الزيادة السكانية وبناء الإنسان.. التحدي الأكبر للدولة المصرية

لأول مرة منذ 15 عاما.. وفي إنجاز غير مسبوق ويستحق الاحتفال .. سجلت أعداد المواليد خلال العام الماضي أدنى مستوى منذ 2007، ولم تتجاوز حاجز الـ2 مليون طفل، إذ بلغت 1.968 مليون مولود، مقارنة بـ2.045 مليون عام 2023، بانخفاض قدره 77 ألف مولود، بنسبة 3.85%.

الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، أوضح في بيان حول أهم مؤشرات المواليد والوفيات والزيادة السكانية الأولية للعام الماضي أن عام 2014 شهد أكبر عدد للمواليد بـ2.720 مليون.

ثم انخفضت الأعداد تدريجيا خلال الفترة (2015-2023) بتجاوز 2 مليون مولود لتصل إلى 1.968 مليون مولود خلال 2024، في ظل الجهود التي توليها الدولة للحد من الزيادة السكانية وبعد أن قضت مصر عقودا تعاني من معدلات المواليد المرتفعة.

وتحظى قضية الزيادة السكانية باهتمام الدولة حيث تشكل تحديا كبيرا للدولة المصرية وذلك لما تمثله من خطورة على المجتمع تتمثل في انخفاض نصيب الفرد من الناتج القومي، مما يستوجب ضرورة التصدى لها، وذلك في ضوء الاستراتيجية التي وضعتها الحكومة 2030 بشأن كيفية التعامل مع ملف الزيادة السكانية.

الزيادة السكانية كانت ولاتزال هى التحدي الأكبر أمام الدولة المصرية والإشكالية التي تقضي على ثمار أية إنجازات لخطط التنمية المستدامة أو جهود الدولة لتحسين حياة المواطنين خاصة في ظل الجمهورية الجديدة التي تستهدف تغيير واقع المصريين إلى الأفضل.

وتشكل الزيادة السكانية بحجمها الحالي ضغطا هائلا على الميزانية العامة للدولة والتى ستتجه رغما عنها لتلبية احتياجات وخدمات المواطنين بدلا من إنشاء المزيد من المشروعات الاقتصادية والتنموية التى توفر حياة كريمة للمواطنين، وتحسن بدروها من مناخ الاستثمار وتسهم في تحقيق تقدم الدولة المصرية ووضعها في مصاف الدول المتقدمة.

ورغم الجهود المصرية المخلصة التي قدمتها الدولة لحل ومعالجة قضية الزيادة السكانية منذ ثلاثينيات القرن الماضي.. إلا أنها ما زالت جهودا عاجزة عن مواجهة هذه الزيادة السكانية الهائلة تؤدى إلى خفض معدل الزيادة السكانية بما يتناسب مع موارد الدولة وجهود تحقيق خطط التنمية المستدامة.

وانطلاقا من الاهتمام الذي توليه الدولة المصرية للقضية السكانية، وما يرتبط بها من قضايا تنموية ذات أبعاد تؤثر في مجملها على جودة حياة المواطن.. أعلنت الدولة الخطة التنفيذية للاستراتيجية الوطنية للسكان والتنمية 2023-2030.

تأتي الاستراتيجية الوطنية للسكان والتنمية في إطار نص الدستور المصري الصادر عام 2014 على "تلتزم الدولة بوضع برنامج سكاني يهدف إلى تحقيق التوازن بين معدلات النمو السكاني والموارد المتاحة، وتعظيم الاستثمار في الطاقة البشرية، وتحسين خصائصها في إطار تحقيق التنمية المستدامة".

وتعتمد الاستراتيجية على إعادة رسم الخريطة السكانية في مصر من خلال إعادة توزيع السكان على نحو يحقق الأمن القومي المصري، ويأخذ في الاعتبار تحقيق أهداف سكانية للمشروعات القومية، ويتحقق ذلك من خلال خلخلة الكثافات السكانية المرتفعة وجذب السكان للانتقال إلى المناطق العمرانية الجديدة.

* مدبولي: اهتمام كبير بملف السكان

الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء أكد الاهتمام الكبير الذي توليه الدولة المصرية لملف السكان، سعيا لتحقيق أهداف الاستراتيجية القومية للسكان كأحد محاور العمل لتعزيز خطط التنمية البشرية، ودفع معدلات النمو الاقتصادي مشيرا إلى أهمية دور المجلس القومي للسكان في هذا الصدد، لضمان التنسيق الفاعل بين مختلف الجهات المعنية لتحقيق تلك الأهداف.

