حكايات العم شوقى حجاب (3) «ربنا» قصة قصيدة كتبها صلاح جاهين ليلة رحيله

صلاح شارك فى تلحين أغنية «يا واد يا تقيل» لسعاد حسنى/ فى آخر مكالمة معه قال لى: أنا الليلة أودع أصدقائى

فى ذلك اليوم كان وجه صلاح جاهين يفيض بالفرح، شكله "مزقطط" وكل ملامحه تشى بسعادة غامرة، وهو الأمر الذى لاحظه صديقه شوقى حجاب بمجرد أن رآه، فسأله بفضول:

- خير يا صلاح.. ما تفرحنا معاك؟

-مش أنا بقى عندى فيديو؟

-وإيه يعني.. ما جهاز الفيديو بقى مالى الدنيا.

-ده مش أى فيديو يا شوقى يا حجاب.. ده هدية من أحمد زكى!

كان صلاح يعتبر أحمد زكى واحدا من أولاده، تنبأ بموهبته وتبناها، ودعمه وسانده، وكان أحمد شبه مقيم فى بيت صلاح، وهو الذى سعى لالتحاقه بمعهد الفنون المسرحية، بنفس دفعة منى قطان زوجة صلاح، وكانت نجاحات أحمد زكى المتواصلة تسعده وتؤكد له أنه كسب الرهان على هذا الفتى الأسمر.

لكن المرة الأولى التى شاهد فيها صلاح جاهين اختراع الفيديو حدثت فى أمريكا، وفى رحلة كان شوقى حجاب رفيقه فيها، وشاهدا على أحداثها الغريبة ومواقفها المثيرة.. لنتركه يكمل حكاياته عن صديق عمره صلاح جاهين:

(1)

عندما اجتزت اختبارات تعيينى فى البرنامج الإنمائى للأمم المتحدة، طلبوا منى أن أختار اسمين يمكن للمنظمة الدولية أن ترجع إليهما فيما يخصنى، فكان صلاح جاهين اختيارى الأول، والثانى هو صديقى الفنان التشكيلى المرموق ناجى شاكر.

وعندما سافرت إلى نيويورك رافقنى صلاح جاهين، وكان غرضه الأساسى من الرحلة التعرف على آخر المستجدات فى ما يتعلق بفنون الطفل، وكان الأمريكان قد قادوا ثورة فى العالم آنذاك ب "المابيت شو" و"سمسم ستريت"، وفى مطار نيويورك استقبلنا د. قدرى غريب نائب السكرتير العام للأمم المتحدة وكان صديقا وزميلا لشقيقى المهندس المعمارى د. صلاح حجاب، ولذلك صمم على أن يستضيفنا فى بيته "بنيو جيرسى" ويحتفى بنا، وتانى يوم قال لى:

- على فكرة.. فيه هنا واحد صاحبى اسمه د. عبد المنعم شكرى يقول إنه خال صلاح جاهين وعايز يجى يشوفه!

ولما سألت عنه صلاح بانت الدهشة على وجهه وقال:

- ياه.. ده أنا ما شفتوش من أيام ما كنت طفل عمرى 11 سنة وكنا نصيف سوا فى رأس البر.. بس على فكرة هو قريب أمى ومش خالى مباشرة.. إنما على أى حال أهلا وسهلا.

وفعلا جاء الرجل بعد ساعات سفر طويلة، وكان يقيم فى ولاية مجاورة، ويعيش فى أمريكا قبلها بثلاثين سنة، ولقينا رجلا عجوزا وفاقدا للزمن يدخل علينا، وفى يده قالب شيكولاتة ويسأل بلهفة:

- فين صلّوحه؟

فلما أشرنا عليه اندفع نحوه يحتضنه:

-صلّوحه يا حبيبى.. تعالى فى حضنى!

ولاحظنا أنه يعامل صلاح على أنه نفس الطفل الذى رآه لآخر مرة فى رأس البر قبل سنوات طويلة، المدهش أن صلاح عاش هو الآخر نفس الحالة وتقمص دور الطفل:

- خالى.. خالى.. وحشتنى يا خالى!

- أنا جبت لك قالب الشيكولاتة اللى بتحبه يا ولد!

