إذاعيون كبار صنعوا مجد الإعلام المصرى بالميكروفون

أول من سمعه الناس هو المذيع أحمد سالم صاحب شعار «هنا القاهرة» ظهرت شبكة «صوت العرب» على خريطة البث فى عام 1953 وكانت مهمتها الأساسية هى دعم الثوار فى الأقطار العربية الشقيقة الواقعة تحت الاستعمار الفرنسى والإنجليزى فى أفريقيا وآسيا إلاذاعى الكبير فهمى عمر شهد لحظة دخول «السادات» مقر «الإذاعة» فى شارع الشريفين لإلقاء البيان الأول للثورة

الإعلام فى أوائل القرن كان مهمة "الإذاعة" أو "الراديو"، وكان الإذاعيون ينقلون رؤى الدولة المصرية إلى المصريين والعرب، بحرفية وموهبة، فأصبح الراديو محور اهتمام الناس، وأصبحت البرامج التى يقدمونها محفوظة فى عقول جماهير الإذاعة فى مصر، والوطن العربى.. هنا نحاول أن نروى جانباً من تاريخ الإذاعة وتاريخ الروّاد الذين صنعوا مجد الإعلام المصرى وأسسوا مدرسة أسهمت فى بناء الإذاعات العربية من المحيط إلى الخليج.

  • كانت "الإذاعة" حاضرة فى حياة الشعب المصرى منذ عشرينيات القرن العشرين، لكنها لم تكن حكومية، كانت أهلية، تملكها الأحزاب ويملكها الأفراد، وكانت أداة للحروب ووسيلة للترويج للسلع والأفكار، ومن طرائف المرحلة الأهلية من تاريخ الإذاعة أنها كانت فى أيدى تجار المخدرات، يستخدمونها فى التهريب والتحذير والتنسيق، فأغنية "ليلى مراد" التى تقول فيها "الجو رايق وصافى والبحر موجه موافى" تعنى أن "البوليس" غير منتبه، وأن الوقت مناسب لنزول البحر واستلام البضاعة، وغيرها من الأغانى كان يستخدمها تجار السموم فى قتل الشباب، حتى تم التعاون بين الحكومة المصرية وشركة "ماركونى".. وكانت "الإذاعة اللاسلكية للحكومة المصرية" خطوة كبيرة فى اتجاه نقل المجتمع من حالة الفوضى الإعلامية إلى حالة الاستقرار والتنظيم والتوظيف الواعى لهذه الوسيلة الخطيرة، وكان اليوم الأول لافتتاح إرسال "الإذاعة الحكومية" يتضمن تلاوة للشيخ محمد رفعت، وقرأ آيات من سورة "الفتح" على "الهواء"، فلم تكن هناك أجهزة تسجيل، وكان أول من سمعه الناس هو المذيع "أحمد سالم" صاحب شعار "هنا القاهرة" الذى ما زال مستمع ـ اليوم ـ يسمعه من مذيعى البرنامج العام "الشبكة الرئيسية"، لكن ما هى حكاية أحمد سالم؟.. إنها حكاية عصر "الأعيان" ملّاك الأراضى الزراعية، وهم أصحاب الثروة فى المملكة المصرية، وكان "أحمد سالم" ابن عائلة غنية فى محافظة الشرقية، بالتحديد فى "أبوكبير"، ودرس فى جامعة "كامبريدج" فى بريطانيا، وتخصص فى هندسة الطيران، وجاء من "لندن" وهو يقود طائرته الخاصة، ومن الإذاعة إلى "بنك مصر" انتقل "أحمد سالم" وكان من مؤسسى "استوديو مصر" التابع لشركة مصر للتمثيل والسينما التى يملكها البنك الذى تأسس فى ظل النهضة السياسية الوطنية التى عاشها المصريون فى رحاب ثورة 1919، وكانت للفنان المغامر "أحمد سالم" قصص حب مع "أسمهان" و"تحية كاريوكا" و"مديحة يسرى" انتهت بالزواج، لكن كل واحدة منهن لم يطل بها المقام فى بيته، وكانت فترات "الحياة الزوجية" التى عاشها قصيرة، ومات فى سن مبكرة، لكن المتخصصين فى الإذاعة يذكرونه باعتباره من جيل الروّاد فى الإذاعة المصرية.
  • فى حقبة التأسيس عرف جمهور الراديو المصرى أصواتاً مؤثرة ولها قدرة على اقتحام الآذان والقلوب، من هؤلاء الإذاعى "محمد فتحى" الذى منحته الصحافة الفنية لقب "كروان الإذاعة"، وكان له حضور كبير فى الحياة الفنية، بقدر ما كانت الإذاعة المصدر الجديد والقوى للثقافة والترويح عن النفس.. ومن الذين جعلوا الدراما الإذاعية عنصراً مهماً من عناصر "خريطة الإذاعة" بعد الغناء والنشرة السياسية والأحاديث الإذاعية، السيد بدير، ومحمد توفيق، ومن محافظة الشرقية، قرية "أبوالشقوق"، جاء السيد بدير ليصبح نجماً فى كتابة الدراما الإذاعية، والسيناريوهات السينمائية، والتمثيل والإخراج، لكنه احتل "القمة" فى مجال الكتابة الدرامية الإذاعية، وهو صاحب آلاف التمثيليات، وصاحب برنامج مشهور، قدمته إذاعة البرنامج العام فى ثمانينيات القرن العشرين، وكان هو مخرجه، وكاتبه هو "يوسف عوف" الذى اشتهر من خلال فرقة "ساعة لقلبك" وهى فرقة قدمت "الكوميديا" على موجة الإذاعة، واشتهرت.. لكن السيد بدير كان من الجيل المؤسس ولم تنقطع علاقته بالميكروفون حتى وفاته فى 30 أغسطس 1986.