وأصدر رئيس الوزراء، توجيهات بإطلاق الخطة العاجلة للاستراتيجية الوطنية للسكان والتنمية بداية من أول يناير 2025، مع التركيز على السنوات الثلاث الأولى للخطة، واستهداف الوصول إلى معدل إنجاب كلي 2.1 لكل سيدة بحلول عام 2030.

وكلف رئيس الوزراء وزارة التخطيط والتعاون الدولي بالتنسيق مع المؤسسات الدولية لتوفير المنح وبرامج المساعدات الداعمة لخطوات تنفيذ المشروع القومي لتنمية الأسرة المصرية، وكلف وزارة الصناعة بتعزيز فرص عمالة السيدات بالقطاع الصناعي في إطار التمكين الاقتصادي لهن.

كما كلف وزارة التضامن الاجتماعي بمواصلة جهود التمكين الاقتصادي للمرأة، وكلف أيضا وزارة الصحة والسكان بوضع خطة عاجلة لتوفير الاحتياجات البشرية لعمل مراكز الصحة الإنجابية، وكلف وزارة العدل بمتابعة موقف التشريعات اللازمة في هذا الصدد، وبخاصة ما يخص التسريب من التعليم وعمالة الأطفال.

كما وجه الدكتور مصطفى مدبولي بالتركيز على البعد الإعلامي في توعية المواطنين بالقضايا السكانية، من خلال تسليط الضوء على هذه القضايا في الأعمال الدرامية، وخلال تنقل المواطنين في وسائل المواصلات الجديدة، مشيرا في هذا الصدد إلى أهمية الخطاب الديني في تحقيق هذا الهدف من خلال دور المؤسسات الدينية.

* الاستراتيجية السكانية لمصر 2030

تتبنى الاستراتيجية السكانية لمصر 2030 عددا من المبادئ أبرزها النظر إلى السكان باعتبارهم أحد عناصر القوة الشاملة للدولة، على ألا تتعدى معدلات الزيادة السكانية قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية بالجودة المناسبة، وعلى ألا تؤثر معدلات الزيادة السكانية على متوسط نصيب الفرد من الموارد الطبيعية، لاسيما المياه والطاقة والأرض الزراعية، وعلى أن تتناسب معدلات الزيادة السكانية على قدرة الاقتصاد الوطني في تحقيق مستوى مرتفع من التنمية البشرية، وتحقيق خفض في معدلات البطالة.

وتضمنت الاستراتيجية أيضا حق الأسرة في تحديد عدد أبنائها، مع تأمين حقها في الحصول على المعلومات وفي الحصول على وسائل تنظيم الأسرة والصحة الإنجابية التي تمكنها من الوصول إلى العدد المرغوب الأطفال، ومسؤولية الدولة عن توعية أفراد المجتمع بأخطار معدلات الإنجاب المرتفعة على الصعيد الوطني، وأخطار الإنجاب المتكرر والمتقارب على صحة الأم والطفل، ومسئوليتها عن توفير خدمات تنظيم الأسرة والصحة الإنجابية بجودة مرتفعة لمن يطلبها، مع توفيرها بالمجان للأسر المحدودة الدخل.

وتلتزم الدولة بإدراج المكون السكاني في خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتحقيق أهداف سكانية من خلال تنفيذ المشروعات القومية، بتطبيق الحوافز الإيجابية لتشجيع تبني مفهوم الأسرة الصغيرة من خلال البرامج التي تهدف إلى تمكين الفقراء والتخفيف من حدة الفقر.

وألقت الاستراتيجية على المشكلة السكانية بأبعادها المختلفة والتي تمثل تحديا يستوجب ضرورة توفير البيئة المحفزة على مشاركة الجمعيات الأهلية والقطاع الخاص، كما تتطلب تضافر الجهود التطوعية لمواجهتها، تطبيق اللامركزية في إدارة البرنامج السكاني بما يزيد من فاعلية وكفاءة المشروعات، وضمان مراعاة الخصوصية الثقافية للمجتمع المحلي، ثم ضمان حق المواطن في الهجرة والتنقل داخل البلاد وخارجها بما لا يتعارض مع القوانين المعمول بها.

* محاور عمل الاستراتيجية

تستهدف الاستراتيجية الوصول بمعدل الإنجاب الكلي إلى 2.1 طفل لكل سيدة، حيث يساهم مستهدف الاستراتيجية في خفض الزيادة السكانية غير المنضبطة ما بين 2 إلى 3 ملايين، ليصبح عدد السكان 117.8 مليون نسمة عام 2032، بدلا من 120.9 مليون.

