فى ذكرى ميلاد محفوظ عبد الرحمن عاشق مصر وكاتب الدراما الوطنية

انحاز إلى الدراما التاريخية والسيرة الذاتية، فجاءت أعماله تجسيداً حياً لجزء كبير من التاريخ المصرى والعربي بشكل عام، ليبعث على الشاشة بعشرات الشخصيات من عمق التاريخ ويناقش معها ليس فقط الماضي بل تأثيره في الحاضر والمستقبل من خلال قراءة واعية لأحداث التاريخ في قالب درامي محكم ومثير

، إنه محفوظ عبد الرحمن «1 »2017 ديسمبر 1933 - 19 أغسطس السيناريست والكاتب المسرحي وكاتب القصة القصيرة الذي كتب أيضاً للسينما والدراما التليفزيونية والإذاعة، وعلى الرغم من شهرته الكبيرة في المسرحوخاصة في الأقاليم من خلال مجموعة من المسرحيات نالت تقديراً نقدياً كبيراً. منها عريس لبنت السلطان، وحفلة على الخازوق، الحامي والحرامي محاكمة السيد ميم، السندباد البحرى ليلة من ألف ليلة وليلة» بل ويندر أن يمر موسم من مواسم المسرح في الثقافة الجماهيرية دون أن يتم تقديم هذه النصوص وخاصة عريس لبنت السلطان وحفلة على الخازوق»، إلا أننى أنحاز لكاتب الدراما التليفزيونية الذي قدم للمشاهد مجموعة من الأعمال الدرامية أصبحت بامتياز جزءاً من وجدان المشاهد المصرى.

تخرج محفوظ عبدالرحمن، الذى تمر ذكرى مولده هذه الأيام، فى جامعة القاهرة عام 1960، ليعمل محرراً فى دار الهلال قبل أن ينتقل إلى وزارة الثقافة للعمل فى دار الوثائق ثم سكرتيراً لتحرير مجلة المسرح. وانحاز منذ كتابته الأولى بقوة للدراما التاريخية والسير الذاتية، وبالفعل أصبح أحد أعلام هذا النوع من الدراما، حيث كتب مجموعة من الأعمال يندر أن يكتبها مجتمعة كاتب بمفرده، ومنها «ليلة سقوط غرناطة - القادسية - ناصر 56 - حليم - أهل الهوى عن حياة خالد الذكر سيد درويش - مصرع المتنبى - الزير سالم - الكتابة على لحم يحترق - سليمان الحلبى - أم كلثوم - بوابة الحلوانى فى أربعة أجزاء»، ودلالة العناوين واضحة وتشى بهذا الانحياز للتاريخ وللهوية. ومسلسل «بوابة الحلوانى» فى أربعة أجزاء نموذج لهذا الانحياز، ومن خلاله نستطيع قراءة أسلوب وفكر محفوظ عبدالرحمن الكاتب الوطنى الذى جسد صفحات مهمة من تاريخ المصريين فى أعماله الدرامية، جسد القيم والمبادئ والأعراف والتقاليد، جسد الهوية المصرية فى مشاهد درامية. فهو من الجيل الذى آمن بالهوية المصرية وبعظمة التاريخ المصرى.

ففى بوابة الحلوانى قدم صورة من تاريخ الشعب المصرى حيث تقوم الحبكة الدرامية حول حفر قناة السويس، فهى الحبكة الأساسية وهناك حبكات ثانوية عديدة وشخصيات من الحكام ومن الشعب، وهنا تظهر براعة هذا الكاتب الذى جعل من علاقات الحب فى هذا المسلسل البناء العميق للحكاية، وذلك حين قدم صورة حية للحياة الاجتماعية ورسم بدقة تفاصيل الحياة اليومية للمصريين فى القرن التاسع عشر، بداية عصر النهضة مع مؤسس مصر الحديثة محمد على باشا. ففى البنية السطحية علاقات الحب المتشابكة والمعقدة، ولكنه من خلالها يقدم للمشاهد صورة حية لصفحة مهمة ومحورية من تاريخ مصر. فعلى مدى أكثر من مائة حلقة حاول طرح واقع الحياة المصرية فى عصر الخديوى إسماعيل الحافل بالكثير من المتناقضات، والذى لم يكن حاكماً بالمعنى التقليدى بل كان عاشقاً مجنوناً يرغب أن تكون القاهرة قطعة من أوروبا. وما يثير الدهشة فى هذا المسلسل البناء الدرامى، فبدلًا من أن تكون القوة الفاعلة التى تحرك الأحداث هى التاريخ والأحداث الجارية جاءت تفاصيل الحياة اليومية والعلاقات الإنسانية وعلى رأسها الحب قوة فاعلة جوهرية، أما التاريخ فقد جاء هامشياً مع عدم الإخلال به. وبدلًا من أن تخضع الدراما للتاريخ استطاع المؤلف أن ينسج من علاقات الحب تاريخاً، حيث جعل البوابة وقناة السويس الإطار العام للحكاية إذ تخرج الحياة وتنمو الشخصيات وتتطور من خلال هذا الإطار، تُكتب التاريخ وتُحدد الإطار العام للحكاية وتمثل البنية العميقة للمسلسل.

