ما هى حكاية محمد أفندى محيى الدين شبيه نجيب الريحانى، وكيف تحول هذا الشبه الغريب من مصادفة قدرية جميلة، يستقبل بسببها بكلمات الإعجاب والابتسامات، إلى كابوس ثقيل عانى بسببه كثيرا؟!
وما قصة المغامرة المثيرة التى قام بها الفنان عباس فارس ليثبت أن التسول مهنة من لا مهنة له، ولا تحتاج إلى موهبة ولا دياولو، ثم اكتشف بعدها أن التسول "فن" وموهبة؟
وما حكاية المقال الذى كتبه إحسان عبد القدوس عن صديقته المتمردة.. ثم ندم عليه طوال عمره؟
الإجابات فى هذه الحكايات.
(1)
مأساة شبيه نجيب الريحانى!
ذهب محمد أفندى محيى الدين صاحب مخزن أدوية لاستئجار شقة فى حى الحسين، وبعد كثير من السؤال واللف والدوران والمعاينات عثر على شقة مناسبة تمتلكها سيدة بدينة مسترجلة من ذوات النفوذ فى المنطقة، وبالفعل كتب "كونتراتو" وجاء بمتعلقاته وسكن الشقة الجديدة.. لكنه فى اليوم التالى فوجئ بصاحبة الشقة تقتحمها عليه وهى فى حالة ثورة عارمة، وتطالبه بأن يقوم بإخلاء الشقة فورا وهى تطلق سيلا من التهديد والوعيد والشتائم لم يتبين منه سوى جملة واحدة:
أنا ما أقبلش يسكن عندى واحد مشخصاتى زيك بتاع تياترات!
لم يستوعب ما تقوله فى البداية، وحاول أن يشرح لها أنه يعمل فى تجارة الأدوية ولا علاقة له بالتشخيص ولا التياترات، ثم سرعان ما تبين له سر هذا الالتباس وهى تشخط فيه بأسلوب أقرب إلى ردح الحوارى:
بقى عايز تضحك عليا أنا يا سى كشكش أنت!
وتذكر محمد أفندى أنه يحمل الكثير من ملامح نجم زمانه نجيب الريحانى؛ فقسمات الوجه وحركات الجسد وبحة الصوت والطربوش المعووج على جنب، كلها كانت تؤكد أنه نجيب الريحانى بشحمه ولحمه، أو على الأقل لمن يعرفه فولة وانقسمت نصين!
وهو تشابه كان يُوقع محمد أفندى فى مطبات ومواقف، بعضها كان طريفا وظريفا، كحال هؤلاء المعجبين بالريحانى الذين كانوا يتجهون للسلام عليه بحرارة ومحبة ولا يعطونه الفرصة ليشرح لهم أنه ليس الريحانى بل شبيها به، وأغلبهم كان يتصور أنها مجرد حيلة من الريحانى للإفلات من زحام المعجبين وفضولهم.. لكن بعضها الآخر كان مدهشا ومحببا ويفتح أمام محمد أفندى الأبواب المغلقة ويحل له ببساطة ما بدا أنه مشاكل مزعجة، مثلما حدث عندما ذهب إلى إحدى الشركات الطبية ليتعاقد معها على توريد بعض منتجاتها من الأدوية، لكنه فشل فى الحصول على ما يريد، ووجد فى انتظاره عقبات وتعقيدات وصعوبات، ولم يجد أمامه سوى أن يتوجه إلى مكتب مدير الشركة ليشكو له ويطلب تدخله لتيسير الإجراءات، ولكن سكرتير المدير استقبله بجفاء وعامله باستعلاء ورفض أن يأذن له بمقابلة سيادة المدير، وهنا فقد محمد أفندى أعصابه وعلا صوته ودخل فى مشادة حامية مع السكرتير، وجاء المدير على الصخب يستوضح سببه، وبمجرد أن وقع بصر المدير على محمد أفندى لم يتمالك نفسه من الضحك، وبدا له الأمر وكأنه فى مشهد كوميدى من فيلم للريحانى الذى يعشقه، فقد كان محمد أفندى نسخة منه فى بحة صوته ولغة جسده، وصافحه المدير بحرارة بل كاد أن يعانقه من شدة انفعاله وحماسه وعدم تصديقه لفرط الشبه، وأخذه المدير من يده إلى مكتبه، وطلب له عصير ليمون ووافق على طلبه فورا وبكل بساطة، ورافقه حتى خرج من المكتب وكأنه يودع الريحانى شخصيا، وارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة وهو يقول له فى تقدير مبالغ فيه:
- شرفت يا مسيو كشكش!