وتشمل محاور عمل الاستراتيجية:

1 - ضمان الحقوق الإنجابية

وتتمثل في ضمان تخصيص الموارد المالية بشكل فعال لاستدامة خدمات وأنشطة الصحة الانجابية، وضمان تدفق واستخدام البيانات لاتخاذ القرارات بشأن تخطيط وتنفيذ برامج الصحة الإنجابية، وتبني استراتيجيات وإجراءات تهدف إلى جاهزية برامج الصحة الإنجابية للتعامل بفعالية مع الظروف الطارئة والأزمات.

وأيضا زيادة الوفرة وإمكانية الوصول إلى خدمات الصحة الإنجابية وتحسين جودة الخدمات، وتحقيق تحسين شامل ومستدام في الصحة الإنجابية للجميع.

2 - الاستثمار في الثروة البشرية

والذي يهدف إلى دعم دور الشباب والمراهقين من الجنسين في المشاركة المجتمعية، وضمان الرعاية والحماية للمسنين وتعظيم الاستفادة من طاقات المسنين.

3 - تدعيم دور المرأة

يهدف إلى تمكين المرأة صحيا واجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، وتعزيز دورها في الحفاظ على البيئة والتنمية المستدامة، وتعديل السياسات والتشريعات لتمكين المرأة.

4 - التعليم والتعلم

يهدف إلى خفض معدل الأمية، ودمج القضايا السكانية في العملية التعليمية، وخفض نسبة المتسربين من التعليم، والارتقاء بالتعليم الفني وربطه باحتياجات المجتمع وسوق العمل، وزيادة نسب الإلتحاق بالتعليم قبل الجامعي.

5 - الاتصال والإعلام من أجل التنمية

تتمثل في تحقيق التغيير الاجتماعي والاقتصادي من خلال التوعية والتثقيف بقضايا السكان والتنمية، والمشاركة المجتمعية من كافة قطاعات الدولة الحكومية والخاصة والمحليات والمجتمع المدني والتطوعي لتوفير الثقافة والوعي بالقضية السكانية بشكلٍ فعال ومؤثر لكافة شرائح المجتمع، وأيضا بناء قدرات الكوادر الإعلامية المعنية بالقضية السكاني

* تحديث الاستراتيجية القومية للسكان والتنمية

الاستراتيجية المحدثة (2023 - 2030) لا تسعى فقط لتحقيق أهداف كمية، ولكن تهدف في الأساس إلى تحقيق الرفاهية والنماء للمواطن المصري من خلال المرونة مع القدرة على التكيف لتحقيق احتياجات الأفراد.

ومن هذا المنطلق تم تحديث الاستراتيجية القومية للسكان والتنمية من خلال إدماج كل الأفراد والمؤسسات والهيئات ذات الصلة بالقضية السكانية والتنمية.

وتم تحديث الاستراتيجية القومية للسكان والتنمية (2023 - 2030) استنادا إلى:

1 - نتائج المسح الصحي للأسرة المصرية 2021 ، والذي أظهر ضرورة إجراء تدخلات وتعديلات جديدة على الخطط الخمسية للاستراتيجية القومية للسكان والتنمية 2015- 2030 ، لتتمكن من تحقيق مستهدفات 2030.

منها على سبيل المثال إطلاق المشروع القومي لتنمية الأسرة المصرية في عام 2022 ليكون بمثابة النواة الرئيسية لتحديث الاستراتيجية، وليمثل قاطرة دفع لتنفيذ الاستراتيجية المحدثة.

2 - تحقيق أهداف المبادرات الرئاسية الحالية والتي تهدف إلى تحسين مستوى معيشة الفرد وتحسين خصائص السكان مثل مشروع تنمية الأسرة المصرية ومشروع حياة كريمة ومشروع تكافل وكرامة، ولتتماشى أيضا مع أهداف الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة 2030 بالإضافة إلى استراتيجية الطفل.

3- دعم المبادرات القومية الحالية الخاصة بالمجال الصحي، ومتابعة تنفيذهـا مثل مشروع التأمين الصحي الشامل ومبادرة 100 مليون صحة ومبادرة صحة المرأة للكشف عن أورام الثدي ومبادرة صحة الأم والجنين والبرنامج القومى للأمراض المنقولة جنسيا.

4 - التزام الدولة المصرية بالمادة 41 من الدستور المصري والذي ينص على التزام الدولة بتنفيذ برنامج سكاني يهدف إلي تحقيق التوازن بين معدلات النمو السكاني والموارد المتاحة، وتعظيم الاستثمار في الطاقة البشرية وتحسين خصائصها، وذلك في إطار تحقيق التنمية المستدامة، وفى ضوء المتغيرات والتحولات الديموجرافية المستجدة والمستمرة، فلذلك كانت ضرورة التحديث.

