أثار الجدل مبكرًا بقصيدة جريئة.. لكنه تميز بأسلوب خاص / ترك أربع مجموعات شعرية ورواية واحدة.. ودافع عن الحق فى التعليم
من بين كل من عرفتهم فى الوسط الثقافى المصرى من شعراء وكتاب ومثقفين، خلال عقود سابقة، يبدو أن صديقى الشاعر الراحل عبدالحفيظ طايل ظل الشاعر التسعينى الأكثر خصوصية واستثناء فى الحياة والعمل فى مدينة القاهرة ـ منتقلًا إليها من محافظة المنوفية ـ كما يعتبر واحدًا من أصحاب الأصوات الشعرية ذات السمات الخاصة جدًا فى تجربة شعراء التسعينيات، التى فقدت خلال النصف الثانى من شهر يوليو الماضى فقط ثلاثة من أهم شعراء هذا الجيل دفعة واحدة: محمود قرنى وسامى الغباشى وعبد الحفيظ طايل.
كان طايل من القليلين فى شعراء هذا الجيل الذين لم يعملوا فى مهنة الصحافة أو المهن الإعلامية القريبة، لكنه كان دائما ما يحقق الحضور الكثيف بطاقته الدائمة والمتجددة على التمرد، سواء فى كتابة الشعر أو فى ممارسة الحياة، فأنا ما زلت أتذكر تلك القصيدة المدهشة التى كتبها أواخر عقد التسعينيات ونشرها فى مجلة "أدب ونقد" وكانت تحتوى على مشهد عبثى جدا تم احتسابه خرقا للتابو الأدبى والأخلاقى العام، وكانت التهمة الخرقاء للقصيدة أنها تصور مشهدا عبثيا يفرش فيه الشاعر "ملابسه الداخلية" أمام العالم على حبل الغسيل ويتأملها، الأمر الذى أثار جدلا بين النقاد المحافظين والشعراء، قبل أن تتحول هذه القصيدة إلى أحد النصوص المشهورة فى أوساط المثقفين.
لقد جاء الزمن ـ على ما يبدو ـ الذى أصبح فيه شعراء قصيدة النثر مستهدفين مباشرة من الموت، ربما أكثر من شعراء بعض الأجيال السابقة، إن عدد الموتى من شعراء النثر ومن شعراء العامية المصرية يمكن أن يصنع كتابا شعريا متكامل العناصر، نضع فيه قصيدة موت كتبها كل شاعر من هؤلاء الذين غادرونا مبكرين، من أسامة الدناصورى إلى إيهاب خليفة وفتحى عبدالله ومن خالد عبدالمنعم إلى مجدى الجابرى، كتاب نجمع فيه قصائدهم التى خاطبوا فيها الموت ووصفوه وتمردوا عليه، ربما استطعنا أن نعيد الاعتبار إلى رؤى الموت فى شعرنا الجديد، لكى نستطيع أن نفهم عصرنا أكثر.
كان عبدالحفيظ طايل واحدا من البشر الجميلين الذين لا يتوقفون أبدا عن الضحك والمرح والسُخرية، الأمر الذى يجعل فكرة موته أمرا صادما بالنسبة لى، فقد كان صوته العريض -متحدثا عن سخريات العالم- يثير عاصفة من الصخب والسعادة من حوله، التقينا عشرات المرات ولم يقل لى مرة إنه كان مريضا، على العكس تماما كان أكثر الناس مرحا وفرحا وإشراقا وإقبالا على الدنيا وملذاتها، مثلما كان مدافعا قويا عن إحدى أهم قضايا حقوق الإنسان؛ الأمر الذى جعل منه نموذجا فريدا بين شعراء قصيدة النثر المصرية فى التسعينيات.
