تأملات صوفية فى حياة ونهايـة «الآنسة مى»

كيف حققت أديبة الشرق مقولة الإمام ابن القيم؟

توقفت كثيرا، مدهوشا ومتأملا، عند المشهد الأخير فى حياة أديبة الشرق "مى زيادة"، وهو المشهد الذى حكاه بتفاصيله الكاتب والأديب طاهر الطناحى فى كتابه القيم "الساعات الأخيرة"، الذى تحكى فصوله عن الساعات الأخيرة فى حياة المشاهير من نوابغ المبدعين..

ولأن الطناحى كان من المقربين لمى، ومن صفوة الأصدقاء الذين فتحت لهم بابها فى سنوات عزلتها الأخيرة، فإنه يروى من مقام العارف، من رأى وسمع واقترب، وشهد نهاية الجميلة التى ملأت الدنيا وشغلت الناس..

(1)

بأسلوبه جزل الألفاظ بليغ العبارة يكتب الطناحى:

"وفى منتصف ليل السبت فى الثامن من أكتوبر سنة 1941 بدأت "مى" تشعر بضيق فى التنفس، وأخذت نبضات قلبها تسرع فى الخفقان، فجعلت تصعد تنهدات أشبه بتنهدات الطفل فى حلم جميل.. سألتها الراهبة الممرضة (فى مستشفى المعادي) عما تشعر به، فلم تقو مى على الكلام، فرفعت يدها إلى صدرها وأشارت ناحية القلب أن "هذا".. أن "هذا"..

انقطع الأمل ولم يعد للأمصال من قوة.. فقد حمّ القضاء ولم يعد للطبيب البشرى من حيلة، وجاء دور الطبيب الروحانى.. نادت الراهبة الكاهن فدخل على مى فوجد نفسا جميلة مستسلمة إلى القضاء.. وفى الساعة العاشرة وخمس دقائق من صباح نهار الأحد التاسع عشر من ذلك الشهر خفق قلب مى الخفقة الأخيرة..

كانت مى فى ساعتها الأخيرة أشبه بأن تكون فى حلم جميل: بسمة الأطفال على شفتيها، وإغماضة رقيقة على جفنيها، وعلى رأسها إكليل من الورد والأزهار.. وكأنها كانت فى ساعة تأمل وتفكير.. سبحانك يا رب السماء والأرض جعلتها فى الحياة جمالا وجعلتها للموت جمالا.. وخيّل إليّ أن مى على فراش الموت تردد شفتاها قولها: إنى لا أخاف الموت ولا أخشاه، إن وراء الموت وجودا غير ملموس يُدعى السعادة، وإنى لأشعر باحتياج محرق إلى التعرف إليها والتمتع بها".

هذا ما كتبه طاهر الطناحى عن ساعة رحيل مى، وكيف استقبلت الموت ببسمة ورضا ويقين بأنها ذاهبة إلى السعادة الأبدية.. وهى النهاية التى استوقفتنى وأدهشتنى، لأنها لا تتفق ولا تستقيم مع المحنة الطويلة المريرة التى عاشتها فى أخريات حياتها، ووجدت فيها نفسها مودعة ظلما وعدوانا داخل جدران مستشفى "المجانين" لنحو ثلاث سنوات متصلة، فى تجربة مروعة كانت كفيلة أن تملأ نفسها بالسخط والمرارة والغضب على الدنيا وأهلها، لكنها رغم كل ذلك لم تغادر إنسانيتها قلبها، وظلت ابتسامة الرضا تملأ وجهها.. حتى وهى ترى شريط حياتها أمام عينيها فى لحظات حياتها الأخيرة..

أى قوة نفسية تلك التى ملأت قلب مى زيادة بالرضا والسكينة وجعلتها تتسامى فوق الغضب والمرارة ومشاعر الحقد والانتقام من هؤلاء الذين ظلموها وحولوا حياتها إلى جحيم.. كان يُضاعف من نيرانها أنها جاءت من أولى القربى!

ربما لم تقرأ مى زيادة مقولة الإمام ابن القيم: "الرضا جنة الدنيا"، ولكن المؤكد أنها طبقتها وعملت بها وقدمت درسا مدهشا فى الرضا.. الذى هو من أسطع علامات الإيمان وأرقى درجات التصوف..

يعرف المتصوفة قيمة الصبر على البلاء والرضا بالمقسوم، وهى قيمة ودرجة لا يقدر عليها ولا يطيقها إلا أولو العزم من الصالحين..