5 - استنادا إلى أهداف التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030 القائمة على العدالة والاندماج الاجتماعي والمشاركة لتحقيق التنمية المستدامة والارتقاء بجودة حياة الأجيال القادمة.

6 - مواكبة التغيرات الاجتماعية والاقتصادية ولا سيما أيضا التغيرات الدولية التي أثرت على المجتمع المصري، والتي كان أبرزها جائحة كورونا والوضع الاقتصادي العالمي وتداعيات الحرب بين روسيا وأوكرانيا وتغيرات المناخ.

7 - تحقيق التوازن بين معدل نمو السكان ومعدل النمو الاقتصادي في إطار ضمان الحقوق والخيارات الإنجابية والصحة الجنسية

8 - زيادة تدفق المهاجرين واللاجئين إلى مصر وما قد يتبعه من تغيير في التركيبة السكانية.

وهو ما يستلزم ضرورة توفير خدمات تنظيم الأسرة والصحة الانجابية وكثير من الخدمات الأخرى.

9 - الاستفادة من العائد الديموجرافي والاستثمار في رأس المال البشري وخاصة الشباب، حيث انهم يمثلون قاعدة عريضة من السكان، وهو ما سيؤدي بدوره إلى تحسين خصائص السكان وزيادة الإنتاجية وبالتالي زيادة معدل النمو الاقتصادي.

10 - دمج الأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن ومراعاة احتياجاتهم المختلفة.

11- وضع خطط طوارئ في حالة الأزمات مثل التغيرات المناخية و الأوبئة لضمان الاستمرار في تقديم الخدمات الأساسية والهامة للفرد.

12- دعم استجابات التكيف مع تغير المناخ ووضع الخدمات الخاصة بالنساء والفتيات في صميم هذه الجهود وزيادة الوعى بقضايا البيئة والحفاظ على البيئة.

* المشكلة السكانية في مصر

تعبر المشكلة السكانية عن عدم التوازن بين عدد السكان والموارد والخدمات.. وقد تطور عدد سكان مصر عبر 100 عام، حيث تجاوز الـ100 مليون نسمة، لتصبح الدولة رقم 14 على مستوى دول العالم من حيث عدد السكان.

وتتمثل أبرز تحديات المشكلة السكانية في ثلاثة أبعاد رئيسة متداخلة ومتشابكة على النحو التالي:

- النموالسكاني المتزايد

تغير عدد سكان مصر خلال القرن الماضي، من نحو 13 مليونا في 1920 إلى نحو 32.7 مليونا في 1970، ثم إلى 100 مليون في 2020.

وخلال القرن الماضي اتجه متوسط الزيادة السنوية إلى الارتفاع عبر الزمن، فقد أضافت مصر إلى سكانها 3.6 ملايين نسمة بين عامي 1920 و1940، ثم 9.3 ملايين نسمة بين عامى 1940 و1960، ثم 16.7 مليون نسمة بين عامى 1960 و1980، ثم 25.5 مليون نسمة بين عامى 1980 و2000، ثم 33.5 مليون نسمة بين عامى 2000 و2020.

ووفقا لتقديرات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، فإن عدد المواليد خلال عام 2023، بلغ 2 مليون و44 ألف مولود، بمعدل انخفاض بلغ 149 ألف مولود، مقارنة بعام 2022 والذي بلغ عدد المواليد خلاله إلى 2 مليون و193 ألف مولود.

وفي عام 2023 انخفض معدل الزيادة السكانية بنسبة، 8% عن عام 2022، مع تراجع أعداد المواليد خلال أخر 5 سنوات من 3.5 إلى 2.85 لكل سيدة، وهو ما يعكس الجهود الملموسة في مواجهة الزيادة السكانية.

وسجل عدد سكان مصر بالداخل في الأول من يناير 2024 بلغ 105 ملايين و858 ألف نسمة، وذلك وفقا للساعة السكانية بالجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المرتبطة بقاعدة بيانات تسجيل المواليد والوفيات بوزارة الصحة والسكان.

- الخصائص السكانية

تتضح إشكالية اختلال التركيب العمري للسكان في ضوء المسح السكاني الصحي لعام 2014، ونتائج التعداد السكاني لعام 2017، حيث شهد الهرم السكاني لمصر تغيرا فيما بين تعدادي 2006 و2017، إذ اتسعت قاعدة الهرم لتدل على زيادة نسبية في التركيبة العمرية لصالح الشريحة الأصغر عمرا، ففي حين كانت نسبة السكان أقل من 5 سنوات في تعداد 2006 نحو 10.6%، ارتفعت النسبة إلى 13.6% في 2017.