ولم يكن الفنان محمد توفيق أقل تأثيراً من السيد بدير، فهو من عائلة وطنية لها تاريخ حافل فى مقاومة الاحتلال البريطانى ومقرها طنطا عاصمة محافظة "الغربية واسمها "العجايزة".. والواحد منهم "عجيزى".. وجاء "محمد توفيق" واستقر فى "حلوان" بالقاهرة، والتحق بكلية الآداب، ودرس اللغة الإنجليزية، واهتم بالتمثيل والمسرح، ودرس الدراما فى جامعة بريطانية، وعمل فى القسم العربى فى "هيئة الإذاعة البريطانية"، وعاد ليتولى مسئولية الدراما فى الإذاعة، وأخرج عدة تمثيليات مهمة منها تمثيلية "عبدالله النديم" وكل الدراما التى واكبت معارك الوطن فى مرحلة ما بعد إلغاء معاهدة 1936 ونهاية الملكية وانتصار "الضباط الأحرار" وقيام ثورة يوليو 1952 بإعلان الجمهورية، ثم قيامها بتأميم القناة، ووقوع العدوان الثلاثى على مصر.. وكان الإذاعى "عمر بطيشة" صاحب فضل على المستمعين عندما أعاد إذاعة الأعمال الدرامية التى أخرجها محمد توفيق والتى أخرجها غيره، فكانت دراما وطنية لها دور مهم فى إشعال الحماسة فى قلوب الجماهير، وكانت متمتعة بكل أسباب النجاح، لأنها من إبداع مخرجين ومؤلفين وممثلين مبدعين وموهوبين ومؤمنين بما يقدمونه للشعب فى مرحلة فاصلة ودقيقة من تاريخه السياسى.