ففى الأجزاء الأولى كانت الحلقات تبدأ بلقطة لحفر قناة السويس ثم ندخل إلى أحداث حافلة بالعلاقات الإنسانية إذ حاول الكاتب قراءة الواقع بكل مفرداته وإلى حد كبير كانت قراءة سوسيولوجية للمجتمع المصرى آنذاك، حيث يتم تجسيد الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية للواقع بشكل درامى من خلال علاقات الحب: ألمظ / عبده الحامولى، أشرقت هانم / حمزة الحلوانى، وإسماعيل المفتش والحامولى وغيرهم، سلامة الحلوانى / وداد بشتك ومن قبل كوكب، ربيع تهنس / حفصة، وحفص / حمزة، سيد القرد / الهانم التركية، شريف الكاشف / ألمظ أو أصيلة، مريم / شلش الحلوانى، الوالدة باشا / نيازى بشتك، وعلاقات أخرى كثيرة تنمو وتتطور فى أجزاء هذه الملحمة ومن خلالها يتسرب التاريخ ليكونا سوياً دراما بوابة الحلوانى.

فمن خلال أصيلة وألمظ التى تخرج عنوة من «الفرما» أثناء حفر القناة بعد أن اختطفتها زوجة مختار بك الكاشف، وفى نفس الوقت يبدأ الشاب القروى الصغير عبده الحامولى الذى هجر قريته متجهاً إلى منيا القمح ليلتقى المعلم شعبان أسطى القانون البرنجى فى بر مصر المحروسة، وفى هذا اللقاء يعرض محفوظ عبدالرحمن حال الغناء المصرى فى ذلك الوقت.

ومن خلال سلامة الحلوانى الأزهرى الفلاح واستقراره فى المحروسة حين سافر يعرض قضية البوابة على المسئولين شاكياً مختار الكاشف، ومن خلال علاقته بوداد هانم بشتك التى تنتهى بالزواج وأيضاً الطلاق نقرأ صعود الطبقة المتوسطة فى المجتمع المصرى من الفلاح إلى الأفندى ثم البك، وكيف تدرج الفلاح الأزهرى فى السلم الاجتماعى حتى وصل إلى هذه الدرجة حتى صار من أعيان المحروسة صاحب السراى والمصانع.

هذا بالإضافة إلى علاقة أشرقت هانم بحمزة الحلوانى الفلاح الذى التحق بسلك الجهادية حين أخذوه من الفرما إلى المكسيك بعد أن وشى به مختار الكاشف ليحملوه من الفرما إلى المكسيك، ثم عاد حارساً لقصر أشرقت هانم ثم ترقيته بشكل استثنائى بسبب الحب ووصوله إلى يوزباشى. وكيف أحبته الهانم هو وعبده الحامولى وآخرين فى وقت واحد، وحب إسماعيل المفتش لها الذى كاد أن يقتلها. فعلاقات الحب القوة الفاعلة التى تحرك الأحداث، فمن خلال علاقات الحب يقرأ الكاتب التاريخ من خلال هذه الشخصيات التى يكتب أحلامها وطموحاتها.

ولا ينسى المؤلف أن ينسج تاريخ الثورة العرابية بحس مرهف وأيضاً الرموز التاريخية وقتذاك مثل رفاعة الطهطاوى، وعلى مبارك، وجمال الأفغانى، ويعقوب صنوع أيضاً فى بناء درامى يتفوق على التاريخى ولا يخل به.

حيث يبدأ بحكم الخديوى سعيد الذى وقّع على الاتفاق الشهير حين منح ديلسبس امتياز حفر قناة السويس، ويجسد عصر الخديوى الذى افتتحت القناة فى عهده وهو الخديوى إسماعيل مؤسس القاهرة الخديوية المعروفة لنا بوسط البلد، وصولًا إلى الخديوى توفيق والثورة العرابية. قدم ما يقرب من نصف قرن من الأحداث المحورية فى التاريخ المصرى وعشرات الشخصيات السياسية والثقافية، قدم رواد عصر النهضة مثل رفاعة الطهطاوى وعلى مبارك ورائد المسرح المصرى يعقوب صنوع، وبداية النهضة الموسيقية على يد عبدالحامولى وألمظ من خلال بناء عميق لهذه الشخصيات، ليس فقط من خلال تصوير أبعاد كل شخصية بل ملامح هذا العصر من خلال أفعالها.