وتناوله صلاح وراح يلتهمه فى ركن بعيد عنا بنهم الأطفال، وأحاط به الخال وكأنه يحميه منا، وسأله بفخر:

-أنا اتفرجت على "الليلة الكبيرة" وعجبتنى "المساخيط" اللى بيغنوا.. عملتها إزاى دى يا صلّوحه؟

وأجاب صلاح بطريقته الطفولية العبثية:

-بص يا خالو.. وأنا قاعد كده لقيتها نطت فى نافوخى كده.. قمت قايم جرى وكتبتها!

-برافو يا صلّوحه!

ويبدو أن مضيفنا د. قدرى أراد أن يُنهى هذا المشهد العبثى فصحبنا إلى مكتبة "الشرائط" وكانت رفوفها تضم كميات هائلة من الأسطوانات وأشرطة الفيديو، وأخرج من بينها واحدا وضعه فى جهاز عجيب وضغط على زر التشغيل فوجدنا "الليلة الكبيرة "على شاشة التليفزيون، ووقف صلاح مبهورا لا يصدق ما يحدث، فلم نكن عرفنا بعد فى مصر اختراع الفيديو كاسيت، وتضاعف انبهار صلاح عندما عرض عليه د. قدرى أن ينقل له العرض على شريط فيديو يأخذه معه إلى مصر ويتفرج عليه براحته وفى أى وقت دون انتظار عرضه فى التليفزيون أو المسرح!

ولا أنسى أنه خلال هذه الزيارة قرر صلاح أن يذهب ليشترى قمصانا وبنطلونات من أحد محال الملابس المتخصصة فى بيع المقاسات الكبيرة، وكان حصوله على مقاسات "الإكس لارج" صعبا وقتها فى مصر، المدهش أن خاله هذا قرر أن يصحبه فى رحلة الشوبنج، وعاد الاثنان ليتقمصا دور الخال والطفل، لدرجة أن الخال كان يشرف بنفسه على اختيارات ألوان ملابسه، ويساعده فى ارتداء القطع المختارة وخلعها، وكأنه يتعامل مع طفل فعلا!

(2)

ومن واشنطن جاءنا صديقنا عز الدين شوكت رحمه الله، وفوجئت بعز يأخذنا إلى "سمسم ستريت" لمقابلة "جيم هانسون" لاعب العرائس ومبدع الدمى المتحركة والمخرج الشهير الذى كان حديث الدنيا وقتها بعد اختراعه لعروض "المابيت شو"، ومن خلال جيم هانسون تعرفنا على "كيرمت لاف" المخرج الفنى لأفلام شارلى شابلن، وكان رجلا فى التسعين من عمره لكنه عاشق للحياة ومحاط دائما بالجميلات، وتصادف يومها وجود فتاة رائعة الجمال، قعدنا نحكى وكانت سعيدة لأننى مصرى، وقالت لى إنها زارت مصر مرتين، ولا تنسى سهرة حضرتها فى خيمة بجوار الهرم رقصت فيها راقصة مصرية بارعة اسمها سهير زكى، وكانت تتكلم ببساطة وتواضع إلى أن اكتشفت بالصدفة أنها الممثلة العالمية "كانديس بيرجن" وما أدراك ما "كانديس بيرجن"، وكانت وقتها قالبة الدنيا فى مصر بفيلمها "الرقص على الهيدروجين" الذى أخرجه مايكل كاكويانيس (مخرج فيلم زوربا)، ولم أدر بنفسى إلا وأنا أحملها من الفرح وأدور بها فى الاستديو، فى نفس اللحظة التى كان يدخل فيها صلاح جاهين، فصرخت فيه:

-تعرف مين دى يا صلّوحه؟

-مين يعنى؟

-دى كانديس بيرجن!

فسلم عليها صلاح بحرارة وقدم نفسه لها على أنه صحفى مصرى، فصرخت:

-صحفى إيه.. ده عبقرى.. شاعر ورسام ومؤلف وسينارست وإنسان جميل قوى!

وفوجئنا بخال صلاح يقف أمامى حائلا بينى وبين كانديس وهو يقول بصرامة:

-خلاص.. دى بقت بتاعة صلاح!

(3)

لكن الممثلة المفضلة عند صلاح لم تكن سوى سعاد حسنى.. والحق أن علاقة صلاح وسعاد مليئة بالتفاصيل والمعانى والحكايات.

