عن "رتم" أغانيه وقصائده.. قد تتحدث أغانيه عن الحب والحياة و"لوعة القلب"، لكنها برتم حزين يُبكى القلوب قبل العين، وقد تكون عن الموت والفراق والأحزان لكنها على لحن راقص.. حالات من العشق بل والذوبان بين مريديه وجماهيره الذين يطلق عليهم أحبابه.. قد لا يفهمون كلمات ومفردات الحلاج وابن عربى وابن الفارض ورابعة العدوية، لكنهم يتمايلون عليها كما لو كانت بالعامية.. لا يحضّر لحفلاته ولا يستعد بقصائد معينة.. فقط هو يصعد المسرح وينتظر ما يفيض الله سبحانه عليه من كرمه.

المنشد الكبير الشيخ ياسين التهامى هو نجم حفل ماسبيرو على مسرحه بالدور السابع الذى يقام اليوم السبت حيث يشدو بما يفيض الله به عليه بين جمهوره ومريديه، محتفياً بتكريمه من الهيئة الوطنية للإعلام والكاتب أحمد المسلمانى رئيس الهيئة فى حضوره الأول داخل المبنى العريق، معرباً عن سعادته بعودة إعلام مصر الوطنى، متمنياً تصدره للريادة كما كان دائما.

 حدثنا عن حفلك على مسرح ماسبيرو المقدم تحت شعار "عودة ماسبيرو".. وهل هو الحفل الأول فى أروقة المبنى خلال مسيرتك؟

الحمد لله.. بالفعل هذا هو الحفل الأول لى فى أروقة ماسبيرو، وبهذه المناسبة أحب أن أشيد بالطفرة الكبيرة التى حدثت فى الهيئة الوطنية للإعلام منذ أن تولى الكاتب أحمد المسلمانى إدارة هذه المؤسسة العريقة، وهذه الجهود رأينا ثمرتها فى القرارات الجدية والمؤثرة التى اتخذها المسلمانى وأدخلت الفرح والسرور على كل محبى الإعلام المصرى صاحب الريادة والتاريخ المشرف فى مجال الإعلام، فله خالص الشكر والتقدير على هذه الجهود، وأسأل الله أن يعينه على هذه المسئولية وأن يقوم بها خير قيام، ويسعدنى أن يأتى الحفل تحت شعار "عودة ماسبيرو"، ونحن نتشرف بالاشتراك والمساهمة فى عودة هذا الصرح الإعلامى لمكانته وسابق عهده ليعود ويقود قاطرة الإعلام العربى ويسهم فى الارتقاء بالوعى والذوق المصرى والعربى.

 ما القصائد التى تقدمها خلال الحفلات وكيف يتم اختيارها.. وهل لك طقوس واستعدادات خاصة للحفلات؟

الله أعلم بما أقدمه خلال الحفلات، فليست لى طقوس معينة أو ترتيبات خاصة، ولا أجهز قصيدة بعينها لحفل بعينه، وإنما أترك ذلك لتوفيق الله، وللحالة التى أكون عليها فى كل ليلة أو حفل على حسب الظروف.

 هل تفضل إنشاد أو إلقاء القصيدة الأكثر نجاحاً مع الجمهور أو الأكثر انتشاراً مثل "أكاد من فرط الجمال أذوب" و"فى القلب لوعة" أم تنشد ما يأتى لذهنك؟

لا أنظر إلى القصائد من هذا المنظور، ولا أصنفها هذا التصنيف، من حيث الشهرة والانتشار أو النجاح، إنما الأهم عندى أن أشعر بالقصيدة التى سأنشدها وأحس بها، فالمعيار الأساسى هو الإحساس، فأنا لا أنشد إلا ما أحس به وأعيشه، وعلاقتى بالقصيدة علاقة عشق ووجد، وإذا حدث العشق فتح الله علىّ فى الإنشاد، أما غير ذلك فلا أنشد القصيدة إذا لم أشعر بها حتى ولو كانت درة الشعر.