ولم ينس محمد أفندى أن يسدد نظرة شماتة للسكرتير المتعنت، وكان غارقا فى كرسيه وذهوله مما يرى.. وحاول محمد أفندى أن يشرح لصاحبة الشقة أنه مجرد شبيه لنجيب الريحانى، وأنه لا علاقة له بكشكش بيه ولا بـ "كار" التمثيل أصلا، ولا يفهم إلا فى الأدوية والمستلزمات الطبية.
وفى اللحظة التى بدا على صاحبة الشقة أنها تميل إلى تصديق رواية محمد أفندى جاء زوجها فجأة، وكان رجلا صاحب مزاج وتعامله زوجته على أنه "شرابة خُرج"، وكانت هى المرة الأولى التى يقابل فيها المستأجر الجديد، ومن اللحظة الأولى اقتنع أنه أمام نجيب الريحانى، فلا يمكن أن يكون الشبه إلى هذا الحد، وبمزاج عال راح يخاطبه:
والله يا أبو الكشاكش إن كان علىّ أنا نفسى تسكن عندنا علشان أوفر اللى بادفعه لما أدخل التياترو بتاعك!
وعادت الزوجة للمربع صفر وأصرت على أن يحمل كشكش بيه متعلقاته ويُعزل فورا من الشقة!
أما التنغيص الحقيقى الذى تعرض له محمد أفندى بسبب الشبه الهائل بينه وبين الريحانى فكان بعد رحيل الريحانى فى 8 يونيو 1949، فقد أصبح الشبه مثارا للسخرية والتريقة اليومية.. وأصبح محمد أفندى محيى الدين يلعن اليوم الذى جعله شبيها بنجيب الريحانى!
(2)
عباس فارس يمارس التسول بجد
صباح يوم من شهر مارس 1950 فى يوم الإجازة، وعلى مقهاه المفضل بشارع عماد الدين جلس الممثل القدير عباس فارس مع أصدقائه، يشربون الشاى ويثرثرون فى أى شىء، ومن بين هذا الأى شىء دخلوا فى نقاش حول القانون الجديد الذى أصدرته الحكومة لمكافحة التسول.. وتطور النقاش إلى المهنة ذاتها، وكان السؤال الذى أثار بينهم الجدل والخلاف: هل التسول "فن" يحتاج إلى مواهب خاصة، أم أنه مهنة من لا مهنة له لا يتطلب موهبة ولا دياولو؟
ومال عباس فارس إلى الرأى الأخير، وأصر على موقفه، ولم يكتف بالكلام والأدلة النظرية، بل أعلن أمام المقهى كله أنه سيقدم الدليل العملى على صحة موقفه، وسيخوض التجربة بنفسه وسيتنكر فى ملابس "الشحاتين" وسيمارس التسول فى الشارع.
وهلل الحاضرون وتحمسوا للفكرة، وفى وهج الحماس قرر عباس فارس أن يخوض المغامرة فى السادسة من مساء نفس اليوم، بعد أن يكون قد استعد لها بملابس وماكياج يليقان بمتسول محترف، واقترح عليه أحد الأصدقاء الاستعانة بمتسول حقيقى ليكون الحكم على مستوى وأداء المتسول المزيف، وفعلا تطوع واحد من متسولى المنطقة اسمه عبد العاطى للمهمة.
وخلع عباس فارس بدلته الأنيقة وارتدى جلبابا بائسا ولف رأسه بشال لا يقل بؤسا، وبالفعل لم يتعرف أحد على شخصيته الحقيقية وهو يسير فى المنطقة المحيطة بشارع عماد الدين يمد يده ويستجدى المارة ويسألهم: لله يا محسنين.. وحسنة قليلة تمنع بلاوى كتيرة.
