تساءل مراد منير فى بداية مشواره المسرحى عن الوجدان الجمعى لجمهور المسرح، ماذا يريد هؤلاء وماذا سيقدم لهم،
وشغلته القضية التى تتلخص فى كلمتين «المسرح والجمهور»، فلم تشغله المدارس الحديثة والأساليب التى شاعت هنا وهناك وهجم عيها البعض للوقوف على أحدث خطوط الموضة المسرحية، بل بحث عن العلاقة الجوهرية بين حيز اللعب وحيز الجمهور، وكان من الطبيعى أن يجد ضالته المنشودة فى المسرح الشعبى وفنون الفرجة، أن يعود إلى تراث الأجداد ويدرس جيداً الظواهر المسرحية التى جذبت المشاهد وقدمها من خلال رؤية معاصرة استفادت من الاتجاهات المسرحية المعاصرة.
مراد منير من جيل مسرحى لم يعد له مكان فى مسرح هذه الأيام، المخرج المثقف صاحب المشروع المسرحى والذى لا يعنيه سوى أن يقدم مسرحاً يتفاعل معه الجمهور ويطرح قضايا اللحظة الراهنة من خلال جماليات لا تخلو من فلسفة تعى سؤال الواقع، وفى سبيل هذا الهدف اختار مراد منير النصوص التى حولها إلى عروض بعناية، بل وقدم هذه النصوص عدة مرات فى فترات متباينة ومنها «منين أجيب ناس لنجيب سرور، والملك هو الملك لسعدالله ونوس، ومغامر رأس المملوك جابر لنفس المؤلف» وغيرها من نصوص لمجموعة من كتاب المسرح الذين ينتمون إلى جيل الستينات فى الوطن العربى، وقدم عروضه فى الثقافة الجماهيرية ومسرح الدولة، ومسرح القطاع الخاص، فلم يكن يعنيه سوى أن يقدم مسرحاً يتفاعل معه المشاهد ولا يتنازل عن جماليات هذا الفن، وتقريباً اعتمدت كل عروضه على الغناء والموسيقى واللوحات الاستعراضية والحوار مع الصالة، وهذا ما أدركه الرواد الأوئل حين لجأوا إلى الغناء والموسيقى الأقرب للذائقة العربية وهم يقدمون هذا النوع الجديد للجمهور. فقد كان هذا المخرج يعى جيداً ماذا يريد وفقاً لمشروعه المسرحى الذى ناضل من أجله وخاض معارك عديدة، وتم اعتقاله بسب ميوله السياسية فهو صاحب رأى فى المسرح والحياة، ومن يتأمل مشواره المسرحى سيجد أنه ضحى كثيراً حتى يقدم هذه العروض القليلة من ناحية العدد إذا قورنت بمشواره الطويل الذى امتد أكثر من نصف قرن. وسوف أحاول فى هذه الحلقات قراءة مشروع واحد من أهم مخرجى جيل ما بعد الستينات الذى عاصر ازدهار المسرح المصرى وتراجعه من خلال عروضه المسرحية التى أسعدنى الحظ بمشاهد مجموعة منها وأيضاً مع قراءة سيرته المسرحية «الغجرى» التى تعرضت لها فى الحلقة الماضية.