لعبدالحفيظ طايل أربع مجموعات شعرية هى: "يحدث" و"حكايات الشرفة" و"عائلة يموت أفرادها فجأة" و"مدمن الغناء"، وكتب رواية واحدة هى "فقه الانتهاك"، ونشرت له مجلة إبداع المصرية فى عدد يوليو الماضى قصيدة أخيرة بعنوان "حارس قبر" يتحدث فيها مع الموتى الذين يعرفونه ويشربون معه الشاى، وتمتعت نصوصه بكثير من سمات شعرية ما بعد الحداثة، من التكثيف إلى التوهج والمجانية، بينما كان عبدالحفيظ يكتب القصيدة باعتبارها "هجين أدبى"، لكنه كان دائما صاحب الحديث الأكبر عن مدينة القاهرة، وكان حريصا على التقاط ما هو عابر وزائل فيها، فى قصيدة "هذه المدينة" فى ديوان مدمن الغناء، نظرا إلى الثقل التاريخى الكبير والسأم الذى يشعر به المرء من كثرة الحنين إلى الماضى فى مدينة عريقة مثل القاهرة. لقد شبه الشاعر الأمريكى جيمس ريتشاردسون قصيدة النثر بالطماطم: "فهى قد تكون فاكهة فى التصنيف النباتى مع أنها خضراوات لو قمت بتحضير سلطة"، لكنى أعتقد أن قصيدة عبدالحفيظ تشبه التعبير الآتى: "قصيدة النثر كالمشكاة، وعاء إشراقى، يوزع الصور والجمل المطلوبة لكن بفهم محدود".
عن المهمشين
من خلال قراءتى لتجربة هذا الشاعر أستطيع أن أدرك عددا من السمات الأساسية لشعره، وهى سمات انتشرت فى قصيدة النثر المصرية بين أبناء التسعينيات، ورصدها عدد من النقاد والباحثين مثل: "شخصنة الخطاب الشعرى، هيمنة النزعة اليومية والتفاصيلية، تخطى الرؤى الكلية المجردة المطلقة إلى الرؤى الجزئية والحياتية، أسطرة المعيشى والمكانى واستنفاد شعرية التقرير السردى، الكشف عن شعرية المهمش والمنسى"، لكن طايل قدم أسلوبه الشعرى الخاص؛ فقد كان مشغولا بالرحلة التى قطعها شعره من قصيدة التمرد التى أنتجت معركته الأولى بسبب نص "أدب ونقد"، إلى كتابة قصيدة نثر خاصة جدا، لها حزنها الخاص ومخاضها الخاص وإيقاعها المتميز الهادئ، قصيدة نثر لا تتنصّل من آلام واقعها ولا تنسى عذاباته، وفى الوقت نفسه تحكى شيئا عن العالم الذى نعيش، على لسان هؤلاء المنسيين تماما الذين لم تنل الحرب من أرواحهم بقدر ما نالت من أجسادهم:
"قامت الحربُ
وانتهت
ولم يعد جنودنا المنتصرون
لم يمروا من تحت قوس النصر
ولم نغن لهم أغانى النصر
لكننا لم نشعر بالهزيمة أيضا
فيما كان الأمر إذن؟
أنا لم أشارك
لأننى لم أستدع
لم أحتفل بالنصر
لأننى لم أعلم به
لم أشعر بهزيمة لأننى لم أعلم بها
ورغم ذلك فقدتُ ساقا".
هذه الذات الضحية التى لا يعترف بها أحد ولا تشعر بأى درجة من درجات الانتماء إلى الوطن الذى تتحدث عنه، هذه الذات المتفلتة من كل قاعدة تريد أن تتحرر من القوانين التى تكبلها وتجعلها ضعيفة مصابة بفقدان ساق فى حرب لا تعلم شيئا عن نتيجتها، لا تعلم هل هى منتصرة أم مهزومة، إذا اعتبرنا أن تحقيق الإصابات فى الحروب هو ـ وإلى حد ما ـ إشارة إلى النتيجة، فالجانب الذى يحمل عددا أكبر من المصابين والضحايا وأصحاب الآلام العظيمة فى الحروب يتوقّع أن يكون هو الجانب المهزوم، بينما التاريخ قد لا يتقبل منا هذا الكلام، لأن الحرب لا تترك للمنتصر أيضا سوى قوائم طويلة ولا نهائية من الجرحى والشهداء.
لا أعرف لماذا ذكرتنى قصيدة طايل عن الحرب أيضا بنص أمل دنقل عن ذلك العبد الذى لا يتم استدعاؤه إلا فى حروب القبيلة، لكنه يعيش وسط أهلها من العبيد، فلا يُستدعى أبدا إلى المجالسة:
"قيل لى "اخرس.."
فخرستُ..
