الشاعر السورى نورى الجرّاح يبحث عن نثره فى أغنيات «أورفيوس»

حصل على جائزة «ماكس جاكوب » الفرنسية للشعر وأصدر مختارات فى القاهرة/ ناشر مصرى يكسر القاعدة ويقدم مختارات لشاعر قصيدة النثر/ مهاجر منذ نصف قرن يكتب شعرية الرحلة ويشرف على جائزة «ابن بطوطة»

قد لا يُدرك البعض منا قيمة أن تخالف دار نشر مصرية الإجماع، وأن تصدر "دار الشروق" مؤخرًا مختاراتٍ شعريةً لواحد من أهم شعراء قصيدة النثر فى الوطن العربى، هو الشاعر السورى المقيم فى لندن "نورى الجراح"، وهى المختارات التى تضم قصائد من أعماله الشعرية جميعًا، والتى صدر أولها فى بيروت العام 1982، وأن تأتى بعنوان لافت هو: "ألواح أورفيوس" وقد اختارتها وقدمت لها بقراءة نقدية مطولة الناقدة الدكتورة ناهد راحيل، بينما تصدر الطبعةَ غلافٌ أنيقٌ من تصميم الفنان عمرو كفراوى.

قد لا يقدِّر البعض ـ ممن لا يعيشون بيننا خصوصا ـ معنى إصدار ديوان من قصيدة النثر العام 2024 عن دار نشر مصرية خاصّة، كانت دائما منحازة للشعر التقليدى والتفعيلى، وعلى الدوام كانت تتجاهل إصدار دواوين لشعراء فصحى من كتاب النثر الجُدد، ولولا التفاتها المتأخّر إلى بعض من شعراء العامية المهمين لكانت "دار الشروق" المصرية خارج الاهتمام بالشعر الجديد عموما، وهو أمر يمسّ ـ دون شك ـ قيمتها المركزية فى الثقافة العربية ويُضعف من تصنيفها بين دور النشر العربية الكبرى.

لكن بما أن دار النشر المصرية قد حلحلت موقفها السابق، بما يدفع منافسيها إلى الخوض فى هذا الاتجاه، وبما أنها أصدرت أخيرا هذه المختارات من قصيدة النثر لشاعر بحجم وقيمة نورى الجراح، أحد أهم الأصوات فى الشعرية العربية الحديثة، فإننا لا نستطيع إلا أن نحييها وأن نحلم معها بأن يكون نورى الجراح ومختاراته "ألواح أورفيوس" هو باكورة لطبع سلسلة من المختارات المخصصة لشعراء عربٍ ومصريين، يكتبون قصيدة النثر، ويستحقون أن تكون عناوينُهم على رأس إصدارات "دار الشروق"، فى ظل التراجع المعلن فى خطة نشر الهيئات التابعة لوزارة الثقافة، بسبب "إجراءات التقشف"، ما أدى إلى تخفيض خطة النشر فى "الهيئة المصرية العامة للكتاب" كما فى "الهيئة العامة لقصور الثقافة"، وهو أمرٌ مؤسفٌ واتجاه لا نحمده، لكنه يدفع إلى الظن بضرورة أن تحاول دور النشر الخاصة تعويض جزء من هذا الغياب وتغطية بعض هذه المساحة قدر الإمكان، فى ظل انتشار وسائط بديلة إلى جوار الكتاب الورقى مثل: الكتب المسموعة والكتب الإلكترونية وغيرها.

