جوائز مهرجان البندقية ال 82 : انتصارات فنية ترسم ملامح سينما الغد

فى لحظة تاريخية فى الدورة الـ82 من مهرجان البندقية السينمائى الدولى، اعتلت المخرجة التونسية كوثر بن هنية منصّة التكريم لتتسلّم جائزة الأسد الفضى ـ الجائزة الكبرى للجنة التحكيم ـ عن فيلمهاThe Voice of Hind Rajab 

 لم يكن الفوز مجرد إنجاز سينمائى عابر، بل تحوّل إلى فعل مقاومة ثقافية وصوت عالمى مسموع للقضية الفلسطينية، الفيلم المستلهم من قصة الطفلة الفلسطينية هند رجب التى هزّت العالم، منح الضحايا وجهًا إنسانيًا وأعاد تسليط الضوء على المعاناة اليومية تحت الاحتلال، لكن بلغة الفن التى تتجاوز الخطابات السياسية لتصل مباشرة إلى الضمير الإنسانى.

بهذه الجائزة، لم يُكرَّم عمل فنى فحسب، بل كُرِّس اعتراف دولى بمكانة السينما كأداة نضال رمزية، قادرة على حمل هموم شعب كامل إلى أرقى منصات الفن السابع فى العالم.

 الأسد الذهبى

أما الجائزة الكبرى للمهرجان، الأسد الذهبى، ذهبت إلى فيلمFather Mother Sister Brother  للمخرج الأمريكى جيم جارموش، وهو عمل إنسانى الطابع ينفتح على ثيمات العائلة والذاكرة المشتركة، اختيار جارموش بدا تكريمًا لسينما شاعرية طالما اشتغلت على التفاصيل الصغيرة وعلاقتها بالإنسان فى مواجهة العزلة والغياب.

وارتبط اسم المخرج الأمريكى جيم جارموش كثيرا بمهرجان البندقية، الذى يُعد من أوائل المنصات الدولية التى احتفت بأعماله منذ بداياته فى الثمانينيات، فقد عرض المهرجان عدة من أفلامه المميزة مثلDown by Law  وDead Man، ليكرّس مكانته كصوت مستقل فى السينما العالمية، جارموش، الذى يُعرف بلغة سينمائية شاعرية وبأبطال يعيشون على هامش المجتمع، وجد فى البندقية فضاءً رحبًا يمنح أعماله صدى عالميًا، فوزه هذا العام بـ الأسد الذهبى عن فيلمهFather Mother Sister Brother  لم يكن مجرد تتويج لفيلم جديد، بل بمثابة تتويج لمسيرة طويلة من الحضور والوفاء بين المخرج والمهرجان الذى لطالما آمن بمفرداته الفنية.

ونال الأمريكى بينى سفدى الأسد الفضى لأفضل إخراج عن فيلمهThe Smashing Machine، وهو عمل يعكس أسلوبه الحاد والواقعى فى استكشاف التوترات النفسية والحدود القصوى للإنسان، فيما ذهبت جائزة لجنة التحكيم الخاصة إلى المخرج الإيطالى جيانفرانكو روسى عن فيلمه الوثائقىBelow the Clouds  الذى التقط بعيون شاعرية ملامح الحياة اليومية فى نابولى، ليحوّل العادى إلى استثنائى.

 جوائز أخرى

على مستوى الكتابة، فازت جائزة أفضل سيناريو بالفيلم الفرنسى À pied d’œuvre (At Work)  للثنائى فالييرى دونزيلى وجيل مارشان، عمل يوازن بين الذكاء السردى والحساسية الإنسانية.

أما الجوائز التمثيلية، فقد حملت لحظات مؤثرة منحت جائزة فولبى لأفضل ممثلة إلى الصينية شين تشيلى عن أدائها البديع فىThe Sun Rises On Us All  أداؤها جاء مشبعًا بالصدق والعاطفة، حيث قدّمت شخصية تنبض بالأمل وسط واقع ملىء بالتحديات، ما منح الفيلم بعدًا إنسانيًا يتجاوز حدود الثقافة المحلية، هذا الفوز لا يكرّس فقط مكانة شين تشيلى كواحدة من أبرز الوجوه الصاعدة فى السينما الآسيوية، بل يعكس أيضًا الحضور المتنامى للسينما الصينية فى المشهد العالمى، ولعل أهميته تكمن فى أنه جاء فى دورة تنافسية حافلة بأسماء كبيرة، ليؤكد أن أصواتًا جديدة قادرة على أن تخطف الأضواء وتعيد رسم ملامح مستقبل الأداء التمثيلى فى السينما الدولية.

