"خدعونا المصريون".. باعتراف اسرائيلي أمريكي، نجحت أكبر خطة للخداع الاستراتيجى في تاريخ البشرية.. وكانت كلمة السر لتحقيق معجزة النصر في حرب أكتوبر المجيدة.
بدأت قبل المعركة الخالدة بأكثر من عام .. قادها الجيش المصري والرئيس الأسبق محمد أنور السادات.. ووقف بجانبها الشعب المصري لدعمها.. وانتهت بمعجزة ستظل آثارها محفورة في ذاكرة مصر والعالم ..وستظل مسطورة في كتب التاريخ ليتدارسونها جيلا بعد جيل.
انها "خطة الخداع الاستراتيجي".. تلك الخطة متكاملة الأركان، ليس فقط عسكريا وسياسيا، لكن أيضا فنيا وصحيا واجتماعيا.. والتي بدأت في شهر يوليو لعام 1972، واستمرت حتى يوم الحرب في 6 أكتوبر لعام 1973م.. عندما نجحت مصر في تحقيق النصر على العدو الاسرائيلي واسترداد كل شبر من أراضيها.. وأثبتت للعالم أجمع قدرة المصريين علي إنجاز عمل جسور، يستند إلي شجاعة القرار، ودقة الإعداد والتخطيط، وبسالة الأداء والتنفيذ.
أكبر خطة خداع في التاريخ
في يوليو 1972 قام الرئيس السادات بزيارة المخابرات العامة، وبصحبته قائد الجيش ومستشار الرئيس للأمن القومى ورئيس المخابرات العسكرية، ودعا كل رؤساء الأقسام بالجهاز إلى اجتماع تاريخى، استغرق أكثر من 5 ساعات.
ووجه بوضع خطة خداع استراتيجي يسمح لمصر بالتفوق على التقدم التكنولوجي والتسليحي الإسرائيلي عن طريق إخفاء أي علامات للاستعداد للحرب وحتى لا تقوم إسرائيل بضربة إجهاضية للقوات المصرية في مرحلة الإعداد على الجبهة.
وأوضح السادات "أن التوازن العسكرى مع إسرائيل ليس فى صالحنا، والتقدم العلمى والتكنولوجى يسمح لها برصد كافة تحركاتنا سواء على الجبهة أو فى الداخل، وما لم نتمكن من تنفيذ خطة خداع استراتيجى للعدو، فإن الانتصار فى الحرب سيكون مستحيلا".. وكلف السادات المخابرات العامة بالإشراف على وضع هذه الخطة بالتعاون مع المخابرات الحربية وكافة الجهات المعنية فى الدولة، حتى نستطيع التفوق على التقدم التكنولوجي والتسليحي الإسرائيلي عن طريق إخفاء أي علامات للاستعداد للحرب وحتى لا تقوم إسرائيل بضربة إجهاضية للقوات المصرية في مرحلة الإعداد على الجبهة.
ويوصف الخداع فى الحروب بأنه مجموعة من الإجراءات والأنشطة المنسقة والمخطط لها بعناية بالغة بغية إخفاء الحقائق التي من شأنها التأثير على مجريات الحرب، ومنعها من الوصول إلى الدول المعادية أو المتعاونة معها، وتوجيه ودعم تقديراتها وجهودها إلى اتجاهات زائفة تؤدي إلى قرارات تخدم الخطط الموضوعة.
وقد قام الرئيس الراحل السادات بأكبر عملية خداع إستراتيجي، قام بها أي رجل "سياسي – عسكري" في تاريخ البشرية.. و نجحت القيادة السياسية ممثلة فى السادات والقوات المسلحة والمخابرات العامة وأجهزة الدولة فى عملية خداع استراتيجي للداخل قبل الخارج، خاصة فى الفترة التى سبقت الحرب.
وتم اتخاذ مجموعة من الخطوات التى كانت تهدف إلى تضليل العدو الإسرائيلي، وكان أهمها؛ أن الرئيس السادات والجيش المصري، لا يفكرون في الحرب على الإطلاق، واستمرار الوضع على ما هو عليه، وهو "اللاحرب واللاسلم".
