مناقشة رسالة ماجستير فى دار العلوم بجامعة القاهرة للباحثة آلاء أشرف

المكان بطل رئيسى فى البناء الدرامى لروايـات وقصص عبد الوهاب الأسوانى

الباحثة آلاء أشرف عثمان صلاح حصلت على درجة الماجستير من قسم البلاغة والنقد الأدبى والأدب المقارن بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة، وموضوعها "المكان فى الأعمال السردية عند عبد الوهاب الأسوانى".

الرسالة أشرف عليها الدكتور أحمد إبراهيم درويش ـ أستاذ البلاغة والنقد الأدبى والأدب المقارن بالكليةـ والدكتور أحمد رجب حجازى.

أوضحت الباحثة فى رسالتها أن ما استوقفها خلال قراءة أعمال الكاتب الكبير عبد الوهاب الأسوانى هو الحضور الطاغى للمكان، ليس بوصفه إطارًا جامدًا أو خلفية صامتة، بل باعتباره قلب التجربة السردية النابض، فالمكان عند الأسوانى   كائن حى يتفاعل مع الشخصيات، يوجّه مصائرها أحيانًا، ويقيد حركتها أو يفتح أمامها آفاقًا جديدة أحيانًا أخرى، وبذلك يرسّخ الأسوانى قناعة مفادها أن القصة لا يمكن أن تكتمل عناصرها إلا بوجود بيئة مكانية قادرة على استيعاب الشخصيات والأحداث والزمن معًا فى نسيج واحد، وترى الباحثة أن المكان فى السرد ليس مجرد تفصيل ثانوى، بل هو أداة أساسية تمنح النص مصداقية وتجعل أثره ممتدًا فى ذهن القارئ، فالقارئ لا يتذكّر الأحداث والشخصيات فقط، بل يتذكّر البيوت التى تحركوا فيها، والقرى التى احتضنتهم، والشوارع التى شهدت تحولاتهم، و المكان فى سرد الأسوانى شاهد على التجربة الإنسانية بكل ما تحمله من صراعات وأحلام.. إذ يُعدّ المكان أحد المكوّنات الجوهرية فى النصوص السردية، لما يحمله من دلالات متنوّعة وعلاقات متشابكة تربط الإنسان بفضائه المكانى، فالمكان والإنسان يتبادلان التأثير والتأثر، فتارةً يتجاوبان فى انسجام، وتارةً أخرى ينفصلان فى مسافة من التوتر أو الاغتراب، ومن هذا المنطلق، يُمكن القول إن حضور المكان لا يقتصر على كونه إطارًا خارجيًّا للأحداث، بل هو امتداد طبيعى لحياة الإنسان، ومرآة تُجسّد تجاربه اليومية، وتُعمّق وعيه بالواقع. ولا يقف دور المكان عند حدّ تشكيل الخلفية للأحداث، بل يتعدّاه ليكون قوة فاعلة فى تحريك الشخصيات وإضفاء الحيوية عليها، سواء أكانت تلك الشخصيات مُستمدة من تجارب واقعية أم من عوالم متخيّلة، فالمكان يوفّر البيئة التى تتفاعل فيها الشخصيات، ويؤثر فى سلوكها واختياراتها، كما يُسهم فى تكامل النص عبر اندماجه مع الزمن والأحداث فى بناء محكم، يجعل القصة أكثر صدقًا وقدرة على التأثير، ومن ثمّ يصبح المكان عنصرًا محوريًّا يُضفى على النص السردى عمقًا وواقعية، ويمنح القارئ تجربة أكثر رسوخًا واستمرارية بعد القراءة، وتقول الباحثة ـ آلاء أشرف  إنها اختارت أعمال عبد الوهاب الأسوانى ميدانًا للدراسة نظراً لما تميزت به من عناية خاصة بالمكان الذى احتل موقعا مركزيا فى نصوصه الروائية والقصصية، ولم يكن مجرّد عنصر ثانوى، بل دخل فى حوار ثقافى واجتماعى مع الشخصيات والأحداث وتضيف الباحثة: الأسوانى يُمثّل نموذجًا للكاتب الذى عبّر عن إقليمه المحلى   وكل رواياته وقصصه القصيرة تحمل دلالات ثقافية وأيديولوجية عميقة، جعلت من المكان أداة لفهم المجتمع المصرى وتحولاته، حيث برع  الكاتب فى تحويل بيئته المحليّة إلى نافذة تُطل على القضايا الإنسانية الكبرى، متجاوزًا حدود الجغرافيا الضيّقة نحو معالجة فنية أكثر شمولًا وعمقًا، ما يجعل تجربته السردية جديرة بالبحث والتأمل النقدى، و تَميّز الروائى والقاص عبد الوهاب الأسوانى بتصوير البيئة الأسوانيّة التى بدت غريبة وغير مألوفة لقرّاء القاهرة، حيث انعكس ذلك على أسلوبه الذى احتوى  ألفاظاً وتعابير مستمدة من هذه البيئة، وقد منح هذا التفرّد أعماله نكهة خاصة وخصوصية فى الرؤية الفنية، إلى جانب تنوّع الموضوعات والقضايا التى تناولها، سواء ما كان ظاهرًا منها أو كامناً فى أعماق النص وعلى سبيل المثال نجد فى رواية «سلمى الأسوانية»،- وهى أولى روايات مشروعه السردى،  العادات والتقاليد المحلية التى تمثل قوة فاعلة تُهيمن على شخصيات الرواية، ليصبح المكان مرآة للموروث الشعبى ومنبعًا لملامح الشخصيات المهمَّشة.