وحدث ذلك أيضا في الفئة العمرية التالية، بالتوازي مع اتجاه مؤشرات الإنجاب إلى الارتفاع، مما أدى إلى زيادة الإعالة، والتكاليف الاقتصادية، وشكل ضغطاً على سوق العمل، فضلا عن ما يفرض من زيادة التفاوت الاجتماعي والاقتصادي بين الفئات المختلفة.

- توزيع السكان

ترتبط المشكلة السكانية في مصر بالتوزيع غير المتكافئ للسكان على مساحة الدولة، حيث لا تزال محافظة القاهرة تتصدر جميع المحافظات بواقع 10.6% من جملة السكان، تليها محافظة الجيزة والتي ارتفعت نسبة سكانها إلى 9.1% من إجمالي سكان الجمهورية، وكذلك محافظة الشرقية التي ارتفعت نسبة سكانها إلى 7.6%.

وتظل محافظات جنوب سيناء والوادي الجديد والبحر الأحمر من أقل المحافظات استيعابا للسكان على الرغم من الإمكانات المتاحة بها.

وبالتالي يمكن القول إن اختزال المشكلة السكانية باعتبارها زيادة سكانية فقط يعد اختزالا في أبعاد المشكلة، إذ يجب النظر إليها بصورة أشمل تتضمن أبعادها الثلاثة، وهى تراجع خصائص السكان (والتي تشمل التعليم، والصحة، والمشاركة في قوة العمل، ومتوسط دخل الفرد)، والتوزيع غير المتكافئ للسكان، ووجود فجوات كبيرة بين مناطق الجمهورية المختلفة في الوجه القبلي وخاصة في الريف، وكذلك بين الذكور والإناث في معظم المؤشرات التنموية

* تعريف المشكلة السكانية

يقصد بالمشكلة السكانية عدم التوازن بين عدد السكان والموارد والخدمات والقضية السكانية في مصر أساسها عدم التوازن بين عدد السكان والموارد الاقتصادي.

يمكن تعريف المشكلة السكانية علميا بأنها اختلال التوازن بين عدد السكان من ناحية، وحجم الموارد الطبيعية والخدمات من ناحية أخرى، فالسكان كما ينظر إليهم كقوة إنتاجية ووسيلة لاستغلال الموارد، كذلك هم أيضا قوة استهلاكية تمثل ضغطا على الموارد المتاحة ، ومن ثم يؤدي عدم التوازن بين السكان وحجم الموارد إلى وجود ما يعرف بـ"المشكلة السكانية".

ولا جدال أن مشكلة الزيادة السكانية المتسارعة في المجتمع المصري من العقبات الرئيسية أمام جهود التنمية في العديد من المجالات الاقتصادية والصحية والتعليمة والخدمية، كما أنها حجر عثرة في طريق نجاح السياسات الرامية لمكافحة البطالة والفقر بالإضافة إلى تهديد الاستقرار الاجتماعي والحد من نصيب الفرد من الموارد الطبيعية والدخل القومى.

والمشكلة السكانية لا يوجد لها قانون عام ولا تأخذ نفس المعنى والنتائج نفسها في كل المجتمعات وعلى اختلاف المراحل، بل لكل مجتمع ولكل مرحلة معطياتها الاقتصادية هي التي تحدد طبيعة المشكلة السكانية وهي عدم التوازن بين عدد السكان والموارد والخدمات.

لذا يجب أن يكون هناك توازن بين حقوق الفرد في الانجاب المناسبة مع قدراته، وحق المجتمع في التقدم والنمو.

* خطورة النمو السكاني

تشكل الزيادة السكانية في الوقت الراهن تحديا للدول على اختلاف أنظمتها سواء المتقدمة أو النامية، فثمة حقائق لا يمكن تجاهلها عن المشكلة السكانية الآن لأنها بقدر ما تمس الفرد والمجتمع فإن أبعادها تجاوزت الحدود الاقليمية إلى العالمية حتى أصبحت تفرض على المجتمع الدولي مواجهتها والتصدي لها.

تأتى الزيادة السكانية كإحدى القضايا المهمة التى تظل محل نقاش دائم ومستمر على طاولة البرلمان والحكومة، لا سيما وكونها تلتهم ثمار التنمية، فضلا عما تسببه من ضغط على سوق العمل والطاقة الاستيعابية للنشاطات الاقتصادية، ما يجعلها تحديا رئيسيا للدولة المصرية.

النمو السكاني في مصر كان له أثرا سلبيا على قدرة الدولة على تحقيق التنمية المستدامة فنجد الآثار الاقتصادية للزيادة السكانية تتمثل في زيادة الاستهلاك لدى الأفراد، وزيادة نفقات الدولة على الخدمات، وانتشار ظاهرة البطالة، والانخفاض في نسبة الأجور فى القطاع العام والخاص، وارتفاع اسعار الوحدات السكنية والزحف العمرانى على الأراضى الزراعية، وانهيار المرافق العامة.

