شخصيات لها تاريخ «18» محمد على.. جندى ألبانى حكم مصر بالسيف والدينار

محمد على حكم مصر بالسيف والدينار وفقد عقله فى اواخر أيامه وترك ما اكتنزه من دم الفلاحين لينعم به الأحفاد / استطاعت قوات محمد على أن تهاجم المماليك وتطاردهم حتى فروا للصعيد/ بريطانيا رأت فى محمد على الخطر على إمبراطوريتها فحطمت طموحة باتفاقية لندن 1840

يقولون عنه إنه "مؤسس مصر الحديثة"، ولا يقولون إنه سارق حلم الشعب المصرى، ويقولون إنه أنشأ إمبراطورية مصرية، والحقيقة أنه استخدم مصر لتحقيق حلمه الشخصى، فالقيادة الشعبية التى جاءت به إلى السلطة، غدر بها، والشعب الذى هتف باسمه، أرهقه بالقتل والتشريد والضرب بالعصى وقطع الرقاب بالسيوف، وكان عصر "محمد على" كله عصر حروب، لصالح حلمه الشخصى أو لصالح السلطان العثمانى، ودم الأبرياء، أو الأعداء الذى أساله بالسيف، وضعاف النفوس الذين اشتراهم بالدينار، لم يحموا حفيده الأخير "فاروق الأول" من غضب الشعب والجيش الوطنى المصرى، وانتهت الدولة العلوية التى قامت بالدم والمؤامرات والسطو والنهب، واسترد المصريون أرضهم وثرواتهم فى العام 1953 بعد مائة وخمسين سنة من القمع والنهب والقهر والموت المجانى فى سجون الوالى والسلطان والخديو والملك من نسل تاجر الجندى الألبانى المغامر، الذى لا يعرف الدين ولا المبدأ ولا العهد، فهو لا يعرف سوى نفسه ولا يدين بالولاء لغير ذاته..

قصة جندى مغامر

المؤرخون صنفان، صنف منصف وصنف مأجور، و"الجبرتى" هو المؤرخ المنصف الذى قتل "محمد على" ولده، لأنه لم يكن من الذين يقرون أفعاله، وفى تاريخه المعروف "عجائب الآثار فى التراجم والأخبار".. كان المؤرخ حريصا على الظهور بمظهرالحياد والدقة فى نقل الأخبار، ولك يا عزيزى القارئ أن تعرف أن "السيد عمر مكرم" تعرض لحملة تشويه سمعة، من جانب "محمد على" لأنه رفض التوقيع على كشف حساب مزيف، كان "محمد على" يريد إرساله للسلطان العثمانى، ورفض "السيد" وكان عقابه، العزل من منصب "نقيب الأشراف" واتهامه بالفساد المالى، ونفيه من "القاهرة" إلى"دمياط" وهو "السيد الشريف المجاهد" الذى تشفع للجندى المغامر "محمد على" ليبقى والياً على مصر، بعد أن قرر السلطان عزله ونقله إلى "ولاية سالونيك"، واستمع السلطان صوت نقيب الأشراف، لكن "محمد على" خاف من "سطوة" السيد النقيب الشريف، ولما قرر فرض ضرائب جديدة على الفلاحين والتجار وأرباب الصنائع، رفض "السيد" وقال ما معناه إنه سوف يقود "الشعب" ضد "محمد على" فنقل الوشاة الخبر، وقبضوا "الدينار" ونفى "السيد" وفقدت الجماهير قائدها الطبيعى، وتاريخ "محمد على" حسب ما أوردته المصادر، يتلخص فى أنه "محمد على المسعود بن إبراهيم آغا القوللى"، كان والده فى مدينة "قولة" التابعة لمحافظة "مقدونيا" شمال اليونان، يعمل فى وظيفة "خفير طريق" أو قائد "حرس الطريق" فى القرية، وكان يتاجر فى "التبغ" وأنجب سبعة عشر ولدا، ومات وتركهم صغارا، وتولى "طوسون" كفالة أبناء أخيه "إبراهيم" ولم يطل به المقام فى الدنيا، فمات وترك "محمد على" فى سن المراهقة، فتكفل به "الشوربجى إسماعيل" حاكم "قولة" وألحقه بالجندية، وزوجه من امرأة جميلة غنية هى "أمينة هانم" التى أنجبت له "إبراهيم وإسماعيل وطوسون"، وحتى لا يلتبس الأمر عليك ياعزيزى القارئ، نقول لك إن "إسماعيل" ولد "محمد على" قتل فى السودان، و"إسماعيل بن إبراهيم بن محمد على" هو من تولى عرش مصر بلقب "الخديو" واقترض من البنوك الأوربية وبيوت المال، حتى فقدت مصر استقلالها وأصبحت مملوكة لصندوق الدين، ومن سلالة "الخديو إسماعيل" جاء الحكام "الخديو توفيق، الخديو عباس حلمى الثانى، السلطان حسين كامل، السلطان فؤاد وهو نفسه أصبح لقبه الملك بعد دستور 1923" وكان "فاروق الأول" هو نفسه آخر ملك من سلالة "إسماعيل" وآخر حاكم ينتهى نسبه إلى الجندى المغامر "محمد على" الذى حكم مصر بالسيف والدينار، وفى أواخر أيامه فقد عقله وترك ما اكتنزه من دم الفلاحين، لينعم به الأحفاد.