 هل تتدرب على القصائد قبل غنائها خاصة أنك لا تلتزم بمقامات موسيقية.. وما سر عدم التزامك بها.. وهل جربت الغناء بالمقامات من قبل؟

فى مجال الإنشاد المرتجل لا يوجد تدريب أو بروفات للحن، بل كل ذلك يأتى وليد اللحظة وعلى حسب "الحالة"، فلكل ليلة أو حفل أجواء وحضور مختلف وعلى هذا الأساس تأتى الكلمات والألحان متسقة مع ظروف كل ليلة، فقد أنشد القصيدة الواحدة على أكثر من لحن أو مقام، وقد أنشد على المقام الواحد أكثر من قصيدة، وكل ذلك على حسب الحالة التى أنشد فيها، والتى يخلقها الزمان والمكان والحدث والناس من حولى وحالتى الشخصية أيضا تتدخل فى ذلك.

وقد يحدث أن أرتقى المسرح وأحاول أن أختار من قصائد السادة الصوفية قصيدة معينة، لكن الذى يحدث غالبا أن "الحالة" هى التى تلهمنى اختيار القصيدة وكذلك اللحن.. والتوفيق من الله أولا وأخيرا.

 أثناء الإنشاد تكون فى حالة وجدانية واندماج كأنك فى عالم آخر، فهل تتابع رد فعل الجمهور.. وهل يفرق معك فى الأداء.. وهل الجمهور يحمسك لأداء أفضل أو أقوى والعكس؟

لا شك أن معايشة الكلمة واستحضار معانيها وأسرار قائليها يحدثان فى النفس تفاعلا واندماجا لا يستطيع المنشد أن ينفك عنه، والفضل الأكبر فى هذا للكلمة وأصحاب الكلمة من ساداتنا الصوفية الذين مَنّ الله عليهم بهذه القصائد التى تزداد جمالا وبهاء كلما مر عليها الزمن.

أما وجود الجمهور فلا غنى عنه بالنسبة لي، وأنا لا أسميه جمهورا، بل هم أحباب ووجودهم حولى جزء من حالة المعايشة والوجد التى تسيطر على الحفل، فتأثير الجمهور وأهميته لا يقل عن تأثير الكلمة واللحن، لذلك فعلاقتى بالأحباب الذى يحضرون الحفلات علاقة وثيقة لا غنى لى عنها، فهناك وجوه أعرفها وأراها فى كل مكان أنشد فيه، وهناك جمهور يحفظ ما أنشده من كلام السادة ويردده، بل وكثيرا ما يسبقنى به، كما أننى أتفاعل مع الأحباب ونتبادل المشاعر ويتأثر كل منا بالآخر، فقد يكون أحد الحاضرين سببا فى أن يفتح الله علىّ ببيت شعر أو مطلع قصيدة أو مقام لم أكن مستعدا له، فيحدث الفتح والتجلى والقبول والحمد لله.

 هل تغنى لشعراء الصوفية القدامى فقط أم يمكن أن تغنى لشاعر شاب.. وهل حدث أن غنيت شعراً حديثاً؟

السادة الصوفية هم الأساس وقصائدهم هى لسان حال صادق، والدليل بقاء قصائدهم بين الناس يحفظونها ويرددونها إلى اليوم بعد مرور كل هذه السنوات، وممن أنشد لهم سيدى عمر بن الفارض وسيدى ابن عربى وسيدى الحلاج والإمام الشافعى والسيدة رابعة العدوية وغيرهم، أما الشعراء المعاصرون أو شعراء العصر الحديث فحينما أجد نفسى فى القصيدة أنشدها، وقد أنشدت قصائد لبعض المعاصرين من أمثال الشاعر مصطفى لطفى المنفلوطى، والشاعر طاهر أبوفاشا، والسيدة علية الجعار، والشاعر اليمنى عبد الله البردونى وغيرهم الكثير والكثير.. فالمبدأ عندى هو روح القصيدة وليس شخص قائلها.

 كيف رأيت تجربة "تترات" المسلسلات.. هل أضافت للمسلسل أم لك أم للاثنين معاً.. وما تقييمك لهذه التجارب.. خل يمكن أن تكررها بكثرة أم لا؟

تجربتى مع "تترات" المسلسلات كانت ناجحة بفضل الله، وقد شاركت مرتين بإنشاد "تترات" المسلسلات؛ مرة فى مسلسل "مولانا العاشق" عام 2015، وقد لاقى نجاحا كبيرا والحمد لله، وأخيرا فى العام قبل الماضى من خلال مسلسل "ستهم" والحمد لله حصد جائزة مهرجان القاهرة للدراما وأكثر من جائزة كأفضل تتر مسلسل لعام 2023.