وتحتاج مشكلة الزيادة السكانية إلى الوقوف عندها طويلا، وفهم أسبابها ومحاولة علاجها كى لا يمتد أثرها السلبى إلى المجتمع ككل.

وكشفت دراسة للمركز المصرى للفكر والدراسات أن النمو السكاني يفرض ضغوطا كبيرة على موارد البلاد ويعيق جهود الدولة المبذولة في التنمية من أجل مكافحة الفقر والبطالة ويشمل تهديدا على الاستقرار الاجتماعى ويجعل من الصعب توفير واستيعاب مطالب سكانها بالحاضر ويهدد مستقبل الأجيال القادمة.

* تعداد السكان

تشير الاحصائيات السكانية إلى أن عدد سكان مصر عام 1800 كان نحو 5.2 مليون، ووصل إلى 5 ملايين عام 1850 وفي ظل الزيادة السكانية تضاعف العدد من 20 مليون عام 1950 إلى 40 مليون عام 1978، وفي عام 2005 نحو 70 مليون نسمة، إلى أن بلغ عدد سكان مصر في الداخل 87.9 مليون نسمة في عام 2015، وفي عام 2016 وصلوا إلى 92 مليون نسمة، في حين وصلوا 94.7 مليون نسمة وفقا لتعداد 2017.

وفي بداية عام 2018 وصل عدد السكان إلى 96.3 مليون نسمة، وفي عام 2019 وصلوا إلى 98 مليون نسمة، أما عام 2020 فوصلوا 100 مليون نسمة في الداخل، والآن في هذه اللحظة فقد تخطى عدد سكان مصر الـ102 مليون نسمه.

وإذا نظرنا لهذه الإحصائيات نجد أن النمو السكاني في مصر يفوق النمو السكاني في العالم بمعدل 2.6 سنويا مقابل 1.2%، وتوضح النظرة المتعمقة للوضع السكاني في مصر أن زيادة عدد المواليد هي المسئولة عن النمو السكاني المرتفع في مصر ليصل إلى طفل كل 15 ثانية مما يعني 2.5 مليون مولود سنويا، وأن استمرار معدل الانجاب على هذه الوتيرة سيصل بسكان مصر عام 2030 لما يقرب من 120 مليون نسمة، كما أن معدل الزيادة السكانية في مصر يتجاوز خمسة أضعاف الدول المتقدمة.

وتبرز خطورة الأمر لو استمر نمو السكان على هذا المنوال إذ يقدر تعداد مصر في هذه الحالة بنحو 132 مليون نسمة بحلول عام 2030، أي بزيادة قدرها 31 مليون نسمة في غضون 10 أعوام فقط.

* أسباب الزيادة السكانية

تعد المشكلة السكانية من القضايا المعقدة بالغة التشعب من ناحية الأسباب والتداعيات، خاصة وأنه كلا من الأسباب والتداعيات تؤدى كل منهما إلى الأخرى، ولكن يمكن تحديد أسباب مشكلة الزيادة السكانية في:

1- الزيادة الطبيعية

بلغ عدد الزيادة الطبيعية فى مصر نحو 1.571 مليون فرد عام 2020 مقابل 1.734 مليون فرد عام 2019 بنسبة انخفاض 9.4%.

وعلى الرغم من انخفاض معدل الزيادة الطبيعية والذى وصل إلى 15.6 فى الألف لإجمالي الجمهورية عام 2020 بعدما كان 24.9 فى الألف عام 2012 و23.3 فى الألف عام 2015، إلا أن هذا المعدل يعتبر مرتفعا قياسا بالمعدل العالمي للزيادة الطبيعية والذى بلغ 10.37% وفقا للبنك الدولي.

2- زيادة متوسط العمر المتوقع

ساهم ارتفاع معدلات البقاء على قيد الحياة فى تفاقم مشكلة السكان، حيث إن توقع البقاء على قيد الحياة وصل إلى 75.9 للإناث و 73.4 للذكور عام 2020 مقابل 73.3 للإناث و70.5 للذكور عام 2016، فى حين كان 71.7 للإناث و 69.0 للذكور عام 2012

3 - التركيبة السكانية

تتسم التركيبة السكانية في مصر بارتفاع معدلات الخصوبة حيث أشار المسح السكاني الصحي لمصر 2014 إلى ارتفاع المعدل الإجمالي للخصوبة (متوسط عدد الأطفال الذين تنجبهم المرأة في المرحلة العمرية بين 15 و49 عاما) من 3 أطفال لكل إمرأة في عام 2008 إلى 3.5 طفل لكل إمرأة في عام 2014 ، الأمر الذي أدى بدوره إلى ارتفاع نسبة السكان في الفئات العمرية أقل من 15 عاما حيث بلغت نسبتهم نحو 34.3% من إجمالي التركيب العمري لأفراد الأسر.