وعميت..
وائتممتُ بالخصيان!
ظللتُ فى عبيد (عبس) أحرس القطعان
أجتز صوفها..
أرد نوقها..
أنام فى حظائر النسيان
طعامى: الكسرة.. والماء.. وبعض التمرات اليابسة.
وها أنا فى ساعة الطعان
ساعة أن تخاذل الكماةُ.. والرماةُ.. والفرسان
دُعيت للميدان!
أنا الذى ما ذقتُ لحمَ الضان..
أنا الذى لا حولَ لى أو شأن..
أنا الذى أقصيت عن مجالس الفتيان،
أدعى إلى الموت.. ولم أدع إلى المجالسة!!"
حارس مقابر
على أن قصيدة عبدالحفيظ طايل كانت مؤخرا تهجس كثيرا بالموت، وأعتقد أنه كان من الواصلين لأنه من الذين كتبوا موتهم بأيديهم، فى قصيدته الأخيرة التى نشرتها مجلة "إبداع"، التى سنتوقف أمامها بعد قليل، لكننا نريد أن نتأمل أيضا فهمه للموت فى قصيدة أخرى بعنوان "مكالمة صباحية" يقول:
"صباح الخير يا موت/ أعتذر عن الأمس يا صديقى العزيز/ كنت مرهقا، فلم أكمل معك الطريق/ أنا كما تعرف أنا كما تعرف يا صديقي/ عشت عمرا كاملا فى دور/ أحدهم/ مجرّد/ كمبارس/ صامت/ لم أهتمّ أبدا بأثر الفراشة/ رغم عملى كقهوجي/ أضبط مزاج الزبائن/ …/ كنت حيّا يا موت/ طفلا مشاغبا تعلم ألاعيب الحواة".
هكذا ببساطة كان عبدالحفيظ يتعامل مع الموت فى قصائده، بوصفه مفردة أصلية من مفردات الحياة، "صديق"، متجاهلا ذلك التراث الخالد من الحزن الذى خلفته ثقافات البشرية جميعا عن لحظة الموت وجلاله ورعبه وأساطير آلهة الموت القدامى وحكاياتهم، لكى يتحول الموت عنده إلى صديق يمكن أن يحكى له قصته أيضا "عشت عمرا كاملا فى دور أحدهم"، وأعتقد أن هذا الموقف من الموت لا يتكرر كثيرا فى شعرنا.
لكن الأكثر لفتا للأنظار هو تلك الشفافية والزهد والإحساس العميق بالسمو فوق متطلبات الحياة فى نصه الأخير المنشور فى مجلة "إبداع"، والذى يحكى فيه عن عشرته ونميمته مع أصدقائه من الموتى فى قصيدة "حارس مقابر"، تلك اللحظة التى يدرك فيها البشر أن الحياة بكل ما فيها من تعقيدات وخطايا قد لا يتبقى منها سوى بعض حكايات لطيفة وبعض أغان تصلح لجلسات السمر:
"أنا حارس مقابر
أعرف الموتى ويعرفوننى
فى الليل
نتسامر
نجلس حول أكواب الشاى الساخن
ندخن ونحكى
أحيانا
نمارس النميمة
خاصة إذا غاب أحدنا عن الجلسة
نخمن الأسباب
ومن يفز يحصل على جائزة
نعرف أن الحياة طويلة وشاقة
لكننا نعرف
أن ما يبقى منها
هو بعض حكايات لطيفة
وبعض أغان
تصلح لجلسات السمر".
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
انسداد المجاري من أكثر المشكلات المنزلية إزعاجا، لأنه يسبب بطء تصريف المياه، وروائح كريهة، وقد يتطور إلى تسربات وتلف في...
ستندهش في البداية، وربما تفرك عينيك أكثر من مرة كي تتأكد أن ما تراه حقيقى عندما ترى ما يشبه فانوسا...
يختبرها المسلم فى صوم شهر رمضان من رحمته تعالى بخلقه هو معرفته بعلمه الواسع بأن إرادة الناس مختلفة فهناك أصحاب...
ابنه محمود يتحدث عن سيرته ومواقفه وأبرز محطات حياته ترك مكتبة موسيقية تضم أكثر من 15 ألف شريط.. وكان يسمع...