من دراما الشاشة إلى حكايات الأزقة الحقيقية الوجه الآخر لـ «حارة اليهود»

مشاهيرها كاميليا وليلى مراد وتوجو مزراحى وراقية إبراهيم ونجمة إبراهيم ونجوى سالم وعبد الناصر حى كامل يتجاوز الأساطير ويحفظ ذاكرة القاهرة

 

حين عرض مسلسل "حارة اليهود" قبل سنوات قليلة، أثار جدلا واسعا، إذ سلط الضوء على حى قديم فى قلب القاهرة ارتبط اسمه بواحدة من أكثر الطوائف إثارة للجدل فى التاريخ المصرى. المسلسل فتح بابا للناس ليسألوا هل هذه الحارة مجرد زقاق صغير؟ وهل عاش فيها اليهود وحدهم؟ وما سر وجودها وسط نسيج القاهرة الشعبى؟

لكن الحقيقة، التى تكشفها كتب التاريخ وذاكرة المكان، تبدو أكثر ثراء وتعقيدا بكثير مما قدمته الدراما. فـ"حارة اليهود" ليست مجرد حارة ضيقة كما يوحى اسمها، بل كانت حيا كاملا نابضا بالحياة، تشكل من مئات الأزقة، وضمت بداخلها مسلمين ومسيحيين ويهودا عاشوا جنبا إلى جنب، تقاسموا الأفراح والأحزان، وتشاركوا فى التجارة والمصالح والجيرة، حتى صارت الحارة نموذجا للتسامح والتعايش الدينى فى مصر.

يعود تاريخ تأسيس هذه الحارة إلى منتصف القرن التاسع عشر، وتحديدا عام 1848، تاريخ إنشاء شارع الموسكى التجارى ذاته، أى منذ 177 عاما، حيث تقع حارة اليهود بالقرب من  شارع الموسكى، أحد أهم الشرايين التجارية فى القاهرة. موقعها بالقرب من حى الجمالية، حيث يلتقى التاريخ بالعمارة الإسلامية، وجرى تقسيمها إلى شياختين واحدة لليهود الربانيين، وأخرى لليهود القرائين، فى وقت كانت فيه الطائفة اليهودية المصرية من كبرى الطوائف فى العالم العربى وأكثرها نفوذا اقتصاديا.

ولم يكن هذا الحى صغيرا، بل امتد ليضم نحو 360 شارعا وحارة، تتخللها بيوت متلاصقة وأزقة ضيقة متعرجة، بعضها لا يتسع إلا لشخص واحد، ومن بين هذه الأزقة تفرعت شوارع أكبر قليلا، لتحتضن الورش والمحال التجارية، حيث تختلط أصوات الباعة بروائح التوابل والجلود، وتتصاعد رائحة الخبز من الأفران الشعبية، وتختلط بالأنغام المنبعثة من أجهزة الراديو القديمة على أبواب البيوت. كان المكان يعج بالحركة نهارا، ثم يهدأ نسبيا مع حلول الليل، لكنه لا يعرف السكون التام أبدا..

ولأن الحياة اليومية كانت لا تنفصل عن التجارة، فقد تحولت الحارة إلى مركز مهم للبيع والشراء، وظلت حتى اليوم مقصدا لتجار الجملة والتجزئة من مختلف أنحاء مصر، وكذلك لأصحاب صفحات السوشيال ميديا، ويقومون بعرضها للبيع أون لاين بأسعار مبالغ فيها.. وتشتهر الحارة بمحلات الاكسسوارات، ولعب الأطفال، والذهب الصينى، إلى جانب محلات أدوات التجميل، والذهب والإكسسوارات التقليدية هذه التجارة التى بدأت بجهود سكانها من اليهود، ظلت بعد رحيلهم ركيزة حياة الحارة، وحافظت على نبضها الاقتصادى حتى اليوم، لكن سر التسمية ظل يثير الفضول. يرى البعض أن السلطات هى من أجبرت اليهود على السكن فى هذا المكان، فى محاولة لعزلهم. لكن الشواهد التاريخية الأقرب للدقة تقول إن اليهود هم من فضلوا التجمع فى هذا الحى بمحض إرادتهم، ليس فقط لارتباطهم بالأنشطة التجارية فى الموسكى والصاغة، ولكن أيضا لتيسير ممارسة شعائرهم الدينية، خاصة أن بعض طقوس السبت تحتاج إلى جماعة لا أفراد متفرقين.

وقد بلغ عدد معابد الحارة فى ذروة ازدهارها ثلاثة عشر معبدا، لم يتبق منها اليوم سوى ثلاثة فقط، أبرزها معبد "موسى بن ميمون"، نسبة إلى الفيلسوف والطبيب الشهير فى القرن الثانى عشر، الذى عاش بالقاهرة وترك أثرا فى الفكر الدينى والفلسفى. إلى جانبه معبد "أبو حاييم كابوسى" فى درب نصير، و معبد "بار يوحاي" فى شارع الصقلاوية. هذه المعابد لم تكن مجرد أماكن للعبادة، بل كانت مراكز اجتماعية وثقافية، تشهد لقاءات واحتفالات وتجمعات للطائفة.