 سارق حلم المصريين

كان نابليون يعرف من "الرحالة" والمستشرقين، وهم رجال استخبارات ذلك القرن، الثامن عشر، أن دولة "المماليك" منهارة، خائرة القوى، بعد أن اكتشف "طريق رأس الرجاء الصالح" وقتل "قنصوه الغورى" ومن بعده "طومان باى " على أيدى "سليم الأول " سلطان الدولة العثمانية، ولكن المماليك، وجدوا لأنفسهم مخرجاً، وأصبحوا حكاماً "فى المدن والأقاليم" تحت التاج العثمانى، وأتى زمن على "الدولة العثمانية" احتاجت فيه هؤلاء المماليك فمنحتهم سلطة واسعة، وأصبح منصب "الوالى" أضعف من منصب "شيخ البلد"، لأن الوالى هو مندوب السلطان، وشيخ البلد هو "محافظ القاهرة" وانقسم المماليك قسمين، قسم يتبع "إبراهيم بك" وقسم يتبع "مراد بك"، وجاء "نابليون" وهزم المماليك فى أقل من ساعة، ودخل القاهرة، وهرب إبراهيم بك إلى الشام، وهرب مراد بك إلى الصعيد، وواجه المصريون حملة نابليون، وقدموا آلاف الشهداء فى معارك مسلحة امتدت من الإسكندرية إلى أقصى الصعيد، وكانت قوة "العربان" هى القوة الوحيدة التى واجهت الفرنسيين وتركت أثرها فيهم، وكان العربان يقاتلون مستقلين، ومنهم من نسق مع "مراد بك" وبعد أن أيقن "مراد بك" أن الفرنسيين أقوى منه، عقد معهم اتفاقا، وخان الشعب المصرى، وبقى العربان يقاتلون وحدهم، حتى خرج الفرنسيون، واستعاد السلطان العثمانى سيطرته على مصر، وجاء "محمد على" ضمن الكتيبة الألبانية، التابعة للجيش العثمانى الذى جاء ليحتل المواقع التى أخلاها الفرنسيون، وكان قائد الكتيبة هو ابن حاكم مدينة "قولة"، ولم يطل بقاؤه فى مصر، وتولى "محمد على" منصب قائد الكتيبة، بعد سفر قائدها، ولم يكن "محمد على" يعرف اللغة العربية، كان يتكلم الألبانية والتركية، وهذا ساعده على فهم "شخصية المملوك" وكل المماليك فى مصر كانوا من أعراق آسيوية، تركمان ومغول وشركس، وأتراك، وكانت قوة المماليك فى تلك الفترة الحرجة، منقسمة بين جماعتين، واحدة برئاسة "إبراهيم بك" والثانية برئاسة "محمد بك الألفى" الذى كان ينسق مع الإنجليز، ليكون الحاكم، بدعم منهم، لكن "محمد على" اقترب من "القيادة الشعبية" المصرية التى تبلورت طوال سنوات المقاومة ضد الحملة الفرنسية، وهى سنوات ثلاث تعلم فيها المصريون أهم درس، وهو "الحرية لا توهب، بل بالدم تنتزع"، وعرف ـ الجندى الألبانى الطموح ـ أن القيادة الشعبية، لها مكانة مهمة فى الخريطة السياسية الجديدة، عقب خروج الفرنسيين، ولكن السلطان العثمانى، ظل على عهده القديم، فأرسل الوالى، ليكون حاكم مصر تحت تاجه، لكن الوالى كان يعرف أنه لن يطول به المقام فى الحكم، فكان يسرف فى النهب والبطش، ليحصل على حصة من المال، تكفيه بعد عزله، وكان "خورشيد باشا" هو الوالى العثمانى الذى انتهت على يديه السلطة الفعلية للسلطان العثمانى، فأسرف فى فرض الضرائب والبطش بالناس، فوقع الانفجار الشعبى، وقاد "السيد عمر مكرم" الجماهير الغاضبة، حتى تمكن من إسقاط "خورشيد"،وكان ـ خورشيد ـ استعان بقوة مسلحة من الأستانة تسمى "الدلاة" وهذه القوة، دخلت القاهرة لنصرة الوالى، فعاثت فى القاهرة فسادا، ونهب أفرادها البيوت، واغتصبوا الفتيات والسيدات، فزاد الغضب الشعبى، ولم يجد "السلطان العثمانى" وسيلة لتهدئة القلوب الغاضبة، غير عزل "خورشيد" والقبول بتعيين "محمد على" والياً على مصر، وبايع القادة والأعيان ـ الوالى الجديد ـ فى دار المحكمة، ولكن "المماليك" لم يقبلوا بما جرى، فهاجموا "القاهرة" فى يوم "وفاء النيل" واستطاعت القوات التابعة للوالى الجديد "محمد على" أن تقهر المماليك وتطاردهم حتى فروا إلى الصعيد، وظل الصراع قائما بين ـ محمد على ـ وفرقة "محمد الألفى" و"إبراهيم بك"  و"عثمان بك البرديسى" ووقعت معارك كثيرة بينه وبينهم فى الفيوم والمنيا وأسيوط ودمنهور.