حيث قدم للمشاهد نموذجاً دقيقاً للمغنى فى ذلك العصر وكيف كان يتعلم ويشق طريقه، قدم صوراً حية لعالم الطرب والموسيقى وعلاقة المصريين بهذا الفن، وهذا ما فعله فى المسرح حين قدم يعقوب صنوع ومسرحه، وأيضاً بشير التقدم رائد الترجمة فى العصر الحديث رفاعة الطهطاوى وجهوده فى نقل العلوم الحديثة وتأسيس مجلة روضة المدارس، حيث قدم معالجة درامية مدهشة للصراعات السياسية فى ذلك الوقت، حيث يشعر المشاهد أن محفوظ عبدالرحمن يرسم صورة تفصيلية متكاملة لتلك الحقبة دون أن يسقط فى فخ المباشرة أو يشعر المشاهد أنه أمام توثيق درامى لهذه المرحلة. وقد احتاج منه ثقافة موسوعية فى شتى مناحى الحياة فى القرن التاسع عشر لدرجة أننى سمعته ذات مرة فى حديث إذاعى يقول إنه قرأ عن كيفية دخول الكهرباء مصر، قرأ كل شىء لذلك جسد نموذجاً مدهشاً لمصر فى القرن التاسع عشر وكأننا أمام معمارى يبنى مدينة متكاملة على الشاشة.

ثم عاد ليكمل وقائع التاريخ المصرى فى فيلم «ناصر 56»الذى قدم من خلاله معالجة درامية مدهشة لقرار تأميم قناة السويس، وهزيمة المصريين للعدوان الثلاثى، ليكمل ما بدأه فى بوابة الحلوانى.

وهذا أيضاً ما فعله فى مسلسل أم كلثوم الذى يحكى فى ظاهره ومن خلال البنية السطحية سيرة سيدة الغناء العربى أم كلثوم ولكن يقدم من خلال البنية العميقة للمسلسل سيرة حية لعصر النهضة الذى شهدته الموسيقى المصرية وأهم رموزها، حيث قدم معالجة درامية لعصر أم كلثوم ورياض السنباطى والشيخ أبوالعلا ومحمد وزكريا أحمد والقصبجى وبيرم التونسى وأحمد رامى ومأمون الشناوى وعشرات من رموز النهضة دون أن يشعر المشاهد بالملل من سرد عشرات التفاصيل التاريخية، فلدى محفوظ عبدالرحمن قدرة فذة على معالجة الأحداث التاريخية فى عمل درامى شيق يفيض بالمشاعر الوطنية، ويشعر المشاهد بمدى عشق هذا الكاتب لمصر وقد عبر سيد حجاب عن هذا الحب فى أغنية المقدمة والنهاية لمسلسل بوابة الحلوانى وهو يقول «عشان كده يا أولاد مصر حلوة الحلوات.» وفى كل أعماله قدم محفوظ عبدالرحمن ليس فقط التاريخ المحض بل صورة حية للحياة الاجتماعية يطل من خلالها التاريخ.

 	جرجس شكري

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

ناصر
نادية
مخيون
ام كلثوم

المزيد من فن

فى ذكرى ميلاده- 2 «بلوتولاند».. ثورة لويس عوض الأولى على عمود الشعر

يُعد ديوان بلوتولاند نموذجاً لرسالة لويس عوض الفكرية ورغبته الغريزية في التجديد والتجريب، وأنه كان يشعر في قرارة نفسه أنه...

عبدالحليم حافظ.. العندليب يحارب أنصاف الموهوبين رغم الرحيل

المعنى الوحيد الذي أفهمه في قضية الإبداع هو قدرة المبدع على التعبير عن الوطن والناس والتاريخ والأحلام التي تخص الشعب...

عبدالوهاب يتغزل فى وردة بأوراقه الخاصة

أوراق الوردة (15) أنوثة الحنجرة وملكة الحضور وصوت متوحش يغنى على مزاجه هل تستحق 3 أغانٍ وهابية أن تبيع وردة...

دراما رمضان تنتصر لقضايا المرأة

تركز على الطلاق والعقم والصراعات النسائية على الأموال