على أن اختيار شاعرية نورى الجراح ـ المولود فى ريف دمشق العام 1956 ـ بالتحديد لتكون باكورة إصدارات تنتمى للشعرية الحديثة وتياراتها المختلفة، هو اختيار صائب بكل ما فى الكلمة من معنى، كونه يمثل واحدا من التجارب الشعرية الكبرى فى الشعرية العربية الحديثة من ناحية، وكونه دليلا إضافيا على ما فى الشعر الجديد ـ وبالتحديد قصيدة النثر ـ من طاقةٍ وقدرةٍ على ارتكاب الخيال، عبر تمثيله لسردية شعرية مضادة للسردية السائدة، فهو لا يقدم غنائية شاعر عربى كبير مثل محمود درويش ولا تقف وراءه مؤسسات نقدية كبرى مثل "أدونيس"، لكن نورى الجراح هو الشاعر العربى الوحيد الذى حصل العام الماضى 2023 فقط على اثنتين من كبرى جوائز الشعر فى أوروبا، الأولى هى "جائزة ماكس جاكوب" الفرنسية، وقد حصل عليها فى مايو، والثانية هى "جائزة نابولى" الإيطالية للشعر، وحصل عليها فى شهر ديسمبر الماضى، والجائزتان رفيعتان فى الأدب الأوروبى.

 تيمة السفر

على أن الميزة الكبرى فى شعرية نورى الجراح متعددة الأوجه من وجهة نظرى، أنها منذ أعماله الأولى: "الصبى" و"مجاراة الصوت" ونشيد صوت" و"طفولة موت" و"كأس سوداء" و"القصيدة والقصيدة فى المرآة"، ومرورا بأعماله الأخرى مثل: "حدائق هاملت" و"طريق دمشق" و"الحديقة الفارسية"، ووصولا إلى: "قارب ليسبوس" و"نهر على صليب" و"الأفعوان الحجرى"، أقول إن الميزة فى مجمل أعماله أنها تقدم طموحا شعريا غير محدود بحدود اللغة أو الثقافة فهى قصيدة إنسانية الطابع، كما تمثل قفزة أسلوبية هائلة فى القصيدة العربية الجديدة، ونورى الجراح يعتبر نفسه ابنا بارا للثقافة المتوسطية، لكنه يكتب على غير مثال سابق، كما أنه يجيد ـ مثل كل شاعر كبير ـ فعليْ الهدم والبناء، بأن يهدم التراث الشعرى السابق عليه ويحطم جمالياته، وهى هنا جماليات البلاغة التقليدية، لكنه يعود فى الوقت نفسه ليبنى نصه ويؤسس قصائده على جمالياتٍ بديلة تمثله، مثلما تمثل جيله وعصره ومِحنته الإنسانية السورية خيرَ تمثيل، يقول فى قصيدة "أجراس":

"التلميذُ

الذى تلقى الصفعةَ

هوى برأسه على المقعد.

وفيما بعدُ،

عندما يُقرع الجرس

ويخرج التلاميذ من القاعة

التلميذ

الذى تلقى الصفعة

سيظل إلى غدٍ أو بعد غدٍ

وربما إلى الأبد

صامتًا ووحيدًا".

على أن التيمة الأساسية فى قصائد نورى  الذى يبدو أكثر الناس حصولا على نصيب من اسمه ـ هى تيمة السفر والرحلة بشكل عام، وهو أمر يبدو بديهيا فى شعر شاعر غادر بلاده مبكرا ليكمل العمر فى رحلة بحث عن عُشبة الخلود الخاصة به، مثل "جلجامش" فى الملحمة الشهيرة، أو أشبه برحلة "أوديسيوس" فى "أوديسة" هوميروس، والحق أن نورى يبدو مع الشاعر العراقى الكبير الراحل سركون بولص (1944 ـ 2007) من أكثر شعراء الغربة والمنافى تأثيرا فى قصيدة النثر العربية، بما عاشوا من تجارب مريرة كمهاجرين، أقصد كمهاجرين حقيقيين يتحطمون على صخرة خارج ربوع الوطن، أمضوا أيامهم فى مدن لا تتكلم لغتهم ولا تعرف ثقافتهم، وبالتالى تشكلت نصوصه من تلك المعاناة، بما يفتح الأبواب أمام تيمة "المتسكع الأبدى" فى شعره، حتى وهو يتحدث إلى النهر فى بلاده انظر ماذا يقول له:

"ما دمتَ لن تبقى معى

خُذنى معك.

ما دمتَ مدفوعًا على حمَالةِ الموتى

ونعشُك ضاحكٌ منك

معك.