سوف أبدأ أولى المسرحيات التى شاهدتها لمراد منير، حيث إننى ما زلت أذكر تلك الأيام منذ ربع قرن تقريباً حين شاهدت مسرحية «لولى» على خشبة مسرح البالون، بل وكنت أتردد بين الحين والحين لأستمع إلى أغانى نجم وألحان عمار الشريعى والشيخ إمام، وأستمتع بأول مسرحية غنائية استعراضية متكاملة أشاهدها على خشبة المسرح وليس شريطاً مسجلاً، مبهوراً بكل المفردات التى يقدمها العرض رغم الملاحظات حول المعالجة الدرامية، ولم أتوقف فقط أمام الاستعراض والموسيقى والغناء، بل وكل فنون الفرجة التى وضعها مراد منير على خشبة المسرح فى هذا العرض، وتقريباً شاهد الجمهور كل فنون السيرك فى مسرحية «لولى» وأشياء أخرى منها أن أحمد ماهر «الضابط شريف» كان يركض بحصانه على خشبة مسرح البالون وكأنه فى الميدان وكان ذلك عام 1994، وللأسف لم أشاهد منذ تلك اللحظة على خشبة المسرح المصرى عملاً ينتمى للمسرح الغنائى تكاملت فيه عناصر هذا النوع من المسرح، و«لولى» المسرحية الغنائية الاستعراضية كتبها محمد الفيل مع أحمد فؤاد نجم الذى كتب أيضاً الأشعار، والحكاية مستلهمة من رواية كارمن التى كتبها المؤرخ وعالم الآثار والأديب الفرنسى بروسبير مريمية، بعد عودته من رحلة إلى إسبانيا التقى فيها قاطع طريق من أقليم الباسك، ودون شك أخبره بحكايات وشخصيات ومنها شخصية كارمن وكتبها عام 1864، وفى عام 1874 عثر عليها الموسيقار الفرنسى جورج بيزيه ووضع لها الألحان التى خلدت هذه الشخصية تحت عنوان أوبرا كارمن.. القصة التى يغلب عليها الطابع الرومانسى تدور أحداثها حول الجندى «خوسية نافارو» من إقليم الباسك شمال إسبانيا، وهو جندى مطيع وطموح للترقى فى المناصب، تتحول حياته ومصيره حين يلتقى الغجرية «كارمن» التى يقوده حبها إلى حبل المشنقة بدلاً من طموح الترقى فى الرتب العسكرية، يحبها لكنه يعجز عن لجم روحها المتمردة التى تأبى الخضوع أو الترويض، ولا تتردد فى الدخول فى علاقات عاطفية بعد أن ضحى بحياته فى سبيل حبها، فهذه طبيعتها التى لم يفهمها المسكين فقام يتهريبها فى البداية فعوقب وتم تخفيض رتبته، فترك عالمه، ترك كل شىء وعمل مع عائلتها كمهرّب، وحين تمردت عليه كارمن وضاقت ذرعاً بقيد هذا الحب استل سكينه وطعنها وقبل أن يواريها التراب فى الغابة بكاها ثم سلم نفسه للشرطة التى كان أحد رجالها لتقوده إلى حبل المشنقة! ليطرح الكاتب الرومانسى وعالم الآثار والمؤرخ الفرنسى من خلال شخصية كارمن الصدام بين عالمين، عالم المدينة والحضارة، وعالم الغجر البدائى، الصدام بين ثقافتين، بين روحين؛ روح مستكينة وروح تأبى الاستقرار أو الخنوع! فالرجل الذى كان يحمى القانون ناتج الحضارة وأحد تجلياتها، أصبح ينتهك القانون فى سبيل الحب. كارمن الشخصية التى أغرت صناع السينما فتم استلهامها فى عدد كبير من الأفلام أشهرها فيلم «كارمن» من إخراج كارلوس ثورة.