 هل الحفلات تؤثر على "مودك" ومزاجك سعادة وحزناً.. وهل يمكن أن ترجع من حفل سعيدا جداً أو العكس.. أم ان الحفلات سواء مع الخبرة؟

بالتأكيد يحدث تأثر بما يحدث فى الحفلات والليالي، وينعكس هذا على المنشد الذى يؤثر ويتأثر بالمكان الذى يتواجد به أو الجمهور الذى يقابله، فكما قلت هى علاقة تبادلية بين المنشد والمتلقى والوسط المحيط.

 أيهما تفضل، إحياء الموالد والليالى الشعبية أم الحفلات بالمسرح والمهرجانات؟

لا فرق عندى بين إحياء ليلة فى مولد أو حفل فى مسرح مثل دار الأوبرا أو هذا الحفل مثلا، المهم أن نصل معا - المنشد وجموع الحاضرين من المحبين - إلى حالة السمو والتجلى التى يفتح الله بها علينا بسبب "الكلمة" الصادقة التى نشدو بها وننشدها، لكن قد تكون فى حفلات المسارح أو دار الأوبرا بعض التغييرات فى نمط الحفل، حيث يكون الجزء السماعى فى حفلات المسارح أكبر من حفلات الموالد، هذا بخلاف نوعية الجمهور فى حفلات المسارح والتنظيم والهدوء الذى يكون سائدا فى هذا المكان.

 لماذا لم تغن لأم كلثوم رغم قولك إنها خارج المنافسة؟

السيدة أم كلثوم حالة نادرة فى حياتنا، ولا يستطيع أحد أن يصل إلى ما كانت عليه مما منحها الله من جمال الصوت وبراعة الأداء وروعة الإحساس والشعور، فهى حالة خاصة لا تقلَّد، فمن يملك الجرأة والمقدرة ليضيف إلى ذلك الصوت؟.. هل يستطيع أحد أن يأتى بجديد أو أن يتفوق عليها؟.. هذا من رابع المستحيلات، فهى بالفعل خارج المنافسة.

 لمن تسمع من القدامى والمنشدين الحاليين.. ومن الصوت المفضل عندك من القراء أو المنشدين الحاليين؟

أستمع لكل كلمة تسمو بروحى وتهذب وجداني، فأستمع لكبار الشيوخ من المقرئين والمبتهلين مثل الشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ المنشاوى والشيخ عبدالباسط عبدالصمد وكبار رموز دولة التلاوة فى مصر، وكذلك أساطين المنشدين والمبتهلين مثل الشيخ على محمود والشيخ طه الفشنى والشيخ نصر الدين طوبار والشيخ النقشبندى وجميع المنشدين القدامى والمعاصرين، فأينما وجدت الكلمة الصادقة فأنا أسيرٌ لها ومنصت إليها.

 هل تضيف لكلمات القصائد من عندك.. وهل الإضافة تخضع لحالة الاندماج مع القصيدة أم بداية أثناء القراءة؟

أحيانا أستأذن من أصحاب الكلمة وأغير بعض الكلمات أو أستبدل كلمة بكلمة، لكن يبقى الإطار العام للقصيدة والمعنى الإجمالى من كلام السادة الصوفية، وأحيانا تحدث عندى انتفاضة روحية تصدر عنها بعض الكلمات لكنى لا أسميها شعرا، ولا أعدها من عداد الشعر، لكنها كلمات تعبر عن شعور معين، ومن ذلك هذه الكلمات التى تقول:

لغة القلوب أنينها قد ذابنى.. وقض منى مضجعى وعزيمتى

لم أستطع أنظر إليه ممعنا.. فله ثنايا أحرقت لى سجيتى

بئس الحياة وليس فيها نديمها.. فبأى حال تمر هذى يا شقوتى

أوما خلقت لكى أحب وأجتنى.. منها السماحة والشقاء لراحتى

تلك الليالى مع الأحبة فيضها.. عم الوجود وزال كل ضغينة.