خُذنى معك

صخرة هاويةٌ فى قلعةٍ هاوية".

على أن الناقدة ناهد راحيل اهتمت فى قراءتها اللافتة والتى جاءت بعنوان "مدارات الشعرية عند نورى الجراح" بعدة ملامح، اعتبرتها سمات خاصة ومنها "شعرية التقنّع والتخييل الذاتى"، و"شعرية النزوع الدرامى" و"شعرية النص الرحلى" و"شعرية العتبات"، وقد اعتبرت أن: "القناع هو الحيلة التى لجأ إليها الجراح ليتوارى خلفها، حيث ينسحب بأناه الخاصة، ليخلى مساحته لـ "أنا" أخرى، يظل على مبعدة منها ظاهريا أو أدائيا،...، فنجده يلجأ إلى توظيف شخصيات ميثولوجية كأقنعة ونماذج مطابقة له، يحيل عليها أفعاله ويحملها بأفكاره الخاصة عن القضايا التى تشغله"، يقول فى "رسائل أوديسيوس":

"أنا لستُ أوديسيوس حتى يكون لى معجبون

قرأوا قصتى وجاءوا يعزّوننى

لا

ولست أوديسيوس

لتكون لى أختٌ

تطرز

على الماكِنة

شالًا أو قميصًا

لشقيقها الغائب.

لست أوديسيوس

لامرأة ماتت ودفنت تحت السلَّم"

هكذا ينفى فى بداية النص أن يكون شبيها بأدويسيوس لكى يقول فى نهايته شيئا آخر، إنه شبيه له فى المأساة لكن مأساته السورية هى من طراز مختلف:

"أنا أوديسيوس الميت فى باخرة".

على أن الناقدة التفتت إلى دور المنفى فى شعره أيضا وقالت إنه "يلعب دورا رئيسيا فى تشكيل المكان الشعرى لديه، فينفتح المكان فى شعره على ثنائية الوطن والمنفى، مع غلبة أماكن الارتحال فى نصوصه الشعرية بسبب حالة الشتات القسرى وتعدد المنافى" وهذا كله صحيح ودقيق، لكننا نصنف أماكن الشتات القسرى باعتبارها نوعا من "اللامكان"، أقصد أننا نرى فى شعر نورى الجراح نوعا من الانحراف المكانى، أو بمعنى أصح حالة "اللامكان" ـ يمكن تعريفها باختصار بأنها تصف أماكن تجمع المهاجرين أو بأنها المبانى المبنية على عجل لتخصيصها لسكن اللاجئين والتى لا تحتوى بالطبع على أية ملامح ثقافية مميزة ـ  ويبدو أن هذا اللامكان فى شعر نورى الجراح يأتى مختلطا بذكرياتٍ عن مكان مُحدد فى دمشق، أو وراء جبل من جبال العاصمة السورية على وجه التحديد، وهو يبدو حريصا على خلط المكان بالأزمنة، وكأن السنوات التى تمر فى هذا "اللامكان" هى محض لحظات صادمة يخيط بها الشاعر قصيدته.

 الترميز والتقنُّع

الناقدة تشير أيضا إلى أن النصوص الشعرية التى تعتمد على "التخييل بالذات" هى: "تلك النصوص التى يمكن أن يكون للقارئ فيها دوافع ليعتقد، انطلاقا من التشابهات  التى اكتشفها، أن هناك تطابقا بين الشاعر والشخصية الرئيسة فى شعره، فى حين أن الشاعر اختار أن ينكر هذا التطابق، أو على الأقل اختار ألا يؤكده عبر استخدامه لعدد من الحيل الفنية التى تعينه على ذلك"، ولأن نورى الجراح شاعر يحوى الإنتاج الأدبى الخاص به العديد من تجاربه الشخصية، فهو شاعر يشبه أشعاره كما تقول الناقدة، لكنها تلفتنا إلى أنه ـ وفى الوقت نفسه ـ مال إلى استخدام الترميز للإلماح بهذه الذاتية عبر استخدام تقنيات عدة، أولها استخدام الشخصية المطابقة أو النموذج، ثم اللجوء  إلى تقنية التقنع بالشخصيات التراثية".