صلاح بالنسبة لها كان هو الظهر والسند، ولذلك لم تبالغ سعاد عندما قالت إن "ضهرها اتكسر" بعد موت صلاح.

وسعاد بالنسبة لصلاح كانت هى الموهبة فى أكمل صورها والإنسانة فى أبهى حالاتها.. ويكفى أنه كان يعلق صورتها فى مدخل شقته.. ولا يمر يوم دون أن يراها أو على الأقل يتحدثان تليفونيا.

أنا فاكر أول مرة أقابل فيها سعاد، ذهبت إليها فى بيتها بالزمالك مع صديقنا مجدى العمروسى مدير شركة "صوت الفن"، رحنا بترشيح من عبد الحليم حافظ لنعمل لها أغنية للأطفال، وإحنا قاعدين معها جاء حسن الإمام وانصرف، وجاء كمال الطويل قعد شوية ومشى، ثم جاء صلاح جاهين، وبكل براءة وحماس قال لها:

-آهو شوقى حجاب  ده اللى ح يعملك أحلى أغنية للأطفال!

رغم أننى فى النهاية منافس له فى كتابة الأغانى.

صلاح كان عنده عطاء أبوى فياض، كان يحب الونس والناس، وبيته دائما عامرا بالأصدقاء والمحبين، ويوميا كنت تلاقى عنده ناس بعينهم زى الملحن إبراهيم رجب والمؤلف عاصم عبد الحميد، وكان يقعد يشتغل بينهم  فى رسمة "الأهرام" اليومية حتى يأتيه "الراجل أبو موتوسكل" كما كان يسميه ليتسلم منه "الكاريكاتير".

كان يعطى بصدق ولا ينتظر المقابل، فكرة العطاء فى حد ذاته هو ما كان يهمه.. ولذلك كان بيته مفتوحا لجميع الموهوبين وقلبه كذلك.. والمؤكد أنه لعب دور الأب الروحى مع كثيرين يتسع المقام لذكرهم وحصرهم.

سعاد فى القلب من هؤلاء الموهوبين الذين تبناهم صلاح، كنت أراها كثيرا فى بيته، ولا تخطو خطوة فى حياتها إلا بالرجوع له.. وأجمل أفلامها وأغانيها كانت معه.

أنا فاكر مثلا إنى حضرت جلسات تلحين "يا واد يا تقيل"، أغنية سعاد الشهيرة التى كتبها صلاح ولحنها كمال الطويل، وأشهد أن الذى ابتكر "دخلة " اللحن " يا..يا.. يا.. يا واد يا تقيل" هو صلاح جاهين، عملها على البيانو ولاقت استحسان كمال الطويل وأكمل اللحن.. ولعلمك: صلاح كان بارعا فى العزف على البيانو وفى قراءة النوتة الموسيقية.

ومن حظى أننى كنت صديقا مقربا لسعاد وصلاح معا، وسعاد زارتنى هنا فى البيت ليلة سفرها إلى باريس للعلاج، تلك الرحلة الطويلة التى انتهت فى لندن بتلك الحادثة المريبة.. ليلتها قعدت تحكى لى عن حياتها وذكرياتها، وفاكر إنها قالت لى إن على بدرخان أحسن واحد أخرج لها، وأن علاقتها بعلى أكبر من فكرة ورقة زواج أو طلاق، وأنه من أنظف الناس وأرقاهم إنسانيا، وكانت تشكو من آلام مبرحة فى ضهرها، حتى أننى داعبتها قائلا:

- كلنا حاسين بوجعك يا زوزو.. لأنه مش ضهرك لوحدك.. ده ضهر مصر!

والغريب أننى عشت مع صلاح جاهين كذلك آخر ليلة فى حياته.. ليلتها فى حوالى الساعة 2 بعد منتصف الليل لقيت تليفون من صلاح، استغربت وسألته:

- أنت إيه اللى مصحيك لغاية دلوقتى؟

وقتها كان طبيبه يمنعه من السهر، ويجبره على النوم بدرى، وكانت حالته المزاجية ليست على ما يرام بسبب الأدوية الكثيرة التى يتناولها وبينها أدوية لمعالجة الاكتئاب.. وفوجئت بصلاح يقول لى:

- أصل أنا بأودع أصدقائى!

- بعد الشر عليك يا صلّوحه.. ما تقولش كده!

- ما علينا.. كنت عايز آخد رأيك فى حاجة.