 الشعب يقاوم حملة فريزر

عيون الإنجليز لم تغفل عن مصر منذ أن احتلها نابليون، وهم يعرفون قدرها، فهى قلب العالم، وهى واقعة فى منتصف الطريق إلى "الهند" المستعمرة البريطانية فى آسيا، واستطاع الإنجليز إخراج حملة نابليون من مصر وتدمير الأسطول الفرنسى، وكانوا يرغبون فى تعيين "محمد بك الألفى" واليا عليها، ليكون تابعا لهم ينفذ ما يريدونه من دون اضطرار لقتال، وكانوا فى الوقت ذاته يحرصون على بقاء الدولة العثمانية، متماسكة، رغم ما أصابها من ترهل وضعف، حتى تكفيهم مواجهة "روسيا القيصرية"وهذا هو السبب الذى جعل بريطانيا، تحرص ـ فيما بعد ـ على تدمير "جيش محمد على" لما تبين لها خطره على إلامبراطورية البريطانية، وعلى الدولة العثمانية، وابتداء من العام 1807 أعلنت بريطانيا صراحة، رغبتها فى السيطرة المسلحة على مصر، بعد هزيمة "محمد بك الألفى "، وأرسلت حملة عسكرية برية وبحرية إلى الإسكندرية، ثم أرسلت قوة منها إلى "رشيد"واستطاع الشعب المقاوم، فى غيبة "جيش محمد على " أن يهزم الحملة، ويجبر "فريزر" على مغادرة الأراضى المصرية، بعد أن ارتفع عدد القتلى فى صفوف جيشه إلى الحد الذى لايستطيع معه البقاء على الأرض، وجاء محمد على من "الصعيد" بعد أن خاض عدة معارك ضد المماليك فى "أسيوط" و"الفيوم" و"المنيا " وكان الشعب المصرى، انتصر على حملة فريزر، ولكن محمد على، كان مشغولا بالخصم الأقوى، المماليك، فهم القوة الوحيدة المنظمة، المسلحة،المدربة على القتال، وكانت المداهمة التى قام بها المماليك،يوم وفاء النيل، فى بداية توليه الحكم، تشغله وتورقه، فقررأن يلعب مع المماليك بقانون المنح والمنع، اشترى عددا منهم يالمال، ودعاهم للتصالح معه، ولكن إبراهيم بك رفض التصالح، وفى العام 1809 فرض على الشعب ضرائب كبيرة، وثار الناس، وكانت النتيجة،نفى "عمر مكرم" وتقريب عدد من الشيوخ الكبار،ب عد أن اشتراهم بالدرهم والدينار، وفى العام 1811 كان مطلوباً من محمد على، السفر بجيشه إلى شبه الجزيرة العربية، لمحاربة "الوهابيين" وهم جماعة من أهل السنة، لهم شيخ يسمى "محمدبن عبد الوهاب" يعادى التصوف، ويتمذهب بالمذهبى الحنبلى، وكرهت "الدولة العثمانية " هذه الحركة، وأرادت القضاء عليها فأرسلت والى العراق بقوة مسلحة، ومن بعده أرسلت والى دمشق، وفشلا فى القضاء على الوهابية، ووجد "محمد على " الفرصة مواتية، للقضاء على "المماليك"، فقررأن يولم وليمة لهم فى "القلعة" لمناسبة سفرولده "طوسون" على رأس الحملة المتوجهة إلى شبه الجزيرة العربية لقتال الوهابيين، وبلع المماليك الطعم، وفى القلعة كانت قوات محمد على فى انتظارهم بالبنادق والبارود والرصاص، فقتلوهم، ولم ينج سوى "أمين بك" الذى قفز بحصانه من فوق سور القلعة، وبلغ عدد القتلى، المئات هو، ومما يحفظه الشعب المصرى من حكايات تتعلق بهذه المذبحة، أن الدم سال من القلعة حتى بلغ مكانا قريبا، هو فى الوقت الحالى "الدرب الأحمر" وقيل إن اسمه اشتق من نهر الدم ـ دم المماليك القتلى ـ  الذى تدفق من القلعة إلى الدرب، ولا نعرف مدى صدق هذه الرواية، لكن الثابت بروايات المؤرخين أن محمد على قتل المئات من المماليك فى القلعة، وأرسل جيشه لقتال المتبقين منهم فى القرى والمدن المصرية.