ومع ذلك، لم يكن السكن فى الحارة مقصورا على اليهود، بل عاش بينهم المسلمون والمسيحيون، وشهدت الأزقة تبادل الأطعمة فى المناسبات الدينية، وزيارات الجيران فى الأعياد، ومشاركة حقيقية فى تفاصيل الحياة اليومية. كان التعايش أقوى من أى انقسام طائفى. وكان لرخص ثمن السكن بها يفضلها اليهود من ذوى الدخل المحدود لقربها من عملهم، إما فى الصاغة أو شارع الموسكى، بل إن الكثيرين من اليهود الذين تحسنت أحوالهم المعيشية غادروا الحارة إلى أحياء أكثر رقيا، مثل عابدين وباب اللوق والعباسية، دون أن يمنعهم أحد، مما ينفى تماما فكرة أن الحارة كانت سجنا مغلقا عليهم، وبسبب تجمعهم بشكل مكثف واختيارهم السكن فى هذا الحى أطلق عليه اسم حارة اليهود.  

ومن بين حواريها وأزقتها خرجت أسماء بارزة فى السياسة والفن والاقتصاد. الرئيس جمال عبد الناصر نفسه قضى طفولته فى منزل بحارة عدس فى الخرنفش، الملاصقة لحارة اليهود. ومن بين أبنائها أيضا يوسف أصلان قطاوى باشا، وزير مالية مصر 1924 ووزير المواصلات عام 1925، ويعقوب صنوع رائد المسرح والصحافة الساخرة، إلى جانب قامات فنية تركت بصمتها فى السينما والمسرح: كاميليا، وليلى مراد، وتوجو مزراحى، وراقية إبراهيم، ونجمة إبراهيم، ونجوى سالم. هؤلاء الفنانون أسهموا فى صنع العصر الذهبى للفن المصرى، و ارتبطت أسماؤهم دائما بالذاكرة الشعبية.

ورغم هجرة أغلب اليهود المصريين فى أربعينيات القرن الماضى، سواء إلى إسرائيل أو أوروبا أو الولايات المتحدة، ظلت الحارة محتفظة باسمها ومكانتها. تحولت معابدها إلى شواهد صامتة، لكن تجارتها ازدهرت أكثر، حتى أصبحت اليوم واحدة من أهم أسواق القاهرة الشعبية، يقصدها كل من يبحث عن أسعار مناسبة أو بضائع متنوعة.

وما يدهش الزائر اليوم أن الحارة ما زالت تحافظ على تقسيمها القديم، وأزقتها الضيقة المتشابكة، التى تكاد تعجز السيارات عن دخولها، لتبقى رهينة المارة والباعة وعربات الكارو الصغيرة. الأزقة هنا تحكى قصصا عن ناس عاشوا زمنا طويلا فى هذه البقعة، عن أطفال لعبوا فى طرقاتها، ونساء جلسن أمام الأبواب لتبادل الأحاديث، ورجال تناقشوا فى أمور السياسة والتجارة وهم يحتسون الشاى على مصاطب المقاهى الشعبية.

وهكذا، تحولت "حارة اليهود" إلى شاهد حى على قدرة المكان على تجاوز حدود الزمن. فمن حى دينى متنوع، إلى مركز تجارى نابض، إلى أيقونة درامية وأدبية. والاسم، رغم كل التغيرات، ما زال حاضرا فى وجدان الناس، يحرك فيهم الفضول لمعرفة ما وراء الجدران وما بين الأزقة التى ضاقت يوما بجيران من أديان مختلفة، لكنهم عاشوا معا كأنهم عائلة واحدة.

 	عايدة محسب

عايدة محسب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات

ما وراء المنصة: استراتيجيات الأرشفة الرقمية في استدامة التعليم عن بعد

عندما نتحدث عن "التعليم عن بعد"، تذهب العقول فوراً إلى شاشات "الزووم"، ومنصات التدريس، والفصول الافتراضية. لكن الحقيقة التي نواجهها...

سائق توكتوك يتطوع بتوصيل المرضى مجاناً

عيد عبد الفتاح: معادن الناس تظهر فى الأزمات

الاستهانة بالحروق المنزلية تؤدى لكارثة

الحرق لا يحتاج إلى لهب ضخم ولا صافرة إنذار حتى يترك أثرًا. أحيانا يبدأ كل شيء في لحظة عابرة داخل...

الحقيقة الغائبة وراء شائعة انتشار فيروسات تقضى على الأطفال الرضع

لم تنته بعد شائعات زيادة أعداد إصابة طلبة المدارس ونسب الحجز بالمستشفيات بسبب الفيروسات التنفسية، إلا ولحقتها أحاديث أخرى حول...