-خير يا حبيبي.

-أصل أنا كتبت قصيدة جديدة وعايز أسمعهالك.

- اسمها إيه؟

-ربنا!

وسمعت من صلاح بصوته قصيدته الأخيرة:

 إحنا بنحب مين؟/   مين اللى كوّر الكورة الأرضية؟

 مين اللى دورها كده دوارية ؟/  متعلقة وسط الفضا بمهارة .

 متقسمة بدقة لشط وميه/ مين اللى عمل الشمس نار

تعمل بخار من البحار/  يطلع سحاب/   ينزل مطر

يرسم خريطة للأنهار

مين اللى عمل البنى آدميين مفكرين ومبدعين

مين اللى إدانا عقول/   وعقول وشفايف

تسأل هو مين؟/   مين اللى دايما صاحى واخد باله؟

كل حاجة فى ايده جل جلاله؟

ربنا.. ربنا.. ربنا (إلى آخر القصيدة).

قلت له:

- حلوة قوى يا صلاح.

-ح أبعتهالك مع سعاد.

- سعاد مين؟

- سعاد حسنى يا جدع.. علشان لو غنتها تبقى أنت تخرجها.

وحاولت إخراجه من هذا المود الكئيب وهزرت معه شوية وقفل السكة وتركنى فى حيرة شديدة، وظلت جملته التى بدأ بها مكالمته ترن فى أذني: أصل أنا باودع أصحابى، وكان يجلس معى ساعتها صديقى اللواء سرور، الطيار وزميل دفعة حسنى مبارك، وقلت له:

- صلاح مش طبيعى الليلة.. التليفون ده وراه سر!

وفعلا فى اليوم التالى جاءنى صديقنا "رحمي" ليخبرنى أن صلاح نقلوه إلى مستشفى الصفا وحالته خطيرة، رحنا له المستشفى وجدناه فى غيبوبة، ولقينا عنده توفيق صالح المخرج السينمائى الكبير، وطبعا منى قطان وبهاء والبنات، وبعد كام يوم فى تلك الغيبوبة رحل صلاح وأدركت سر المكالمة الأخيرة وأنه كان فعلا يودع الدنيا والأصدقاء.

حكت لى منى قطان فيما بعد أن صلاح فى تلك الليلة نزل وراح لسعاد حسنى البيت وسلمها قصيدته الأخيرة، ورجع ونام على الكرسى، ولما جاءت فى الصباح لتوقظه وجدته غائبا عن الوعى، لكن الغريب أن عينيه كانت مليانة بالدموع، ويبدو أنه اختزنها لساعات فلما حركته نزلت دموعه كلها مرة واحدة، ونقلوه للمستشفى ومات بعد أيام.

وفاكر يوم الجنازة فى عمر مكرم كان يسير بجوارى المطرب الجميل على الحجار متأبطا ذراعى، وعلى يمينننا كان الأستاذ محمود لطفى المحامى ومستشار جمعية المؤلفين والملحنين يتأبط ذراع الشيخ سيد مكاوى، والشيخ سيد ينوح بصوت عال وبدموع ملأت وجهه:

- يا صلّوحه.. يا صلّوحه يا حبيبى!

وكنت أردد وراءه فى صمت: يا صلّوحه يا حبيبى.. مع السلامة!

 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

صلاح
صلاح
صلاح

المزيد من ثقافة

أبراج المونت جلالة: أيقونة الفخامة على ساحل العين السخنة

منطقة العين السخنة واحدة من أبرز الوجهات السياحية والاستثمارية في مصر،

قصة مصورة - أبطال خارقون

لا تستغرب ليس هذان بطلان خارقان خرجا فجأة من فيلم خيالي أو قصة فانتازية إلى شوارع القاهرة

توفيق نسيم باشا.. رجل الملك فؤاد فى معركته ضد سعد زغلول

شخصيات لها تاريخ «93» والده اللواء محمد نسيم باشا انحاز إلى الخديوى توفيق ضد أحمد عرابى ورفاقه فكافأه برتبة اللواء...

هناء متولى: قصص «غرفة ضيقة» أنقذتنى

هناء متولى، روائية وقاصة شابة، أصدرت رواية "أسرار سفلية" عام 2018، حصلت على جائزة سعاد الصباح للإبداع العربي عام 2019،