 الإمبراطورية العربية

وصلت جيش محمد على إلى الشام، بحثا عن الفحم الحجرى، والحجة الظاهرة المعلنة هى استرداد الفلاحين الهاربين من خدمته فى مصر بعد أن أصبح المالك الوحيد لأراضى مصر، وإلغائه نظام الالتزام، ووصل إلى السودان، بحجة ظاهرة هى، البحث عن "الماس والذهب"، لكنه كان يقصد القضاء على من تبقى من المماليك، ومات ولده "إسماعيل" فى حملة السودان، واستولى على الخرطوم ومناطق عديدة، ولكن بريطانيا، رأت فيه الخطر على صناعتها وإمبراطوريتها، فحطمت طموحه باتفاقية لندن 1840 التى سمحت له بحكم مصر، وتوريثه لأولاده، مقابل التخلى عن حلم التوسع فى الشام والحجاز وشمال أفريقيا، وتدهور كل ما بناه "الجندى الألبانى" الطموح، وظل أولاده يتوارثون حكم مصر، أما هو فقد مات بحسرته على مجده الذى ضاع، وحلمه الذى تبخر، بعد أن فقد عقله وعاش سنوات لا يعرف شيئا عما يدور حوله، وظل الحكم فى الأسرة العلوية وانتهى فى العام 1953 وأعلن "الضباط الأحرار" الجمهورية.

 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

سائق توكتوك

المزيد من ثقافة

أبراج المونت جلالة: أيقونة الفخامة على ساحل العين السخنة

منطقة العين السخنة واحدة من أبرز الوجهات السياحية والاستثمارية في مصر،

قصة مصورة - أبطال خارقون

لا تستغرب ليس هذان بطلان خارقان خرجا فجأة من فيلم خيالي أو قصة فانتازية إلى شوارع القاهرة

توفيق نسيم باشا.. رجل الملك فؤاد فى معركته ضد سعد زغلول

شخصيات لها تاريخ «93» والده اللواء محمد نسيم باشا انحاز إلى الخديوى توفيق ضد أحمد عرابى ورفاقه فكافأه برتبة اللواء...

هناء متولى: قصص «غرفة ضيقة» أنقذتنى

هناء متولى، روائية وقاصة شابة، أصدرت رواية "أسرار سفلية" عام 2018، حصلت على جائزة سعاد الصباح للإبداع العربي عام 2019،