«العبقرية المجنونة» فشلت فى الدفاع عن نفسها / أوجه الشبه بين العبقرية والجنون لا تقع إلا وأهل العبقرية تحت تأثير الإلهام/ نابليون: نهايتى ستكون نتيجة تفكير يقظ
يقول الكاتب جوناثان سويفت: "لا توجد على الإطلاق موهبة فطرية خالصة إلا ويولد معها بعض جنون"، ربما كانت الطبيعة تأبى إلا أن تعمل على مبدأ الحرمان والتعويض، فكثيرا ما تهب النعمة لتسترد ممن تهبه إياها ثمنا غاليا، وربما تلزمه رهنا باهظا أو تأخذ سمسرة فاحشة حتى أننا لا نكاد نعرف امتيازا أعطته الطبيعة إلا ووراءه تضحية كبيرة، ولعل هذه هى فلسفة من فلسفات إلهية لا تزل سرا أكبر فى هذه الحياة، أو ربما هى ضربا من ضروب التوازن بهذا الكون.
إذا كان هذا هو القانون العام الذى تجرى عليه العوالم من يد الصانع الأكبر، فلا عجب من أن تكون هذه القاعدة تنطبق على بعض أناس على هذا الكوكب لنكون بذلك متوافقين مع بعض ما توصل إليه "لومبروزو" فى أبحاثه التى بسطها فى كتابه "الرجل العبقرى" وهى التى ذهبت إلى أن بين الجنون والعبقرية خيطا ضعيفا، وأن أعراض العبقرية قد لا تختلف كثيرا عن مظاهر الجنون، لكننا لا نود تقبل هذه الحقيقة التى يعتبرها البعض حزينة ومؤلمة وصادمة؛ ولعل ذلك يرجع إلى أن حقيقة هذه الدراسات خطيرة قد أنزلت القوة الإنسانية، ومثال لها العبقرية، منزلة المرض والضعف، ولعل ذلك أيضا هو السبب فى عدم استعراض تلك الأبحاث والنتائج من قبل كثير من المؤرخين، هذا فضلا عن عدم اهتمام البعض منهم بتحليل نفسيات النوابغ وتشريح أرواح العباقرة ممن آثروا عدم عرض اضطرابهم وأمراضهم وأعراض قلقهم على العامة، وربما يرجع ذلك أيضا إلى نزعة الزهو والكبرياء عند هؤلاء المبدعين أو أولئك المؤرخين بمبدعيهم، فنسمع مثلا عن القائد الرومانى العظيم "تيلا" قوله: "من أنا.. أنا لست إلا رجلا صغيرا" و لم نعرف عن عباقرة ممن امتنوا لعدم زواجهم وإنجابهم أطفالا كقول الفيلسوف "بيكون" إن أنبل الأعمال وأخطر الفعال إنما جاءت من رجال أعزب وعقم، وليجىء بعد ذلك الذهول أو الغيبوبة المؤقتة التى وصف كثيرون من العباقرة بها أنفسهم وهم تحت تأثير الإلهام، فوصفوا أن حالاتهم آنذاك أشبه بحمى تثير صحيح التفكير، وتبعث على التخيل ثم بعدها يأتى الغياب إلى أبعد تصور؛ وعن هذا يقول العالم "بول ريختر": "إن الرجل العبقرى هو رجل منوم يرى فى حلمه الهادئ الصحوة واليقظة، وهو الحلم الذى يبلغ جبال الحقيقة المدفوع بإحساس لا يستطيع المبدع رده مثله فى ذلك مثل الذى يأتى أفعالا قد تقوده إلى الموت"، وهكذا فإن حالات العبقرية المعجونة بالجنون عاجزة تماما عن الدفاع عن نفسها وعن ما قد يثيره شىء ما داخلى أو غريب عنها، ولعل ذلك هو نفسه ما عبر عنه نابليون قائلا: "إن نهايتى ستكون نتيجة تفكير يقظ"، وحتى الشاعر الألمانى "جوتة" قال إنه لابد للشاعر من أن يلتهب ذهنه وأن يذهب إلى عالم آخر، وبالفعل فقد نظم معظم أشعاره كما يقال وهو على هذه الحالة بين اليقظة والمنام، فيما كتب "فولتير" جزءا كاملا من كتابه الأشهر "الهزيات" وهو شبه نائم.
و لابد من أن هذا يوضح أن أقرب ضروب الشبه بين العبقرية و الجنون لا تقع إلا وأهل العبقرية تحت تأثير الإلهام أو فيما يسبقه وأحيانا بعده لتظهر أعراض هذه الحالة غير الطبيعية كأنها حالة جنون، وهو ما يفسر أن كثيرا من العباقرة كانوا لا يدركون ما قد قدموا من إبداع إلا عندما تزول تلك الحالة، وهناك منهم ما لم يهتم بما فعل حقا من إبداع، وبالطبع لا يدركون ما فعلوا من مظاهر الجنون أو الجموح، فكان مثلا المفكر "جان جاك روسو" لا يفكر إلا إذا عرض رأسه لأشعة الشمس الحارقة، و شاعر مثل "شيللى" لا يكتب إلا و قد وضع رأسه على مقربة من موقد مشتعل، وفى حالات أخرى كان الإلهام يتحول إلى حالات من الهذيان، فكان الأديبان "ديكنز و"كليست" يحزنان على مصير أبطال روايتهما، وقد شوهد "كليست" وهو يبكى جزعا بعد كتابة إحدى تراجيدياته ويصيح صارخا: "لقد ماتت.. ماتت"، بينما كان الفيلسوف "شوبنهور" يرفض دفع الدائنين له ديونه لأنهم يكتبون اسمه خطأ، ولعل تلك المواقف والأحداث ما دفع الكاتب "فلوبير" ليسردها فى كتابه "ملف البؤساء".