ستة محاور
اشتملت خطة الخداع الاستراتيجي التي أذهلت العالم أجمع، على 6 محاور .. وهي:
* إجراءات تتعلق بالجبهة الداخلية
-شملت الخطة إظهار ضعف مصر اقتصاديًا وعدم قدرتها على الهجوم، ومنها استيراد مخزون استراتيجي من القمح، عن طريق قيام المخابرات العامة بتسريب معلومات بأن أمطار الشتاء قد غمرت صوامع القمح، وأفسدت ما بها، وتحوّل الأمر لفضيحة إعلامية استوردت مصر على أثرها الكميات المطلوبة.
-إخلاء المستشفيات
تحسباً لحالات الطوارئ، عن طريق تسريح ضابط طبيب من الخدمة وتعيينه بمستشفى الدمرداش، ليعلن عن اكتشافه تلوث المستشفى بميكروب، ووجوب إخلائها من المرضى لإجراء عمليات التطهير، وفي اليوم التالى نشرت "الأهرام" الخبر معربة عن مخاوفها من أن يكون التلوّث قد وصل إلى مستشفيات أخرى، فصدر قرار بإجراء تفتيش على باقي المستشفيات، وأخليت باقي المستشفيات.
-استيراد مصادر بديلة للإضاءة أثناء تقييد الإضاءة خلال الغارات، عن طريق تنسيق أحد المندوبين مع مهرب قطع غيار سيارات لتهريب صفقة كبيرة من المصابيح مختلفة الأحجام، وبمجرد وصول الشحنة كان رجال حرس الحدود في الانتظار، واستولوا عليها كاملة وتم عرضها بالمجمعات الاستهلاكية.
ومن أجل تقليل الانتباه العام دعا الفريق أول أحمد إسماعيل جميع وزراء الحكومة يوم 27 سبتمبر 1973 لزيارة هيئة الأركان العامة لإطلاعهم على الجديد من الأجهزة المكتبية والحاسبات الآلية.
* إجراءات تتعلق بنقل المعدات للجبهة
-نقل المعدات الثقيلة كالدبابات إلى الجبهة، عن طريق نقل ورش التصليح إلى الخطوط الأمامية، ودفع الدبابات إلى هناك في طوابير بحجة إصابتها بأعطال.
-نقل معدات العبور والقوارب المطاطية عن طريق تسريب المخابرات تقريراً يطلب فيه الخبراء استيراد كمية مضاعفة من معدات العبور مما أثار سخرية إسرائيل، وعندما وصلت الشحنة ميناء الإسكندرية، ظلّت ملقاة بإهمال على الرصيف حتى المساء وفي ظل إجراءات أمنية توحى بالاستهتار واللامبالاة، وأتت سيارات الجيش فنقلت نصف الكمية إلى منطقة صحراوية بضاحية (حلوان)، وتمّ تكديسها وتغطيتها على مرمى البصر فوق مصاطب لتبدو ضعف حجمها الأصلي، فيما قامت سيارات مقاولات مدنية بنقل الكمية الباقية للجبهة مباشرة.
* إجراءات خداع ميدانية
ومنها توفير المخابرات لمعلومات حيوية سمحت ببناء نماذج لقطاعات خط بارليف في الصحراء الغربية لتدريب الجنود عليها وخداع الأقمار الصناعية لملء المعسكر بعدد من الخيام البالية والأكشاك الخشبية المتهالكة، ولافتات قديمة لشركات مدنية.
كما أنشأ الجيش المصري على الضفة الغربية للقناة ساتراً ترابياً في مواجهة مناطق تمركز قوات العدو لإخفاء التحركات العسكرية، وكذلك أنشأ عدداً من السواتر في العمق بزوايا ميل مختلفة لنفس الغرض، وقد حققت هذه السواتر أهدافها إذ جعلت العدو يقتنع بأن الجيش المصري قد لجأ إلى إستراتيجية دفاعية في حماية هذه السواتر، كما ساعدت على إخفاء تحركات القوات المدرعة المصرية نحو شاطئ القناة لتأخذ أوضاع الهجوم عندما بدأت الحرب.