وفى نسختها المصرية تحولت إلى «لولى» التى نقلها العرض من زمانها، زمن الحدث الذى اختاره المؤلف 1830 فى إقليم الباسيك الإسبانى القريب من الحدود الفرنسية، إلى تسعينات القرن العشرين فى مصر لتصبح لولى الغجرية ذات الملامح والصفات المصرية، وخوسية نافارو الجندى الطموح حارس المصنع إلى الضابط شريف الذى رسم العرض له شخصية المغرور الواثق من نفسه، صفات سوف تنهار وتتبدل حين تعصف به الأقدار ويلتقى لولى! وهو شخصية محورية فى الرواية الأصلية الرجل الذى يحمى القانون يجعل الحب، (هذه المرأة) منه رجلاً ينتهك القانون ويعتدى عليه ومهنته كرجل شرطة لا تخلو من دلالة.. وشخصيات أخرى ظلت كما هى مع بعض التعديل، مثل الصديقة أو الوصيفة، أما الزوج فقد استبدله العرض بالخطيب، وشخصية زعيم العصابة أصبح الخال كبير الغجر، وشخصيات أخرى، حيث يبدأ العرض الذى جاء فى فصلين لمدة ثلاث ساعات تقريباً باستعراض وغناء وسوف يتكرر هذا الأسلوب فى كل مشهد.. تغنى المجموعة «آه يا لولى، آه يا لولى والهوى طرف لى عينى» فى دلالة على فعل الهوى الذى سوف يكون له تأثير كبير فى التحولات التى تمر بها الشخصيات، ثم يبدأ فى استعراض هذه الشخصيات والتمهيد لدخول لولى بتجسيد النزاع بين الصغير محمد الحلو وعليوة الذى ينافسه حول لولى، لنتعرف على الخال «سامى العدل وزوجته شهربان» عائشة الكيلانى وينتهى المشهد باستعراض غنائى «قدر ليه، قدر ليه، إدينى بر وأنا أمشى عليه، كان افتكارى وكان ودى ألاقى لى عصفور على أدى» ويكون الجمهور قد تعرف على كل الشخصيات، شخصيات الغجر بمن فيهم «لولى» ليبدأ مراد منير فى استعرض مهارته ومواهبه فى تقديم فنون الفرجة فى استعراض تضمن مجموعة من اللوحات الغنائية فى مشهد طويل أقرب إلى السوق، أو قُل صورة غنائية استعراضية تجسد عادات وتقاليد وأعراف الغجر وإبراز لغة هذه الشريحة فى محاكاة لواقع هذه الجماعة التى تنتنمى إليها «لولى» ويبدأ بالإنشاد الدينى فى استعراض يغلب عليه الطابع الصوفى من ألحان عمار الشريعى «الله حى والله حى وسع سكة يمر الضى / سيدنا العاشق جاى وراشق سهمه وماشى حدى بدى، يا سيد يا بدوى يا سيدنا الحسين / مدد يا أم هاشم يا كحل العنين / مولانا الرفاعى يا طب الأفاعى / يا سيدى إبراهيم يا دسوقى أنت فين» فى محاولة لتقديم مزيج من حالة مصرية مع لغة الغجر وعالمهم، وفى هذه اللحظة يستعرض مراد منير كل ألعاب وفنون السيرك على خشبة مسرح البالون المناسبة لهذه الألعاب من حيث المساحة من فنون القرداتى والقفز فى حلقة النار وألعاب أخرى ليقتحم الضابط شريف فنون الفرجة وعالم الغجر ممتطياً حصانه ويتجول به على خشبة المسرح وكأن الحضارة تقتحم عالم الغجر البدائى، ولا يخرج إلا وساحباً «لولى» فى القيود بعد فاصل من المفارقات المضحكة والغزلية أيضاً حيث تحاول لولى اصطياد الضابط، وتقريباً يوشك الفصل الأول على الانتهاء والكلمة العليا للاستعراض والغناء وفنون الفرجة.. و«للحديث بقية».
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يوجود فريق عمل مسلسل «بيبو » للفنان الشاب أحمد بحر فى مدينة الأقصر لتصوير أحداث المسلسل المقرر عرضه فى الموسم...
تواصل الفنانة وفاء عامر تصوير مشاهد مسلسلها الجديد «السرايا الصفرا »، والمقرر عرضه فى رمضان 2026.
خرج مسلسل «استراحة محارب » للفنان هانى رمزى بشكل نهائى من الموسم الرمضانى بعد العودة للتصوير مرة أخرى.
عاد الفنان أحمد العوضى إلى مدينة الإنتاج الإعلامى لتصوير مشاهد مسلسله الجديد «على كلاى»، والمقرر أن يُعرض فى الموسم الرمضانى.