شعرة رقيقة:
كثيرا ما نردد مقولة الفيلسوف الدنماركى "سورين كير كجارد" عن العبقرية والجنون من أن شعرة رقيقة أو دقيقة تربط بينهما، فمثلما يحيط المرض بالصحة من جميع الجهات، يحيط الجنون بالعقل من كل الجوانب، وحتى من قبل مقول "كير كجارد" كان الناس يعتقدون عموما بتلك العلاقة الوثيقة بين العبقرية والجنون، فكانوا فى الأعم ما يتكلمون عن العبقرى بنوع من التهييب والوجل، لأنه من النظرة العامة قد يكون بالفعل هذا الكائن المعقد المضطرب صاحب الأطوار الغريبة الذى يبدو مختلفا عن العادى من البشر، وربما هذه النظرة قد وصلتنا من استعراض أسماء لكبار كانوا يتميزون بتركيبة خاصة وغير طبيعية، بل إن بعضهم حقا قد دخل فى مرحلة من مراحل عمره إلى الجنون الكامل، وعلى سبيل المثال لا الحصر حالة نيتشه وفان كوخ، ودو موباسان ، ووفيرجينيا وولف.
على ما يبدو أن تلك النظرة من ربط العبقرية بالجنون كانت عادة ما ترسم الأسئلة على الشفاه، يطرحها البعض على الكتاب والأدباء فى المنتديات والمحافل المختلفة، وذلك لقدرتهم على التعبير بالإجابة أكثر من غيرهم، ولعل من أشهر تلك الأسئلة سؤالا وجه يوما إلى الكاتب الفرنسى "أندريه موروا"، وهو: "هل جميع الروائيين مجانين ومضطربون نفسيا؟ وكانت الإجابة أن على الأصح علينا أن نقول إنهم إن لم يكونوا كذلك فسيصبحون كذلك، وهذه الإجابة تكشف أن حالة التوهج فى الإبداع هى ما قد يؤدى إلى المرض، ومن الممكن أيضا أن تكون هى الشفاء، إذ أن بعض الأمثلة تؤكد تلك الحالات التى نجت من ذلك المصير المظلم، فلولا هذا لما كرس أشخاص مثل بلزاك وديستوفسكى أو فلوبير أنفسهم للكتابة، ولولا ما قدموه من روائع ما نجوا من الوقوع فى أسر المرض النفسى المؤدى للجنون أو الانتحار؛ ولعل هذه هى أيضا الدائرة المغلقة التى تجمع بين المرض والإبداع، أو كما يقال بين العبقرية والجنون؛ لكن السؤال المطروح هو لماذا يسقط بعض أولئك المبدعين فى أتون الجنون ولم يحم الإبداع الكبير الجميع من هذا المجهول المؤلم؟!.. سؤال محير، خاصة بعد أن نعرف أن الفيلسوف "نيتشه" قد جن فى آواخر أيامه، وقد أمضى على هذا الحال حوالى مدة إحدى عشرة سنة حتى توفى عام ١٩٠٠، وهو ما ينطبق إلى حد ما مع واحد من أهم الشعراء بالعالم هو "هولدرلين" الذى أمضى أكثر من نصف عمره تقريبا فى بحر من جنون؛ لكن مهما يكن الأمر فإن هناك اتفاقا عاما مع ما قاله "أندريه موروا" بأن الإبداع قد يشفى أحيانا صاحبه، ولولا ذلك لجن الجميع ممن سطر التاريخ أسماءهم وأعمالهم على صفحاته، لا سيما أن هذا الذى يسمى فى أحسن الأحوال "الجنون الإبداعى" ليس مخيفا، وليس دائما ما يوقع بصاحب العبقرية فى أتون المرض، فمن الجنون الإبداعى ما قد يحسد عليه صاحبه، وهو فى ذلك المحبب للمبدع، وهو على أى حال لا يؤذى سوى أصحابه، وكان يمكن أن يستخدم بدلا منه التوتر الداخلى أو المعاناة التى تدفع صاحبها إلى الألق.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
منطقة العين السخنة واحدة من أبرز الوجهات السياحية والاستثمارية في مصر،
لا تستغرب ليس هذان بطلان خارقان خرجا فجأة من فيلم خيالي أو قصة فانتازية إلى شوارع القاهرة
شخصيات لها تاريخ «93» والده اللواء محمد نسيم باشا انحاز إلى الخديوى توفيق ضد أحمد عرابى ورفاقه فكافأه برتبة اللواء...
هناء متولى، روائية وقاصة شابة، أصدرت رواية "أسرار سفلية" عام 2018، حصلت على جائزة سعاد الصباح للإبداع العربي عام 2019،