والحقيقة هنا تتمثل فى أن الخطر من الزيادة السكانية لا يقتصر فقط على حجمها بل في التركيبة العمرية لهذه الزيادة، فعندما يكون هناك أكثر من 36 مليون نسمة من السكان أقل من 15 سنة أى قرابة ثلث سكان مصر، فإن هذا يؤدي إلى اتساع قاعدة الهرم السكاني وإلى ارتفاع معدلات الإعالة العمرية مما يشكل بدوره عبئا كبيرا على الأسر وعلى الدولة في توفير احتياجاتهم من التعليم والصحة والغذاء وغيرها من الاحتياجات الضرورية، ويعتبر عائقا أمام تحقيق النمو الاقتصادي.

ومع ارتفاع معدل الإعالة الديموجرافي حيث إن الشريحة السكانية غير العاملة والمعالة (أقل من 15 سنة وفوق سن 65 سنة) أكبر من الشريحة السكانية العاملة أى أن أعداد المعالين أكبر من أعداد قوة العمل، الأمر الذى من شأنه أن يعكس تأخرا في عملية التحول الديموغرافي في مصر.

4 - الزواج المبكر

يسهم فى تفاقم حجم المشكلة السكانية، فعادة ما ترتبط معدلات الزواج المبكر بنسبة مواليد مرتفعة حيث إن معظم النساء المتزوجات في مصر يلدن الطفل الأول خلال العام والنصف الأول من الزواج، كما سيؤدى الزواج المبكر إلى زيادة فترة الخصوبة لدى النساء.

وقد كشف الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في تقريره حول التعداد الأخير للسكان لعام 2017 أن جملة زواج القاصرات (دون سن 18 عاما) في مصر ارتفعت لتصل إلى 118 ألف حالة زواج سنويا بما يعادل نحو 40% من إجمالى حالات الزواج.

كما تشير بيانات تعداد 2017 إلى نسبة تصل إلى 27.4٪ من النساء المتزوجات ( أكثر من ربع السيدات فى مصر) تزوجن قبل سن 18:20 سنة، وأن من تزوجن في هذه المرحلة العمرية لديهن في المتوسط طفل أكثر من عدد الأطفال المنجبين لمن تزوجن في أعمار أكبر.

5 - الهجرة

تسبب العدد الهائل من المهاجرين واللاجئين في زيادة الطلب على الخدمات والبضائع، والمنافسة الكبيرة مع المصريين للحصول على فرص العمل علاوة على زيادة الطلب على الوحدات السكنية والضغط على المرافق والبنية التحتية.

هذا فضلا عن أن الهجرة الداخلية من الريف إلى المدن بحثا عن فرص العمل والسكن الملائم تسببت في إحداث كثافة سكانية في المدن الحضرية وضغطا هائلا على كافة الخدمات.

6 - تطور الخدمات الطبية

أدى تطور الخدمات الطبية إلى علاج الكثير من الأمراض التي كانت تودي بحياة الملايين من المرضى وبالتالي انخفضت معدلات الوفيات في ظل ارتفاع معدل المواليد كما أشرنا سابقا.

هذا وقد أشار تقرير التنمية المستدامة لعام 2022 إلى أنه تم تحقيق معدلات تحسن معتدل بعدد من المؤشرات كمؤشر مدة الحياة المتوقعة عند الولادة، ومعدل الوفاة المعياري بسبب عدد من الأمراض المزمنة.

ومن المتوقع مزيد من التحسن بهذه المعدلات بعد تطبيق عدد من المبادرات الصحية التي تقوم بها الدولة، كمبادرة 100 مليون صحة للقضاء على فيروس سي والكشف المبكر عن الإصابة بعدد من الأمراض غير السارية لدى الكبار، فضلا عن عدد من المبادرات الرئاسية لصحة المرأة والطفل.

7 - الموروثات الاجتماعية

على الرغم من التطور الفكري والثقافي الذي شهده المجتمع المصري على مدى عقود طويلة، إلا أنه مازالت تتحكم به أفكار ومعتقدات – خاصة فى ريف مصر وصعيدها – تؤكد على أهمية الأسرة التي يزداد عدد أبنائها باعتبارهم "العزوة والسند" والنظر إلى الأسر الصغيرة على أنها أسر ضعيفة، كما تتعلق هذه المعتقدات أيضا بأن الأسر الكبيرة يمكنها تشغيل أبنائها في عمر مبكر وهو ما يمثل لهذه الأسر قوة اقتصادية حالية ومستقبلية.