وفى كتب التصوف ستصادفك حكاية "سمنون بن حمزة "، الشاعر الصوفى الذى كان يُضرب به المثل فى محبة الله فسموه "سمنون المحب"، ومن فرط محبته لله دعا الله أن يختبرها ويختبره، وأن يمتحن صبره وإيمانه، وأعلن ذلك فى شعره:

فليس لى فى سواك حظ

فكيف ما شئت فامتحنى

ووضعته يد فى تجربة، فأصيب بحصرة فى البول، وحاول أن يتحمل ويثبت أنه على قدر الابتلاء، لكن الألم اشتد حتى أنه كان يتلوى مثل الحية من قسوته، وأحيانا يصعد إلى سطح داره ويصرخ سائلا الله أن يُخرجه من التجربة، وراح يدور على الناس ويسألهم أن يدعوا الله أن يخفف عن عمهم الكذاب الذى لم يكن على قدر الامتحان الرهيب، فلما فرج الله عنه المحنة وأطلق بوله، رفع يديه إلى السماء شاكرا: يا رب تبت إليك، أى تبت عن طلب الامتحان.. واشتهر بعدها بلقب سمنون الكذاب!

فالصبر علــى البلاء والــرضــا بـــالابتــلاء من عـــلامات المحبــة لله، لا يقــدر عليــه إلا أصحــاب القلــوب النقيــة العــارفـة الغــارقــة فى المحبة.. ونحسب أن منها قلب مى زيادة.

(2)     

وحتى نستوعب قيمة ومعنى ما فعلته مى، علينا أن نعود إلى قيمة مى نفسها، وما حققته من مكانة وما وصلت إليه من مجد، فإذا بها – فجأة - تنزل من سماوات المجد إلى نزيلة فى مستشفى العصفورية للأمراض العقلية، فتخرج من المحنة سليمة القلب راضية النفس زكية الروح طفولية البسمة..

لنقترب من تلك الجميلة التى حملت لقب أديبة الشرق.. ونقول ونقرر:

 لم تحظ أديبة مصرية وعربية بمثل ما نالته "مىّ" من مكانة وحظوة.. وصفها واحد من شيوخ الإسلام وهو الشيخ مصطفى عبد الرازق بأنها "رائدة النهضة النسوية فى الشرق".. وقال عنها أحمد حسن الزيات صاحب "الرسالة" أشهر المجلات الثقافية فى زمانها: "تشارك فى كل علم وتفيض فى كل حديث وتختصر للجليس سعادة العمر كله فى لفتة أو لمحة أو ابتسامة"..

وكتب فيها أمير الشعراء واحدة من أرق قصائده يعدد فيها محاسنها ويتغزل فى حسنها: إذا نطقت صبا عقلى إليها / وإذا بسمت إليّ صبا جنانى..

افتتن بها عباقرة الأدب والفكر فى وقتها وهاموا بها وطلبوا ودها، وكانت ملهمتهم ومثال الأنوثة الكاملة عندهم، وتحول صالونها الثقافى الذى كانت تعقده فى بيتها إلى قِبلة لكبار الأدباء والمبدعين.. كانوا كفراشات هائمة تحوم حول النور الساطع وتقع فيه..

العقاد بكل شموخه وكبريائه أحبها وطلب ودها ولكنها صدته، وحينما كان يتجاوز حدود الصداقة كانت تنبهه بلطف تقديرا لمكانته، ولما كانت لا تستطيع أن تمنعه حين تغلبه عاطفته وشوقه إليها ويعبر لها عن ذلك فى خطاباته، كانت تتجاوز وكأنها لم تسمع ولم تر ولم تقرأ ما كتبه، وظلت العلاقة بينهما – كما يقول المؤرخون- أكثر من صداقة وأقل من حب.. أو قل أنه الود، بعد أن عجز الكاتب "العملاق" عن أن يفوز بقلبها..

ويمكننا أن نقول إن هؤلاء الكبار من نجوم الثقافة والصحافة أحبوا "مى" من طرف واحد، وكان النموذج الساطع بينهم هو الكاتب المرموق أنطون باشا الجميل رئيس تحرير "الأهرام" الذى راح يبثها حبه فى رسائل خاصة إليها، بل وكتب فيها شعرا يفضح ويفصح عن هيامه بها، ومنه قوله: ميّ وما ميّ سوى قبس / للحسن فوق نوره الشهبا / إنى حين أحيى فيك نابغة / حسد الأعاجم عندها العربا.