واندمج عباس فارس فى الدور، لكنه فوجئ بفشل ذريع ولم يفتح الله عليه بأى حسنة، بل بوابل من التوبيخ و"البستفة" اللاذعة، بدأت بوجيه ثرى يسير مختالا بعصاته الأبنوس، كاد يضرب المتسول اللحوح بها وهو يوجه إليه كلمات كاللكمات:
ما تختشى على طولك وعرضك.. ده أنت تجر وابور زلط!
حتى صاحب الكشك الذى عطف عليه بسيجارة من علبته المتواضعة كاد يسحبها منه عندما أبدى المتسول تأففه من نوعها الرخيص، وصاح فيه بغلظة:
جرى إيه يا أخينا.. لو مش عاجباك رجعها وشوف حد يشحتك واحدة أمريكانى!
وحتى الساندوتش الذى تعطفت به عليه تلك الطفلة الصغيرة وقدمته له قاسمه فى التهامه "كنّاس" الشارع.
كان أول استفتاح حقيقى للمتسول المزيف من الفنانة ميمى شكيب، فقد لمحها عباس فارس وهى تسير بصحبة زوجها الفنان سراج منير، ولما اطمأن عباس فارس أنهما لم يتعرفا عليه اتجه ناحيتهما مستعطفا ومستجديا، لكن سراج صده بغلظة بعدما لاحظ مظاهر الصحة البادية عليه والتى لا تتفق مع شحات مسكين، ولكنه استمر فى إلحاحه وقال باستعطاف مبالغ فيه:
والنبى يا بيه.. ربنا يخلى لك بنتك!
ويبدو أن الجملة أعجبت الهانم المتصابية، ففتحت شنطتها وأخرجت كل "الفكة" الموجودة بها وأفرغتها فى يد المتسول مكافأة له على أنه رآها بنت سراج وليس زوجته.
وجلس عباس فارس فى ركن حيوى بالشارع يستجدى المارة بعبارات الشحاتين المحفوظة من قبيل: هنيالك يا فاعل الخير.. حاجة لله يا بيه.. جعان يا ناس.
وبعد 4 ساعات من التسول كانت الحصيلة 13 قرشا، وفى حين رآها عباس فارس بداية مبشرة، ودليلا على صحة رأيه بأن التسول مهنة من لا مهنة له ولا تحتاج لموهبة ولا يحزنون، فإنه فوجئ بأن عبد العاطى المتسول الحقيقى الذى كان يراقبه من بعيد له رأى آخر.. صادم.
وبعد أن استبدل ملابس التسول وعاد إلى وجاهته جلس عباس فارس بين أصدقائه على المقهى من جديد يستمعون إلى حُكم "عبد العاطى" - باعتباره خبيرا فى التسول – على تجربة المتسول الناشئ.
وقال عبد العاطى إن عباس فارس فشل بجدارة، وأنه لو كان مكانه فى نفس المنطقة ونفس المدة لتضاعفت حصيلته من التسول لأكثر من 30 قرشا وليس 13 حصل عليها بالصدفة من هانم متصابية.
وبلغة الخبير أوضح المتسول القديم أن عباس فارس لم يكن مقنعا فى الدور، فقد كان يرتدى حذاء لا يليق بمتسول ، وجلبابه ليس رثا بما فيه الكفاية، ثم أنه كان يمشى منتصب القامة كقاطع طريق وليس شحاذا، وصوته كان جافا فى الاستجداء وخاليا من التذلل والتوسل الذى يستدر العطف ويرقق القلوب، ونظرته لم يكن فيها الانكسار الذى يليق برجل غلبان، ولذلك لم يتعاطف معه أحد بدليل تلك القروش الزهيدة بعد كل تلك الساعات.
ولأن الملاحظات كانت دقيقة وذكية ولا تخرج إلا من رجل متمرس، فقد غيّر عباس فارس رأيه وعدّل موقفه وآمن بعدها أن التسول موهبة وصنعة لها أصول وقواعد.. ولها ناسها.
(3)
مقال ندم عليه إحسان عبد القدوس
فى مشواره الطويل والمثير مع الصحافة نشر إحسان عبد القدوس آلاف المقالات، ولكن بينها مقالا وحيدا ندم عليه طويلا وتمنى كثيرا لو أنه لم يكتبه ولم ينشره.. ولهذا المقال الذى ندم عليه إحسان قصة، تبدأ فى اللحظة التى أوقعته الصدفة فى طريق تلك الفتاة الغريبة.