وجائزة فولبى لأفضل ممثل حققها الإيطالى تونى سيرفيللو عن فيلم La Grazia، حيث جسّد دورًا عميقًا ترك بصمة قوية فى ذاكرة المهرجان.

         فيلم مختلف

شكّل فيلمLa Grazia  للمخرج باولو سورينتينو أحد أبرز عناوين السينما الإيطالية فى مهرجان البندقية لهذا العام، الفيلم الذى يتميز بلغته البصرية المترفة والمشحونة بالرمزية، يواصل مسار سورينتينو فى الغوص داخل العلاقات الإنسانية والدينية والسياسية من خلال شخصيات متأرجحة بين الواقع والأسطورة، وقد حظى العمل باهتمام خاص بفضل الأداء القوى للممثل المخضرم تونى سيرفيللو، الذى نال عنه جائزة كأس فولبى لأفضل ممثل، ما أكد على الشراكة الإبداعية المتجددة بين المخرج والممثل التى أثمرت عن عدة أعمال أيقونية فى السينما الإيطالية المعاصرة،La Grazia  لم يكن مجرد مشاركة وطنية فى المهرجان، بل لحظة فخر للسينما الإيطالية أمام جمهور عالمى.

أما جائزة مارسيلو ماسترويانى لأفضل ممثل أو ممثلة شابة فذهبت إلى السويسرية لونا وتلر عن دورها فىSilent Friend.

قسمOrizzonti  المخصص لاكتشاف المواهب الجديدة حمل لحظات لافتة، حيث أحرزت المخرجة الهندية أنوبارنا روى جائزة أفضل إخراج عن فيلمها Songs of Forgotten Trees، لتصبح أول مخرجة هندية تحصد هذا التتويج فى القسم، كما توزعت باقى الجوائز بين أعمال أوروبية وآسيوية أكدت تنوع المشهد السينمائى العالمى، من بينها On the Road  لديفيد بابولوس الذى نال جائزة أفضل فيلم فى القسم.

         إنجاز مدى الحياة

من اللحظات المضيئة فى الدورة الـ82 لمهرجان البندقية كان تكريم فيرنر هرتزوج وكيم نوفاك بجائزة الأسد الذهبى للإنجاز مدى الحياة، اعترافًا بمسيرتين استثنائيتين تركتا أثرًا لا يُمحى فى تاريخ السينما، هرتزوغ، المخرج الألمانى الذى اشتهر بجرأته فى استكشاف حدود الطبيعة والإنسان، قدّم عبر عقود من الإبداع أعمالًا أيقونية مثلAguirre, the Wrath of God وFitzcarraldo، إلى جانب سلسلة من الأفلام الوثائقية التى حوّلت الواقع إلى أسطورة بصرية، أما كيم نوفاك، أيقونة هوليوود ونجمة فيلم Vertigo لهيتشكوك، فقد جسّدت فى مسيرتها القصيرة نسبيًا نموذجًا للأنوثة الغامضة والموهبة الطاغية، وظلّت رمزًا للأناقة الكلاسيكية والإرث السينمائى الخالد، بهذا التكريم جمع المهرجان بين صوت سينمائى متمرّد قادم من قلب أوروبا، وأسطورة هوليوودية مازالت تلهم أجيالًا من المبدعين والمشاهدين على حد سواء.

بهذه الجوائز، أثبتت الدورة الـ82 أن البندقية ليست مجرد منصة للتكريم، بل فضاء للحوار بين الثقافات، وللاحتفاء بقدرة السينما على مواجهة القبح بالعاطفة، والظلم بالجمال، والصمت بالصوت، فوزThe Voice of Hind Rajab  كان صرخة إنسانية فى قلب المهرجان، لكن باقى الأعمال الفائزة أكدت جميعها أن السينما اليوم أكثر من أى وقت مضى هى لغة العالم المشتركة.