وكادت تحدث "فضيحة مدوية" حين رحلت ميّ ووجدوا عندها تلك الرسائل المشبوبة التى كتبها لها عشاقها، وقد روى كامل الشناوى فى كتابه الشهير "الذين أحبوا مى" أسرارا مثيرة – بالأسماء والوقائع والنصوص- عن هؤلاء الذين وقعوا فى سحر هذه المرأة، التى فتنت رجال زمانها من نجوم الفكر والأدب، فوقعوا فى هواها وتعذبوا.. واستلذوا العذاب.. وكتبوا فيها شعرا ونثرا.. وتنافسوا فى الوصول إلى قلبها.. وعندما ماتت عثروا فى أوراقها على مئات من رسائل الإعجاب والغرام، كادت تجد طريقها إلى النشر، لولا أن وقف لطفى السيد معترضا ومحتجا وصارخا: هذه مؤامرة على سر امرأة!.. وعارض نشرها بشدة.. لأنه كان أحد الذين وقعوا فى غرام مى.. وكتب إليها يعترف لها ويبثها ما فى قلبه!

كانت مّى زيادة (11 فبراير 1886- 17 أكتوبر 1941) إذن هى أشهر وأجمل أديبة فى زمانها، درست وتعلمت وتثقفت وكتبت ونشرت فى كبريات الصحف، فى وقت كانت المرأة مستسلمة للجهل وعصر الحريم، ولذلك كانت مى هى أعجوبة زمانها، وذهب نجوم عصرها يقفون على بابها ويتكالبون على حضور صالونها الذى كانت تقيمه فى بيتها يوم الثلاثاء.

وفى صالون ميّ كنت تجد قامات فى قيمة طه حسين والعقاد والرافعى وشوقى وتوفيق الحكيم ولطفى السيد.. وفى صالونها كنت تجد أزهريا معمما مثل الشيخ مصطفى عبد الرازق جنبا إلى جنب مع مفكر ملحد كالدكتور شبلى شميّل، أول من نقل مــؤلفــات وأفكـــار (داروين) إلـــى العــربية، وآمــن بـ الداروينية واعتنق نظريات النشوء والارتقاء !

وأفاض كامل الشناوى وأجاد فى وصف ميّ: "فقد استهوتنا جميعا بنبراتها العذبة وصوتها الهادئ الحلو العميق، وإشاراتها ونظراتها وحسن استعمالها للفتات رأسها.. استهوتنا بنضارتها الفاتنة، نضارة الفكر والقوام".. كان نثره عنها كأنه الشعر: "لم تكن قصيرة ولم تكن طويلة.. كان قوامها نحيلا يريد أن يمتلئ.. سمينا يريد أن ينحف".

كـــان كتـــابـه عنهــا (الذين أحبوا مى) قصيدة بديعة فى تلك "التى أحبها عبـاس العقــاد ومـصطفــى صـــادق الرافعى ومصطفى عبد الرازق وولى الدين يكن (الشاعر) وخــليـــل مـطـــران وجبران خليل جبران وأنطون الجميل".. ميّ التى حرم المرض الشاعر إسماعيل صبرى من رؤيتها يوم الثلاثاء فى  صالونها، فأقسم أن لم يُشفَ فى الثلاثاء القادم فلن يعترف بهذا اليوم أبدا، وكتب لها: وأستغفر الله من لحظة / من العمر لم تلقنى فيك صبا..

ميّ التى سألوا المتمرد الثائر عبد العزيز فهمى: لمَ يظل صامتا ولا ينطق بكلمة فى صالونها؟!.. أجاب بلا تردد: النظر هنا – وأشار إلى ميّ – خير من الكلام وخير من الإصغاء !

وبسحر ما كتبه كامل الشناوى عنها، كنت كلما مررت بمحطة البنزين الكائنة بشارع عدلى فى قلب القاهرة أقف خاشعا فى حضرة الجمال، وأتخيل وجه ميّ يطل على المكان وتضيئه بسحرها.. فهنا كان بيت الجميلة التى ملأت الدنيا وفتنت الرجال.. وأى رجال!

لكن فاتنة زمانها لم تجد بين كل هؤلاء العظماء الذين أحبوها رجلا يستحق قلبها، فعاشت أغرب قصة حب مع حبيب لم تقابله أبدا، وهو جبران خليل جبران، الشاعر والأديب والرسام والمفكر، الذى كان يعيش فى أمريكا على بعد 7 آلاف كيلو متر منها، ولكنها وجدت فيه الأنيس والحبيب والصديق، وباحت إليه بكل مشاعرها وشوارد قلبها، وظلت على حبها له طيلة عشرين عاما كاملة، حتى رحل عن الدنيا وهو فى الثامنة والأربعين من عمره (رحل عام 1931)، بعد أن عجز جسده عن مقاومة التليف الكبدى المزمن (ورحلت هى بعده بعشر سنوات عام 1941عن 55 عاما)..

