(4)- تعزيز ثقة الطفل بنفسه من خلال محاورته

سلسلة: "الرسول ﷺ وتربية الناشئة"

كان النبي ﷺ يستثمر الأحداث اليومية التي تجمعه بالصغار في تعديل سلوكهم وغرس القيم في نفوسهم، ولم يؤخر البيان عن وقت حاجته يوما، فإذا وجد قلب الصغير، وحالته مهيأة لاستقبال النصيحة بطريقة مبتكرة غير تقليدية، فإنه يبادر حينئذ ببذلها له؛ بغرض تعليمه وتربيته، وهذا – بلا شك – سلوك إيجابي في التربية من شأنه أن يحدث أثرا في نفس الصغير، ويجعله متقبلا للنصح بانشراح صدر وطيب نفس، فيتأثر به بعد ذلك في جميع مراحل حياته؛ ولأجل ذلك كان يطبقه النبي ﷺ، وهو ما يسميه العلماء: التربية بالوقائع والأحداث.

 

في المقالة الرابعة من سلسلة: "الرسول صلى الله عليه وسلم في تربية الناشئة" التي ينشرها موقع اخبار مصر في إطار التعاون بين الهيئة الوطنية للإعلام ومركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية يبين د. أحمد شبل مدرس الحديث بجامعة الأزهر وعضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية الإسلوب الاسلامي الأمثل لتوجيه الصغار.

 

لا شك أن تقدير الأطفال واحترامهم له مفعول السحرِ في تنشئتهم التنشئة المتوازنة، ويساعد – بشدة – في خروجهم إلى المجتمعِ في حالة من النضجِ والعطاء لا مثيل لها، ويمنحهم كثيرا من الثقة بالنفسِ، والتقبلِ من الآخرين، مما يعود بالنفعِ على الجميعِ، فإذا كان الكبار يبحثون عن التقديرِ والاحترام، ويتأثرون سلبا إذا افتقدوه، فما أشد أهميته للصغارِ المقبلين على الحياةِ، خاصة من والديهم ومربيهم في المدارسِ ودورِ العلم، ومخالطيهم في مجتمعهم المحيط بهم.

ولم تكن السنة النبوية بمعزل عن هذا المعنى وأهميته في تربية الأطفال؛ فقد جسد المربي الأول، سيدنا رسول الله ﷺ، عمليا هذا الأسلوب التربوي المهم من خلال موقف وقع أثناء جلوسه مع أصحابِه رضي الله عنهم، ففي الحديث المتفقِ عليه عن سهلِ بنِ سعد رضي الله عنه قال: "أُتي النبي ﷺ بقدحٍ، فشرِب منه، وعن يمينه غلام – عبد الله بن عباسٍ – هو أحدث القوم، والأشياخ عن يسارِه، فقال: يا غلام، أتأذن لي أن أُعطيه الأشياخ؟ قال: ما كنت لأُوثر بنصيبِي منك أحدا يا رسول الله، فأعطاه إياه".

ومن خلال هذا الموقف النبوي يتبين أن الغلام جلس عن يمينِ النبي ﷺ قدرا دون ترتيب أو إعداد مسبقٍ، بينما جلس الشيوخ الكبراء عن يسارِه، ولما كان من هدي السنة أن يبدأ باليمينِ في كل شيء، استأذن النبي ﷺ الغلام في صورة حوارٍ مختصرٍ دار بينهما؛ تطييبا لخاطرِه، واحتراما لذاته، وغرسا لقيمة الاستئذان داخله، مع تربيته – في الوقت ذاته – على توقيرِ الكبيرِ واحترامه، غير أن الغلام كان فطنا ذكيا، فأجاب جوابا بليغا لا ينطوي على رفضٍ مجرد؛ بل تضمن حجة قوية تحافظ على حقه، ولا تذهب عنه تحليه بقيمة توقيرِ الكبارِ، فقال: ما كنت لأُوثر بنصيبي منك أحدا يا رسول الله، أي: أطلب منك العذر في ذلك.

ومن خلال هذا الحوارِ الذي دار أمام جمعٍ من الكبارِ يكون الرسول ﷺ قد طيب خاطرهم، لئلّا يجدوا في أنفسهم إن شرب الغلام قبلهم، وفي الوقت نفسه احترم الصغير، فلم يصادر على حقه المشروعِ بجلوسه على جهة اليمينِ، فأي احترام هذا من رسول الله ﷺ لمشاعرِ طفلٍ صغيرٍ! وأي رحمٍ فاحت من خلال هذا الموقف البديعِ! لا ريب أنه سيخلد في ذهنِ الغلامِ ما دام حيا، وسيدفعه إلى تمثلِ تلك القيم طيلة حياته.

وعليه، فإن التقدير يحفز الإنسان على الاستمرارِ والعطاء، ويشعره بالأمان والانتماء، والطفل منذ صغرِه ينبغي أن يتربى على ذلك إذا أردنا له أن يزهر في بستان المجتمعِ؛ إذ إن فاقد الشيء لا يعطيه.

ومن ثم، كان لزاما على الأمة الإسلامية أن تقتدي بسيدنا رسول الله ﷺ في تربية الأطفال من خلالِ هذه الأساليب الناجحة: باحترام رأيِهم، وتقديرِ ذواتهم، وتعزيزِ ثقتهم بأنفسهم، وغرسِ قيمة الاحترام المتبادل في نفوسهم، وتعليمهم أدب الحوارِ وفن مخالطة الناسِ.

هذا، وليعلم كل مرب أن غرس هذه القيمة التربوية في نفوسِ الأطفالِ له من الفوائدِ ما يعجز اللسان عن وصفِه والقلمُ عن رسمه؛ إذ يؤثر على صحتهم النفسية، ويسهم في قوة شخصيتهم واستقرارِ هويتهم، ويعين على نبوغهم المعرفي والاجتماعي، كما أن من ثمارِه التي يجنيها المربي حين يحسن استعماله أن الأطفال يتعلمون من خلاله كيفية إدارة الحوارِ الناجحِ وأساليبِه، وتنمى فيهم القدرة على إقناعِ الغيرِ بما يجول في خواطرِهم، وقد ظهر ذلك جليا في رد عبد الله بنِ عباسٍ رضي الله عنه على النبي ﷺ، ومحاورته الموفقة له.

 

Katen Doe

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

د. احمد شبل
احمد شبل
احمد شبل
احمد شبل
احمد شبل

المزيد من مقالات

بردية خوفو والسحرة

"إحكي يا تاريخ" سلسلة جديدة نبدأها في موقع اخبار مصر مع عدد من المتخصصين في التاريخ المصري نحكي فيها احداث...

الإعلام المستدام في زمن المنصات المتكاملة!

اصبحنا نعيش في عالمٍ يتسارع فيه تدفّق المعلومات وتتسع فيه الفضاءات المفتوحة بلا حدود وبات لا احد يملك الحقيقة بل...

كيف يكون البرلمان شريكا في التنمية واستقرار الوطن؟

تدخل الحياة النيابية في مصر مرحلة جديدة تتطلب قراءة دقيقة لدور البرلمان، لا بوصفه ساحة للمواجهة أو التنافس السياسي التقليدي،...

"المدجاي" عيون مصر الساهرة

بينما كانت حضارات العالم القديم تتخبط في صراعات بدائية، كانت أرض النيل تُرسي دعائم أول نظام شرطي وقضائي عرفته البشرية....