 دُفعة النحاس باشا

  • كانت آخر حكومة للوفد فى عام 1950 بعد فوز الحزب العريق بأغلبية برلمانية، جعلته يسعى نحو الجماهير ويعمل على تحقيق "الأمانى الوطنية" وهى جلاء الاحتلال البريطانى وتحقيق الديمقراطية والقضاء على الفوارق الاجتماعية، وكانت الإذاعة مواكبة لخطوة إلغاء معاهدة 1936، وكانت مواكبة لحرب الفدائيين فى مدن قناة السويس، وكانت تقدم صوراً مسجلة للصراع المشتعل بين الشعب والاحتلال، وكانت تقوم بدور المحرض على المقاومة، وكان فريق من الإذاعيين الشبان التحق بالإذاعة منهم "طاهر أبوزيد وجلال معوض وتماضر توفيق".. وفى الفترة ذاتها التحقت بالإذاعة "أبله فضيلة" وتولت تقديم برامج الأطفال بتشجيع من "بابا شارو" وهو نفسه الإذاعى "محمد محمود شعبان".. وكانت السيدة قرينته "صفية المهندس" التحقت بالإذاعة قبل هذه المجموعة بسنوات، وهى أولى الفتيات المتخرجات فى الجامعة المصرية "كلية الآداب ـ قسم اللغة الإنجليزية" التى اختارت "الميكروفون" واختارها، وكما رشح طه حسين زوجها "بابا شارو" للعمل فى الإذاعة، رشحها أيضاً، وهى من عائلة وهبت نفسها للغة العربية والثقافة والفن.. وخلاصة القول إن هؤلاء الإذاعيين الذين أطلق عليهم "دُفعة النحاس باشا" كانوا "الأساتذة" الذين قامت على أكتافهم المعركة الإذاعية الكبرى بين "الإذاعة المصرية" والإذاعات المعادية لتوجهات ثورة يوليو فى الداخل والخارج.
  • والقصد هنا القول إن "الجامعة" التى كان اسمها جامعة فؤاد الأول، منحت " الإذاعة " خريجيها وخريجاتها، فى لحظة صراع سياسى بين الشعب المصرى وقوى الاستعمار، وكان هؤلاء على مستوى المسئولية الوطنية والمهنية، فأداروا الصراع بنجاح وقوة، وصنعوا مجد "الإعلام المصرى" الذى كان يعنى فى تلك الفترة "الإذاعة " وحدها، فلم تكن مصر دخلت عصر التليفزيون، رغم وجود تجارب تمت فى سنوات ما قبل ثورة يوليو، وكان "على الراعى" هو المذيع المنتدب من الإذاعة المصرية للقيام بالتجارب "تجارب البث" التى قامت بها شركة فرنسية، والذين يشاهدون "يوتيوب" سوف يجدون شريطاً تليفزيونياً يثبت هذه التجارب، ومن آثار هذه الفكرة أن الشركة الفرنسية صوّرت الزفاف الملكى "زواج فاروق وناريمان" وظهر فيه مصطفى النحاس والملك والملكة وأعضاء حكومة الوفد الأخيرة، وهنا لا بد من التوقف أمام اسم " على الراعى" فهو "دكتور على الراعى" مقدم البرامج فى الإذاعة المصرية، وهو الناقد المسرحى المعروف، وانتقل من "دار الإذاعة " إلى رئاسة هيئة الموسيقى والمسرح فى عام 1965 بقرار جمهورى من الرئيس عبدالناصر.

 صوت العرب

  • عندما نذكر "صوت العرب" فالذى يتبادر إلى الأذهان شبكة صوت العرب، وهى إحدى شبكات الإذاعة المصرية، ومعروف أنها ظهرت على خريطة البث فى عام 1953 وكانت لها مهمة كبرى هى دعم الثوار العرب فى الأقطار الشقيقة الواقعة تحت الاستعمار الفرنسى والإنجليزى فى أفريقيا وآسيا، لكن هناك معنى آخر لقولنا "صوت العرب" هو أن الإذاعيين المصريين هم الذين تولوا تأسيس الإذاعات العربية فى البلدان الشقيقة، ورغم أن هؤلاء الروّاد هم الذين علّموا الإذاعيين فى الإذاعات العربية الوليدة، فإن البعض يتنكّر لهذا الدور المهم، وهو دور - 11 - مكمّل للدور الذى قام به "المعلمون المصريون" فى سنوات ما بعد خروج الاستعمار من الأقطار العربية، فكانت "الإذاعة" هى المدرسة التى تولت تثقيف وتوعية الشعب فى ظل ارتفاع نسبة الأمية، وكان "المعلم المصرى" يقوم بدوره "القومى" فى تربية وتعليم أشقائه فى اليمن وقطر والبحرين وليبيا والسعودية والسودان، وأتيحت لى فرصة السفر إلى دولة قطر فى عام 1996 وشهدت على الدور الذى يقوم به الإذاعيون المصريون فى إذاعة قطر، وكان من هؤلاء الإذاعى الكبير محمد الجوهرى وعدد من إذاعييى صوت العرب، وكانوا يقومون بأدوارهم على أكمل وجه وبمحبة للشعب الشقيق فى قطر.
  • كان من رجال حقبة الخمسينيات من القرن العشرين إلاذاعى فهمى عمر ـ متعه الله بالصحة والعافية ـ وهو الذى شهد لحظة دخول "السادات" مقر "الإذاعة" فى شارع الشريفين، مكلفاً من " عبدالناصر" ـ قائد الثورة ـ بإلقاء البيان الأول للثورة فى صباح يوم الأربعاء 23 يوليو 1952 ـ وكان "فهمى عمر" هو المسئول فى ذلك اليوم عن افتتاح البث الإذاعى.. والإذاعى "طاهرأبوزيد" لمع نجمه فى الفترة ذاتها وله برنامج مشهور "جرّب حظك" من أوائل البرامج الجماهيرية التى كانت الإذاعة تعتمد فيها على جمهور، وتقوم فكرته على تقديم أصحاب المواهب واكتشاف المبدعين، وكان طاهر أبوزيد تولى مسئولية "إذاعة الشرق الأوسط" وحقق نجاحاً ملحوظاً، وكان من المشاركين فى تقديم البرامج الجماهيرية على شاشة التليفزيون فى بداياته، فقدم برنامجه "رأى الشعب" بعد نجاحه على موجة الإذاعة، وهو متخرج فى كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية، وعمل "مُحضرمحكمة" وكانت شهادته هى "التوجيهية" ـ الثانوية العامة فى الوقت الراهن ـ لكن أحد القضاة شجعه وسهّل له الجمع بين العمل والدراسة، وبعد حصوله على الليسانس التحق بالإذاعة وصار نجماً من نجومها الكبار.

