حينما نتلمس مواطن القدوة في شخصية رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم نجد أنه صلى الله عليه وسلم مع عظم شأنه، وجلال قدره، وكثرة شواغله، لم يصرفه ذلك عن هدفٍ أسمى من أهداف دعوته الشريفة المتمثل في تنشئة الأطفال التنشئة السليمة.
في اطار التعاون بين الهيئة الوطنية للإعلام ومركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية يبدأ د. أحمد شبل مدرس الحديث بجامعة الأزهر وعضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية في نشر سلسلة: "الرسول صلى الله عليه وسلم وتربية الناشئة" نبدأها بمقال حول أهمية تعزيز السلوك الايجابي لدى الأطفال.
ولذلك، كان لزامًا على المسلمين أن يقتدوا برسولهم صلى الله عليه وسلم في هذا الجانب المهم؛ لأن تربية النشء، والاهتمام بهم، وتربيتهم بالطريقة الصحيحة لابد أن تكون الشغل الشاغل للمجتمع أفرادًا، وجماعات، فهم عماد الأمة ومستقبلها، وبسواعدهم يستمر عطاء المجتمع، وبأخلاقهم ورُقِيِّهم يزيد تماسكه.
وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم من خلال سنته القولية، والعملية على بيان أهمية تربية الصغار، وتنشئتهم على القيم، فاستعمل النبي ﷺ أساليب متنوعة في تربيته لصغار الصحابة المخالطين له، فربَّاهم تربية إيجابية أسفرت فيما بعد عن جيلٍ قويٍّ إيمانيًّا، واجتماعيًّا، ودعويًّا، وعلميًّا، وغرس فيهم النبي ﷺ قِيَمًا وأخلاقًا جعلتهم على مرِّ الزمان نجومًا يهتدي بهم الحائرون، وأعلامًا يشار إليهم بالبنان.
ومن أهم هذه الأساليب الإيجابية التي استعملها النبي صلى الله عليه وسلم في تربية النشء تعزيز السلوكيات الإيجابية لديهم وتشجيعهم عليها بغية أن تتأصل في نفوسهم فتتكرر منهم ويتربون عليها.
ولذلك، فإن تشجيع الأطفال على سلوكياتهم الإيجابية بذكر الجانب الذي يميزهم ومكافأتهم عليه بالدعاء أمرٌ مهم في رحلة تربيتهم على القيم النبيلة، والأخلاق القويمة، وقد كان رسول الله ﷺ لا يكاد يرى سلوكًا إيجابيًّا من طفلٍ إلا أثنى عليه وشجَّعه بالدعاء، وغيره، ولنا فيه ﷺ الأسوة الحسنة كما أخبرنا بذلك القرآن الكريم.
وقد دلَّ على استخدام النبي ﷺ هذا الأسلوب ما صح عنه صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه أنه دخل الخلاء ذات ليلة، فوضع له ابن عباس رضي الله عنهما الماء الذي سيتوضأ منه خارج الخلاء -وقد كان يبيت مع النبي صلى الله عليه وسلم بحكم قرابته من السيدة ميمونة زوج النبي رضي الله عنها فقد كانت أختًا لأمه-، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: «من وضع هذا؟» فَأُخْبِرَ بأن الذي وضعه هو الغلام الصغير عبد الله بن عباس، فقال: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ».
فاشتملت هذه الواقعة على سلوك إيجابيٌّ متميِّز من غلامٍ صغيرٍ لا يزال في طور التربية، وتفاصيلها تؤكد أن تشجيع النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الصغير بدأ من سؤاله صلى الله عليه وسلم: من وضع هذا؟ فهذا السؤال هو أول بوادر التشجيع، والتعزيز، فإن معرفة الفضل لصاحب الفضل، والبحث عن صاحبه أمرٌ يحمل كثيرًا من الرسائل الإيجابية التي تستقر في ذهن من قام بهذا الفعل الجميل، فإن الله سبحانه قال: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} (الرحمن: آية 60)، ثم عبَّر النبي ﷺ عن إعجابه بصنيع الغلام فدعا له بقوله: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» مكافأةً له وتشجيعًا، فاستحق الإشادة، والمكافأة من رسول الله ﷺ تعزيزًا لهذا السلوك عنده؛ ليتعود بعد ذلك على خدمة الناس -خاصة أصحاب الفضل وكبار السن منهم- وينشأ على حب مساعدتهم، مما يؤثر في تكوين شخصيته، واصطحابه لتلك القيمة طوال مراحل حياته، وقد قال الشاعر: وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوَّده أبوه.
وقد أثَّر ذلك في عبد الله بن عباسٍ رضي الله عنهما أيما تأثير، فصار بعد ذلك حبر الأمة الأعظم، وترجمان القرآن وصار معروفًا بذلك موصوفًا به.
فهذا إذن سلوك نبوي عظيم ليس بمستغرب على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القدوة والأسوة لأمته، كيف وقد كان صلى الله عليه وسلم على العموم يُقدِّر أهل التقدير، ولا يغفل معروفهم، بل يبادل المعروف بالدعاء والثناء الذي هو من أعلى درجات العطاء اللفظي، وحثَّنا على ذلك صلى الله عليه وسلم، فقال في الحديث الذي أخرجه أبو داود، والحاكم وصححه: «مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ».
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
"إحكي يا تاريخ" سلسلة جديدة نبدأها في موقع اخبار مصر مع عدد من المتخصصين في التاريخ المصري نحكي فيها احداث...
اصبحنا نعيش في عالمٍ يتسارع فيه تدفّق المعلومات وتتسع فيه الفضاءات المفتوحة بلا حدود وبات لا احد يملك الحقيقة بل...
تدخل الحياة النيابية في مصر مرحلة جديدة تتطلب قراءة دقيقة لدور البرلمان، لا بوصفه ساحة للمواجهة أو التنافس السياسي التقليدي،...
بينما كانت حضارات العالم القديم تتخبط في صراعات بدائية، كانت أرض النيل تُرسي دعائم أول نظام شرطي وقضائي عرفته البشرية....