يُعدُّ الحب المتبادل من مصادر الأمانِ النفسي للأطفال، فهو بمثابة القاعدة القوية التي ينبني عليها شخصية الطفل منذ صغره، فإذا أحسَّ الطفل بهذا الحب وعبَّر عنه المربي أثناء توجيهه، وتقويمه أثَّر ذلك إيجابيًّا على الطفل وتسبَّب في إقدامه على التمسك بالتعاليم السليمة والقيم النبيلة طيلة حياته واقتناعه التام بها نتيجة الطريقة المحببة التي انغرست بها تلك التعاليم بداخله، فأفضلُ وسائل التعليم وأجداها نفعًا أن تقدم النصيحة مغلفة بغلاف من الحب والحنان، فإن المحبة من شأنها أن تغذي الروح فيكون قبول التوجيه في ظلالها أسرع وأنفع.
في المقالة الثانية من سلسلة: "الرسول صلى الله عليه وسلم وتربية الناشئة" التي ينشرها موقع اخبار مصر في إطار التعاون بين الهيئة الوطنية للإعلام ومركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية يبين د/ أحمد شبل مدرس الحديث بجامعة الأزهر وعضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية الإسلوب الاسلامي الأمثل لتوجيه الصغار.
وقد ضرب لنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أروع المثل في استخدام هذا الأسلوب الإيجابي المتميز في تربية صغار الصحابة رضي الله عنهم، ونقل ذلك مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رضي الله عنه في الحديث الذي أخرجه أبو داود في سُنَنِه، والإمام الحاكم وصححه، حيث قال: أَخَذَ النَّبِيَّ ﷺ بِيَدِي يَوْمًا، ثُمَّ قَالَ: «يَا مُعَاذُ إِنِّي لَأُحِبُّكَ». فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا أُحِبُّكَ.
قَالَ: «أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ».
فبين لنا النبي ﷺ من خلال هذا الموقف طريقة مهمة من طرق غرس القيم وتوجيه الأوامر للصغار وذلك من خلال تغليف النصيحة بغلاف من الحب الذي يهيء النفس لاستقبالها والتمسك بها وظهر ذلك جليًّا من خلال مناداة النبي ﷺ له باسمه فقال: «يا معاذ» وأراد بذكره باسمه كما قال شرَّاح الحديث: «المبالغة في شدة قربه ليكون أوقع في نفس سامعه».
وكذلك من خلال قوله ﷺ له: «إني لأحبك»، وهي كلمة فاز بها معاذ بن جبل رضي الله عنه أيما فوز، وفي حقيقة الأمر فإن الواصف مهما بالغ في وصفه فلن يستطيع أن يصل إلى حقيقة شعور معاذ رضي الله عنه حين سمعها من خير البشر وسيد الكونين والثقلين والفريقين سيدنا رسول الله ﷺ، إنه بلا شكٍّ لن يُفَرِّطَ في هذه الوصية ما دام على قيد الحياة، وكذلك كل من تم توجيهه وتربيته بتلك الطريقة المحببة للنفس التي علمنا إياها رسول الله ﷺ فإن فيها تحريكًا للمشاعر، وجذبًا عاطفيًّا نحو من يتعلم منه يجعله يتقبل منه تعليمه بمنتهى الرضا والسرور.
وكذلك نقلت السنة النبوية في الحديث المتفق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما وهو الغلام الصغير حين قصَّت عليه السيدة حفصة رؤيا رآها ابن عمر: «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل» فطريقة الثناء على عبد الله بن عمر بن الخطاب التي استعملها النبي صلى الله عليه وسلم قبل توجيهه وإسداء النصح له بقوله: «نعم الرجل» تنعكس إيجابيًّا بلا شك على سلوكيَّاته وأخلاقه وتنشئته التنشئة الأخلاقية الصحيحة، وهو ما يبين أهمية استعمال هذا الأسلوب في تنشئة الصغار عموما على الأخلاق الفاضلة والقيم النبيلة.
وقد ظهر تأثير استعمال هذا الأسلوب مع معاذ بن جبل، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم جميعًا، فتمسك بالوصية معاذٌ لدرجة أنه نقلها للأمة جميعًا كما في هذا الحديث حرصًا منه على تَعَلُّمِهَا وتَعْلِيمِهَا، ووصَّى بها تلاميذه من بعده، وأثمرت في تربيته على جهة العموم بأن خرج للدنيا معاذًا الذي هو أعلم الناس بالحلال والحرام.
وكذلك تمسك بها وتأثر عبد الله بن عمر فساهمت في تطوير ذاته، وجعلته يستزيد من قيام الليل وفق توجيهات النبي ﷺ له، ويدل على ذلك أن غالب رواة الحديث ممن كانوا يخالطونه كابنه سالم، ومولاه نافع صرَّحوا بأنه أكثر من قيام الليل بعد ذلك بشكل ملحوظ كما ثبت ذلك عنه في الأحاديث الصحيحة.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
"إحكي يا تاريخ" سلسلة جديدة نبدأها في موقع اخبار مصر مع عدد من المتخصصين في التاريخ المصري نحكي فيها احداث...
اصبحنا نعيش في عالمٍ يتسارع فيه تدفّق المعلومات وتتسع فيه الفضاءات المفتوحة بلا حدود وبات لا احد يملك الحقيقة بل...
تدخل الحياة النيابية في مصر مرحلة جديدة تتطلب قراءة دقيقة لدور البرلمان، لا بوصفه ساحة للمواجهة أو التنافس السياسي التقليدي،...
بينما كانت حضارات العالم القديم تتخبط في صراعات بدائية، كانت أرض النيل تُرسي دعائم أول نظام شرطي وقضائي عرفته البشرية....