(3)

قد تجد فيما أوردت رؤ       ية رجالية لمى، مفتونة بجمالها الأنثوى وحضورها الخلاب، لكن الافتتان بمى كان عاما وشاملا ولا يفرق بين رجل وامرأة، بل إن غُلاة النسويات يرون فيها النوذج الأبهى للمرأة.. وأتوقف هنا أمام رأى اثنتين جمعتهما مى واتفقتا عليها على ما بينهما من خلاف فكرى واختلاف أيدولوجى..

الأولى هى الدكتورة نوال السعداوى، التى كان غرورها يتضاءل ونرجسيتها تتلاشى فى حضرة مى، وهو ما يمكن أن ندركه من كتاباتها التى تفيض تقديرا وإعجابا بأديبة الشرق، التى:

"عاشت تكتب وكان هذا غريبا فى عصرها، فالمرأة كانت للإحساس وليس للتفكير، وكانت جميلة وهذا أيضا غريب، فالجميلة لا تمسك القلم إلا لتلون شفتيها، وكانت أيضا ذكية، وهذا هو الأغرب، فالعقل يفسد الأنوثة، وهى كما تبدو لهم أنثى، وكل ثلاثاء يذهبون إليها، ويحدث الجدل والنقاش، كان غرامها الجدل، وكان غرامهم المرأة بغير جدل.. كانت سابقة لزمانها وكانوا سجناء عصرهم.. كانت فى العشرين من عمرها، وكانوا كهولا فوق القمة، لكن شبابها كان أنضج من كهولتهم.. أرادت أن تكون كما هى، وظلت تدافع عن كيانها كعقل فاتهموها بفقدان العقل".

ومن كاتبة "متطرفة" فى علمانيتها، إلى كاتبة متطرفة فى "إسلاميتها" هى الأستاذة صافى ناز كاظم، التى تفيض كتاباتها هى الأخرى عن مى بتقدير جارف، وصل إلى مطالبتها بضرورة إنتاج فيلم سينمائى عن "الآنسة مى"، يعيد إليها صورتها الوضاءة، النابهة، الشاعرة المحبة للبشر والوطن والعروبة ومصر ولبنان".. ووصل إلى مطالبتها بأن ينتبه أهل المغنى إلى قصائد وأغانى ديوانها "ظلمات وأشعة".. "ورأيت وأنا أرتب كلمات مى أنها أغنيات تنتظر الملحن الذى يعرف كيف تنطقها النغمات ويغنيها صوت نسائى يعرف كيف يستحضر قلب مى ونفس مى، حضارتها وطفولتها، رقتها وصلابتها، عذوبتها وقدرتها الاستشهادية على قتال الباطل"..

(4)

امرأة عاشت هذا المجد، وأحاطت بها القلوب، ووصلت إلى هذه المنزلة، وارتفعت إلى تلك المكانة، وحظيت بكل هذا التقدير.. كيف عاشت بعدها تجربة مؤلمة فوق طاقة البشر..؟

وكيف صبرت ورضيت وماتت مبتسمة وعلى وجهها وداعة الأطفال؟

إنه درس فى الرضا يجعلنا نقدم قراءة صوفية لحياة أديبة الشرق.. ولا يزال للحديث بقية.

 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

أبراج المونت جلالة: أيقونة الفخامة على ساحل العين السخنة

منطقة العين السخنة واحدة من أبرز الوجهات السياحية والاستثمارية في مصر،

قصة مصورة - أبطال خارقون

لا تستغرب ليس هذان بطلان خارقان خرجا فجأة من فيلم خيالي أو قصة فانتازية إلى شوارع القاهرة

توفيق نسيم باشا.. رجل الملك فؤاد فى معركته ضد سعد زغلول

شخصيات لها تاريخ «93» والده اللواء محمد نسيم باشا انحاز إلى الخديوى توفيق ضد أحمد عرابى ورفاقه فكافأه برتبة اللواء...

هناء متولى: قصص «غرفة ضيقة» أنقذتنى

هناء متولى، روائية وقاصة شابة، أصدرت رواية "أسرار سفلية" عام 2018، حصلت على جائزة سعاد الصباح للإبداع العربي عام 2019،