طبعا، يمكننا أن نفهم الكثير عن شاعرنا السورى المغامر إذا طالعنا تعريفه لنفسه، وهو تعريف يكشف جانبا مهما من أقنعته الشعرى، يقول: "شاعر متوسطى يكتب بالعربية.. منفى معلّق بين عالمين: عالم لغته الأولى فى صقع، وعالم الأرض التى لجأ إليها فى صقع آخر، كما علق بورميثيوس عند شق الأخدود عقابا له على سرقة النار من الآلهة، وعلق المسيح السورى على الصليب عقابا له على مناوأته لصيارفة روما وسدنة العبودية، ليكون فداء لفكرة المحبة بوصفها الحرية"، وبالتالى يمكن أن نقرأ عنوان المختارات "ألواح أورفيوس" فى مضمون النص الشعرى لنورى الجراح، كما تقول كلمة "الغلاف الأخير"، فأورفيوس "هو الشخصية الأسطورية من الميثولوجيا الإغريقية وهو موسيقى وكاتب عُرف برحلاته البحرية وقدراته السحرية الخارقة، والشاعر هنا على ما يبدو هو أورفيوس المعاصر الذى يعزف على قيثارة بلا أوتار".

يشار إلى أن نورى الجراح مواليد دمشق العام 1956، وقد هاجر إلى أوروبا قبل نحو نصف قرن، وتُرجمت قصائده إلى العديد من اللغات، منها: الانجليزية والفرنسية والإيطالية والإسبانية واليونانية والتركية، وأشرف على تأسيس عدد من المجلات الثقافية العربية، ويرأس حاليا تحرير مجلة "الجديد" الشهرية الثقافية، كما يشرف على أعمال "المركز العربى للأدب الجغرافى  ارتياد "الآفاق" وعلى "جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة". كما صدرت عن تجربته الشعرية العديد من الكتب منها: "أمير نائم وحملة تنتظر" مختارات ودراسة على بدر، "ابتسامة النائم" مختارات ومقدمة محسن خالد، "النزوع الدرامى فى شعر نورى الجراح" أيمن باى، و"ما الذى يحدث فى حدائق هاملت"، لعبدالقادر الجاموسى، و"شعرية البقع الأرجوانية" لمحمد صابر عبيد.

 	 محمود خيرالله

محمود خيرالله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

طريقة لفتح المجاري المسدودة في المنزل بخطوات سهلة وآمنة

انسداد المجاري من أكثر المشكلات المنزلية إزعاجا، لأنه يسبب بطء تصريف المياه، وروائح كريهة، وقد يتطور إلى تسربات وتلف في...

قصة مصورة - لابس فانوس

ستندهش في البداية، وربما تفرك عينيك أكثر من مرة كي تتأكد أن ما تراه حقيقى عندما ترى ما يشبه فانوسا...

الإرادة.. معجزة الإنسان

يختبرها المسلم فى صوم شهر رمضان من رحمته تعالى بخلقه هو معرفته بعلمه الواسع بأن إرادة الناس مختلفة فهناك أصحاب...

حكايات الشيخ محمد عمران مع عبد الوهاب والنقشبندى والحاجة أم على

ابنه محمود يتحدث عن سيرته ومواقفه وأبرز محطات حياته ترك مكتبة موسيقية تضم أكثر من 15 ألف شريط.. وكان يسمع...


مقالات

إدارة المفاجأة… حين يصبح الزمن سلاحا
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 02:21 م
منزل زينب خاتون
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 09:00 ص
القراصيا في طبق من ذهب
  • الخميس، 26 فبراير 2026 06:00 م
رمضانيات مصرِية .. السر في التفاصيل ..!
  • الخميس، 26 فبراير 2026 03:12 م
"أول مهنة عرفها الإنسان ! "
  • الخميس، 26 فبراير 2026 01:00 م
شارع المعز لدين الله
  • الخميس، 26 فبراير 2026 09:00 ص