 مشروع سردى خصب

وحول الأسباب التى دعتها لاختيار مشروع عبدالوهاب الأسوانى ليكون موضوعاً لرسالتها تقول الباحثة آلاء أشرف:

اختيار عبد الوهاب الأسوانى لم يكن اختيارًا عشوائيًا، بل نابعًا من إدراك الباحثة لقيمة هذا الأديب، الذى برع فى توظيف بيئته المحلية – بيئة الصعيد المصرى – لتكون نافذة على قضايا إنسانية كبرى، فقد تجاوز حدود المكان الضيق، ليرسم من خلاله رؤية فنية عميقة للمجتمع. وفى أعماله، يحتل المكان موقع القلب من البناء الفنى، ويصبح شريكًا للشخصيات فى صياغة المعنى. بل إن الفكرة عنده ليست عابرة، بل تتأكد وتترسخ من عمل إلى آخر، لتكشف عن مشروع أدبى متماسك يحمل رؤية اجتماعية وثقافية واضحة.

أما عن الرسالة فقد جعلتها الباحثة  آلاء أشرف فى بنية متكاملة ضمّت مقدمة وتمهيدًا وثلاثة فصول رئيسية، أعقبها خاتمة شاملة، ثم قائمة مفصلة بالمصادر والمراجع، وفى التمهيد قدّمت الباحثة مدخلًا إلى النقد البيئى، الذى اختارته إطارًا نظريًا لدراسة أعمال عبد الوهاب الأسوانى، مؤكدة أن هذا الاتجاه النقدى يفتح آفاقًا جديدة لفهم العلاقة بين النصوص الأدبية والفضاء المكانى الذى تنبثق منه الدراما فى النصوص السردية، وتناولت الباحثة فى الفصل الأول أبعاد المكان وملامحه التى تكشف عن معانٍ إنسانية واجتماعية عميقة، وتناولت فى الفصل الثانى الآليات الفنية التى يوظفها الكاتب فى بناء المكان، بدءًا من التفاصيل الدقيقة للبيئة الصعيدية وصولًا إلى الرموز والدلالات التى تحملها الأماكن، وتضمن الفصل الثالث مناقشة للعلاقة بين المكان والزمن والشخصية، وتشابك هذه العناصر الثلاثة داخل البنية السردية للروايات والقصص مما يمنح النص  الروائى والقصصى تماسكه وقوته التعبيرية.

وتــوصلت البـــاحثة فى دراستها للمكان فى أعمال عبد الوهاب الأسوانى السردية إلى عدة نتائج منها.. أن المكان ليس مجرد إطار يحتوى حركة الشخوص، بل هو مفتاح لفهم المجتمع الذى تتناوله القصص والروايات و رمز للتعبير عما تعانيه الشخصيات المقهورة والمهمشة فى البيئة الثقافية والاقتصادية التى يقدمها الكاتب فى نصوصه، كما أن المكان يمثل أداة لوصف وتحليل التحولات السياسية والاقتصادية التى اهتم الكاتب برصد تفاصيلها فى فترات زمنية محددة "مثل الانفتاح الاقتصادى فى عصر السادات الذى عبرت عنه رواية النمل الأبيض" وهجرة العمال المصريين إلى عواصم دول الخليج فى سبعينات القرن العشرين، وما شهدته مدينة الإسكندرية بعد خروج الجاليات الأوربية منها فى خمسينات القرن نفسه، وما شهدته القرى المصرية فى ظل الحرب العالمية الأولى، حيث أجبرت قوات الاحتلال البريطانى الفلاحين على المشاركة فى خدمة قواته المحاربة ضمن ما أُطلق عليه اسم "فيلق العمال" أو المتطوعين، وكان من النتائج التى توصلت إليها الدراسة، اهتمام عبدالوهاب الأسوانى وقدرته الكبيرة على التعبير عن ثقافة القبائل العربية فى منطقة أسوان والتعبير عن خصوصية المكان وتاريخه وجغرافيته التى كان لها الأثر الواضح فى سلوك شخوص رواياته وقصصه القصيرة.

جدير بالذكر أن الكاتب الكبير الراحل عبد الوهاب الأسوانى له منجز روائى وقصصى تمثل فى روايات منها: سلمى الأسوانية، كرم العنب، النمل الأبيض، أخبار الدراويش، إمبراطورية حمدان، ومجموعات قصصية منها: شال من القطيفة الصفراء وغيرها، و له أعمال سردية تاريخية تناولت شخصيات إسلامية مثل: الحسين بن على وخالد بن الوليد وغيرهما، وهو من أهم أصوات السرد فى جيل الستينات الأدبى فى مصر و قبل رحيله حاز جائزة الدولة التقديرية وقبلها حاز جائزة الدولة التشجيعية وكانت أعماله محل اهتمام نقاد الأدب، نذكر منهم رجاء النقاش وفاروق عبدالقادر و آخرين فى عواصم عربية أخرى.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

أبراج المونت جلالة: أيقونة الفخامة على ساحل العين السخنة

منطقة العين السخنة واحدة من أبرز الوجهات السياحية والاستثمارية في مصر،

قصة مصورة - أبطال خارقون

لا تستغرب ليس هذان بطلان خارقان خرجا فجأة من فيلم خيالي أو قصة فانتازية إلى شوارع القاهرة

توفيق نسيم باشا.. رجل الملك فؤاد فى معركته ضد سعد زغلول

شخصيات لها تاريخ «93» والده اللواء محمد نسيم باشا انحاز إلى الخديوى توفيق ضد أحمد عرابى ورفاقه فكافأه برتبة اللواء...

هناء متولى: قصص «غرفة ضيقة» أنقذتنى

هناء متولى، روائية وقاصة شابة، أصدرت رواية "أسرار سفلية" عام 2018، حصلت على جائزة سعاد الصباح للإبداع العربي عام 2019،