نشأت الفتاة فى أسرة ميسورة، وكل الظروف كانت تهيئها لحياة رغدة ناعمة مرفهة، ولكنها اختارت طريق التمرد، تمردت على حياتها وأسرتها وظروفها وقررت أن تعيش على طريقتها الخاصة، وبأفكارها المستقلة التى أدخلتها فى أزمات وصدامات، خاصة وأنها – أفكارها – كانت تبدو بميزان زمانها متطرفة.. بل ومجنونة.
ولما لم يستوعبها أحد قررت أن تنفصل عن أسرتها وتستأجر حجرة فوق سطوح إحدى العمارات، تعيش فيها بمفردها وتستكمل دراستها وتحتفظ باستقلالها.. وفى تلك الظروف قابلها إحسان عبد القدوس وكان صحفيا فى مطلع حياته.. وتكررت اللقاءات، وبدا أنها بدأت تأنس لإحسان، خاصة وأنه كان يستوعب شخصيتها الحادة وآراءها المتطرفة ويتجنب الدخول معها فى نقاشات خلافية.. وبسبب تلك الثقة راحت تحكى له عن تفاصيل حياتها الشخصية والعائلية.. وتخصه بأسرارها المخفية.
وقررت الفتاة المتمردة أن تسافر لاستكمال دراستها فى الخارج، وهنا وسوس شيطان الصحافة فى أذن إحسان ودفعه لأن ينشر قصتها فى "روزاليوسف"، ممنيا نفسه أنها لن تقرأ القصة، فهى لا تقرأ إلا باللغة الفرنسية.
لكنها من سوء حظه قرأت قصتها بقلم إحسان، واعتبرتها خيانة للصداقة وللثقة، وسحبت صفة الصديق الأمين من إحسان وقاطعته ورفضت استقباله، وحاول إحسان كثيرا أن يعتذر لها ويؤكد لها أنها غلطة ولن تتكرر.. ولكنها سافرت قبل أن يحصل منها على "العفو" و"السماح"، وهو أمر تسبب فى وجع لضمير إحسان، جعله يندم على ذلك المقال.. وتلك النزوة الصحفية.
وبعد عامين على تلك الواقعة سافر إحسان إلى إيطاليا، وقرر أن يستغل الزيارة ويسافر إلى باريس ليلتقى صديقته المتمردة الغاضبة ليطلب منها الصفح عن ما ارتكبه فى حقها، ومن أجل إرضاء ضميره تجاهها تحمل 300 جنيه تكاليف الرحلة من روما إلى باريس، وكاد يبكى من شدة الغيظ عندما عرف فور وصوله أن صديقته المتمردة الغاضبة سافرت فى نفس اليوم من باريس إلى روما.
تمر الشهور وتعود المتمردة الغاضبة إلى القاهرة بعد أن أكملت دراستها فى فرنسا، وحاول إحسان أن يلتقيها مرات ولكنها فى كل مرة كانت ترفض مقابلته.
ويكتب إحسان بأسى: لقد انتقمت منى أقسى انتقام، وتركتنى لسياط ضميرى تلهبنى كلما تذكرتها وتذكرت قصتها، حتى أصبحت أحيانا أكره الكاتب الذى يعيش فى نفسي، ولن أرضى عنه إلا إذا صفحت.. وحتى اليوم يبدو أنها لن تصفح"..
وهكذا كان المقال الذى ندم عليه إحسان طوال عمره!
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
منطقة العين السخنة واحدة من أبرز الوجهات السياحية والاستثمارية في مصر،
لا تستغرب ليس هذان بطلان خارقان خرجا فجأة من فيلم خيالي أو قصة فانتازية إلى شوارع القاهرة
شخصيات لها تاريخ «93» والده اللواء محمد نسيم باشا انحاز إلى الخديوى توفيق ضد أحمد عرابى ورفاقه فكافأه برتبة اللواء...
هناء متولى، روائية وقاصة شابة، أصدرت رواية "أسرار سفلية" عام 2018، حصلت على جائزة سعاد الصباح للإبداع العربي عام 2019،