8 - التغيرات السياسية

شهدت الدولة المصرية منذ عام 2011 تغييرات سياسية هائلة كان لها تداعيات كبيرة على خطط التنمية وضبط النمو السكاني حيث توجهت أولويات الدولة في تلك الفترة إلى تحقيق الانضباط الأمني والحفاظ على الأمن الغذائي للمواطنين، وبسبب هذه الأوضاع غير المستقرة تحول النمو السكاني إلى الارتفاع مرة أخرى وبمعدلات متسارعة بسبب عدم انتظام خدمات تنظيم الأسرة بعد أحداث 2011 وانخفاض جودة الخدمات المقدمة مع غياب البيانات المحدثة وبرامج بناء القدرات وآليات الرصد والتقييم.

* أثار الزيادة السكانية على المجتمع المصري

تتعدد مخاطر استمرار النمو السكاني المتزايد على كل من الدولة والأسرة..وللزيادة السكانية آثار سلبية كثيرة على المجتمع المصري لأن ذلك سيؤدي إلى حدوث اختلالات في النظام المجتمعي في الدولة، وقد يسبب ظهور الجريمة وانتشارها بسبب تفشى البطالة وقلة فرص العمل وحاجة الناس إلى الدخل.

ومن آثرها أيضا زيادة المخصصات العامة للإنفاق على الخدمات الأساسية، كالتعليم والصحة والمواصلات والإسكان والحماية الاجتماعية والأمن، وذلك على حساب مخصصات الإنفاق الرأسمالي على المشروعات التنموية بقطاعات الإنتاج الرئيسية كالزراعة والصناعة التحولية.

كما يترتب على الزيادة السكانية مخاطر كثيرة مثل صعوبة الوصول للخدمات اللازمة بسهولة، وانعدام الدخل المناسب وهكذا تستمر الدائرة المفرغة من تكرار مرات الحمل والإنجاب وتوريث الأبناء الفقر والحرمان.

كما أن الزيادة السكانية لها علاقة بالمشكلة البيئية فيما يتعلق بمشكلات نوعية ضاغطة ومعوقة للتنمية مثل الازدحام والضوضاء والتلوث بأشكاله المختلفة وما ينجم عنها من مشكلات أخرى صحية وسلوكية واجتماعية واقتصادية وتعليمية.

ورصد تقرير أعدته مؤسسة "ماعت" الآثار السلبية العديدة التي تسببها الزيادة السكانية في مصر على المواطن وتؤثر بشكل كبير على قدرة الدولة على تحقيق التنمية المستدامة.

وأكد التقرير أن الزيادة السكانية تمثل تحديا وعقبة أمام الدولة، خاصة لأنها تعطل مسار التنمية، وهناك إرادة قوية لدى الحكومة لضبط النمو السكاني، الذى يشكل ضغطا كبيرا على موارد وميزانية الدولة، ما يضمن نجاح خطة جديدة لمواجهة هذا التحدى، موضحا الدور الكبير الذى تقوم به الحكومة المصرية في تنظيم الزيادة السكانية، وكيف خططت الدولة لمواجهة هذه الآثار.

فاطمة حسن

فاطمة حسن

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ملفات مصر

السد العالي.. الدرع المنيع و الرمز الخالد لبطولات المصريين

بإرادة طموحة.. وملحمة بطولية سطرتها سواعد المصريين.. تحقق الحلم ببناء هرم رابع.. أعظم بناء هندسي في القرن العشرين.. والحصن المنيع...

"التعليم العالي" في 2025.. قفزة بالتصنيف الدولي وطفرة بالجامعات والابتكارات

خلال عام 2025.. شهدت منظومة التعليم العالي والبحث العلمي العديد من الإنجازات والفعاليات في مختلف القطاعات للارتقاء بجودة التعليم لمستوى...

التعليم في 2025.. خطوات إصلاح غير مسبوقة وأكبر تحديث للمناهج الدراسية

ضمن رؤية الدولة المصرية لبناء الإنسان .. ومن أجل تعليم عصري شامل يواكب متطلبات المستقبل ويستجيب لمتغيرات العصر.. شهدت منظومة...

بالفيديو.. حصاد 2025.. أهم فعاليات وأنشطة الرئيس السيسي داخل مصر خلال العام

فعاليات واحتفاليات عديدة شهدها الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية خلال العام 2025.. من أبرزها الافتتاح الاسطوري للمتحف المصري الكبير...