 هل تشعر بالفخر كونك أحد المغيرين لعالم الإنشاد فى مصر.. وكون الإنشاد أصبح لكل الناس بعد أن كان للنخبة والصفوة فقط؟.. وهل يمكن أن تجرب الإنشاد بدون موسيقى؟

أستغفر الله فكل ما أنا فيه فضل وكرم من الله – سبحانه وتعالى – والإنشاد الدينى كان وما زال وسيظل قائدا ورائدا وقادرا على الاستمرار والمنافسة رغم صعوبة الظروف، بفضل المخلصين من القائمين عليه، وبفضل الكلمة الصادقة التى نتعامل معها وننشدها، وبفضل الله أصبحت للإنشاد الآن قاعدة عريضة من المحبين ويزداد رواده وعشاقه يوما بعد يوم، لما يجد فيه المتلقى من راحة نفسية وخروج من كثافة المادة إلى السمو الروحانى الذى يجدونه فى الاستماع والتفاعل مع الإنشاد الديني.

 هل الناس يعرفون معانى الكلمات التى هى باللغة العربية فى قصائدك أم يندمجون مع الصوت والحالة؟

الناس يتفاعلون مع مدلول الكلمة وأسرارها، وإن لم يعرفوا المعنى الحرفى لها، لكن الحالة التى تسيطر على المحبين عند سماع الإنشاد نتيجة اندماج الكلمة الصادقة واللحن العذب مع صدق إحساس وشعور المنشد، هى التى تُحدث هذا التفاعل وهذا الاندماج، حتى وإن اختلفت الثقافة أو اختلفت اللغة بل حتى وإن اختلفت الديانة.

 لماذا تفضل الصعيد والقاهرة أحياناً فى حفلاتك ولياليك دون وجه بحرى؟

لا أفضل مكانا على مكان، أو بلدا على بلد، فكل البلاد لنا فيها بفضل الله أحباب وإخوة فى الله ومحبون صادقون، فالكلمة بفضل الله تجوب جميع البلاد سواء فى الصعيد أو الوجه البحرى أو حتى خارج القطر المصرى للبلاد العربية والأجنبية، فالكلمة هى الرائدة وهى التى تصل بحاملها إلى كل مكان أراد الله أن يصل إليه على وجه البسيطة.

 حدثنى عن أولادك.. ومن يغنى منهم ومن لا يُغني.. وبماذا تنصحهم وهل تستمع لهم؟

الحمد لله أكرمنى الله وأنعم على بنعمة الأبناء والذرية وأسأل الله أن يجعلهم ذرية صالحة، أما عن علاقتى بأبنائى فأنا اعتبر نفسى بينهم كأخ أو ضيف وصاحب وحبيب لهم، وهى علاقة أبوة طبيعية تشملها المودة والمحبة والحمد لله. ومنهم من سلك طريق الإنشاد الدينى. وأسأل الله أن يجعل لنا ولهم وللجميع نصيبا من القبول ورصيدا فى قلوب العباد، وأنا أسأل الله لأبنائنا جميعا التوفيق والسداد وأن يوفقهم الله إلى ما يحب ويرضى.

 	أميرة حمدى

أميرة حمدى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من حوارات

اسامة رسلان: تحويل المساجد إلى مراكز إشعاع دينى وتربوي في رمضان

حملات موسّعة على المساجد.. لتوفير بيئة ايمانية لضيوف الرحمن نتعامل مع الزوايا بمنطق التنظيم لا الإقصاء.. ونعمل على منع تسلل...

مدير الإدارة العامة للمجازر:أسواق لحوم والدواجن تحت السيطرة

تحرير محاضر ضد اسماء معروفة فى سوق الجزارة.. وضبط لحوم فاسدة فى الشوادر الشهيرة التفتيش البيطرى يغطى انحاء الجمهورية.. وحملات...

مساعد وزير التموين: مخزون السلع آمن.. و «أهلاً رمضان» مظلة حماية للمواطن

نطمئن المواطنين بأن السلع الأساسية متوافرة والوزارة تتابع الأسواق بشكل مستمر « المجتمعات الاستهلاكية» أحد أذرع الدولة لتوفير السلع بأسعار...

لبنى ونس: عودة «قطاع الإنتاج» هو الحلم الذى كنا ننتظره لسنوات طويلة

ماسبيرو سيظل دائما منارة ومنبعا للأعمال الدرامية ذكرياتى فى التليفزيون المصرى لا تنسى