استطاعت المخرجة الإيرانية نيجار موتيفاليمیدانشاه أن تفرض حضورها فى مهرجان البندقية السينمائى الـ82 عبر فيلمها بتقنية الواقع الافتراضى «أقل من 5 جرامات من الزعفران»، الذى نال جائزة لجنة التحكيم الخاصة، يروى العمل حكاية المهاجرة الشابة غُلنار فى ألمانيا، التى يتحوّل فعل بسيط كطهى وجبة بالزعفران إلى باب لاستعادة ذكريات صادمة عن غرق عائلتها أثناء رحلة هجرة غير شرعية، يوظف الفيلم الرمزية الشعرية للزعفران ـ بمقداره الضئيل وثمنه الباهظ ـ كاستعارة عن التجارب الصغيرة التى تحمل أثارًا وجودية عميقة من خلال المزج بين اللغة البصرية الغامرة لتقنية الواقع الافتراضى وموضوع الهجرة القسرية، يقدّم الفيلم تجربة وجدانية مؤثرة تتجاوز السرد التقليدى، مؤكّدًا أن السينما التجريبية قادرة على مقاربة أكثر القضايا إيلامًا بروح إنسانية وابتكار فنى.

أما فيلم «وداعًا طويلًا» للمخرجين كيت فوت وفيكتور، الحائز على جائزة الإنجاز، فقد قدّم معالجة درامية رصينة لثيمة الفقد والغياب، يركّز الفيلم على رحلة شخصيات تتصارع مع لحظات الوداع الطويلة، حيث تتقاطع السرديات الفردية لتشكّل لوحة إنسانية عن معنى الغياب وأثره الممتد فى الذاكرة، يتميز العمل بلغة بصرية شاعرية توازن بين الإيقاع البطىء الذى يمنح مساحة للتأمل والأداء التمثيلى المكثف الذى ينقل ثقل العاطفة بأقصى درجاتها، قوة الفيلم تكمن فى أنه لا يقدّم الوداع كخاتمة فحسب، بل كلحظة انتقالية تعيد تشكيل علاقة الإنسان بالزمن والذاكرة، فوزه فى مهرجان البندقية لم يكن تتويجًا لعمل فنى مؤثر فحسب، بل تأكيدًا على أن السينما قادرة على تحويل أكثر المشاعر ألمًا إلى مساحة للتفكير الجمالى والإنسانى.

بين السينما التأملية ذات النزعة الفلسفية والسينما الواقعية المشبعة بالتفاصيل الحياتية، أثبت المهرجان مجددًا أنه ليس مجرد منصة للتتويج، بل مساحة للحوار بين أصوات جديدة ورؤى مكرّسة، ترسم جميعها ملامح مستقبل السينما العالمية.

 

 	أميمة فتح الباب

أميمة فتح الباب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

«بيبو» فى الأقصر لمدة أسبوع

يوجود فريق عمل مسلسل «بيبو » للفنان الشاب أحمد بحر فى مدينة الأقصر لتصوير أحداث المسلسل المقرر عرضه فى الموسم...

وفاء عامر فى «المقابر» بسبب «السرايا الصفرا»

تواصل الفنانة وفاء عامر تصوير مشاهد مسلسلها الجديد «السرايا الصفرا »، والمقرر عرضه فى رمضان 2026.

هانى رمزى يصور «استراحة محارب» بعد رمضان

خرج مسلسل «استراحة محارب » للفنان هانى رمزى بشكل نهائى من الموسم الرمضانى بعد العودة للتصوير مرة أخرى.

العوضى مع «على كلاى» فى مدينة الإنتاج

عاد الفنان أحمد العوضى إلى مدينة الإنتاج الإعلامى لتصوير مشاهد مسلسله الجديد «على كلاى»، والمقرر أن يُعرض فى الموسم الرمضانى.


مقالات

خان الخليلي
  • الثلاثاء، 24 فبراير 2026 09:00 ص
الصيام وفوائده الصحية للأصحاء والمرضى
  • الإثنين، 23 فبراير 2026 01:00 م
بوابات القاهرة
  • الإثنين، 23 فبراير 2026 09:00 ص