 مدرسة الوطنية

  • يقولون إن المسرح هو "مدرسة الشعب" وهذا صحيح، لكن " الإذاعة قدمت المسرح للملايين من المستمعين فى كل مكان، فجعلت رسالة المسرح تصل إلى الناس، وهى نفسها تولّت تعليم الشعب، كانت إذاعة الشعب، تقدم برامج تعليمية لطلبة الشهادات "الابتدائية والإعدادية والثانوية" وتقدم برنامجاً استهدف محو الأمية قدمه الإذاعيان عبدالبديع قمحاوى وعايدة شكرى.. وكانت إذاعة البرنامج العام تعيد إذاعته فى اليوم التالى ليصل إلى كل أنحاء الجمهورية، لأن موجة "إذاعة الشعب" كانت ضعيفة، يصعب التقاطها بأجهزة الراديو فى المناطق الجنوبية والغربية القريبة من الحدود، وكانت الإذاعة تقدم البرنامج الجميل "ركن السودان" قبل إنشاء إذاعة وادى النيل، والمعنى المقصود أن الوطنية المصرية كانت الهدف الإستراتيجى الذى يحرك الإذاعيين، والوطنية تشمل الإيمان بالعروبة، ووحدة الشعوب العربية، وتشمل الانتماء للقارة الأفريقية، ومعروف أن الإذاعة المصرية تبث برامجها وفق نظرية الدوائر الثلاث "العربية والأفريقية والإسلامية" ومضامين برامجها وخدماتها الإذاعية ما زالت تعمل وفق هذه النظرية.

• وفى النهاية من المهم التأكيد على أننا لم نذكر كل الإذاعيين الكبار، فالمجال لا يتسع لذكر كل هؤلاء، لكن قبل الختام من المهم أن نذكر الإذاعى سعد لبيب مؤسس "البرنامج الثانى" ـ البرنامج الثقافى الحالى ـ فقد استطاع فى عام 1957 أن ينقل الإذاعة إلى بيوت النخبة المثقفة، ويجعل ميكروفون الإذاعة "جامعة" مجانية تدرس للجماهير والنخبة بهدف رفع الوعى وتهذيب الشخصية والمساهمة فى تحقيق التنمية والتقدم، وما زالت الإذاعة المصرية تؤدى دورها، وما زال تراثها البرامجى والغنائى والدرامى يعيش فى وجدان الشعب المصرى والشعوب العربية الشقيقة.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

ذكرى تأميم قناة السويس
الإذاعة المصرية تفوز بجائزتين فى المهرجان العربى للإذاعة والتليفزيون ب
أسامة عبدالمقصود
التليفزيون المصرى.. صـــــوت الشعب فى كل الأحداث
شيرين
إحسان عابد: الإذاعة لم تعد وسيلة ترفيه
حامد جوهر: البحر موسوعة علمية تعلمت منها الصبر والمثابرة
أحمد فراج: أبرز عيوبى ضعف الإيمان

المزيد من اعلام

صبحى يعود بالمسلسل الإذاعي "مرفوع مؤقتا من الخدمة"

استقبلت استوديوهات الإذاعة المصرية بماسبيرو الفنان الكبير محمد صبحي في أول أيام تسجيل المسلسل الإذاعي الجديد مرفوع موقعاً من الخدمة،

«أكلة أمى» و «المسحراتى» على الأولى

قالت منال الدفتار، رئيس القناة الأولى، نلتقى يوميا في رمضان مع برنامج «أكلة أمى»، ويتم تقديمه بشكل جديد على شاشة...

«أمى وأفتخر» عبر أثير «صوت العرب»

انتهت الدكتورة منال العارف من تسجيل حلقات سهرة «أمى وأفتخر» التي ستذاع خلال شهر رمضان المبارك على موجات صوت العرب،

«العشاء والتراويح» يومياً على الأولى والفضائية من الأزهر

وافق رئيس التليفزيون محمد الجوهري على خطة الإدارة المركزية للبرامج الدينية خلال الشهر الكريم التي تضمنت العديد من البرامج والفعاليات...