فطوال صيف عام 72 كانت القوات المصرية تتدرب على عبور القناة تحت سمع وبصر قوات العدو، ففي مواجهة أجهزة التصوير الإسرائيلية أعد المصريون شواطئ للنزول عليها، وبنوا الجسور وعرضت الأفلام التي التقطت في ذلك اليوم على التلفزيون الإسرائيلي، وقام المصريون مرة واحدة على الأقل في عام 73 بتمثيل عملية العبور بأقل تفاصيل ممكنة، ونقلت الصحف المصرية سير هذه العملية التي شهدها جنود العدو في خنادقهم على الضفة الشرقية للممر المائى، وهذا التكرار للتدريب على عملية العبور أكبر خدعة للعدو، إذ إنه لم يثر فيهم سوى الضحك والاستهزاء من عدم قدرة القوات المصرية على القيام بذلك وعبور أكبر خط دفاعي عرفه التاريخ.
والشيء المثير هو أن عبور القوات المصرية يوم 6 أكتوبر كان بالضبط نفس ما حدث قبل ذلك بكل تفاصيله الدقيقة، وهكذا كان العدو يعتقد أنه تدريب اعتيادي يقع أمام عيونه، وهو حقاً كذلك، في حين أنه كان في نفس الوقت تدريباً عملياً على خطة العبور.
كما تم إطلاق أكثر من رسالة عن احتمالات شن الحرب دفعت إسرائيل للاستعداد واستدعاء الاحتياطى وتم تأجيل الحرب، وهو ما أربك حسابات العدو خاصة مع وجود رسائل متناقضة وفى اتجاهات مختلفة، وفى النهاية شن المصريون الحرب وحطموا الأسطورة واعترف القادة الإسرائيليون أمام لجنة "إجرانات "وغيرها بأن المصريين خدعوهم وأن جهاز الموساد وأجهزة المعلومات الإسرائيلية تعطلت تماما قبل الحرب.
فى يوليو 1972 صدر قرار بتسريح 30 ألفا من المجندين منذ عام 1967 وكان كثير منهم خارج التشكيلات المقاتلة الفعلية وفى مواقع خلفية.
وفى الفترة من 22 وحتى 25 سبتمبر تم الإعلان عن حالة التأهب فى المطارات والقواعد الجوية بشكل دفع إسرائيل لرفع درجة استعدادها تحسبا لأى هجوم، ولكن أعلنت القوات المصرية بعد ذلك أنه كان مجرد تدريب روتينى، واستمرت القوات المصرية تطلق تلك التدريبات والمناورات من وقت لآخر حتى جاءت حرب أكتوبر وظنت إسرائيل فى بدايتها أنها مجرد تدريب أيضا ولم تكن مستعدة لها.
وفى يوم 21 أغسطس 1973.. تم عقد اجتماع ما بين القادة السوريين والمصريين ولإخفاء فكرة حضورهم مصر، جاءوا بالملابس المدنية على إحدى السفن القادمة إلى الإسكندرية، وخلال الاجتماع تم تحديد موعد الهجوم ما بين 5-11 أكتوبر.
وتم تسريب معلومات للجانب الإسرائيلى، مفاداها أن مصر ستبدأ إجراء مناورات شاملة وليس حربا فى الفترة من 1 وحتى 7 أكتوبر. .. وفى يوم 9 أكتوبر سيتم تسجيل الضباط الراغبين فى تأدية مناسك الحج، وكذلك تنظيم دورات رياضية عسكرية مما يتنافى وفكرة الاستعداد للحرب، والإعلان عن السماح لسائر المصريين بالسفر لتأدية الشعائر نفسها مما جعل إسرائيل تظن أن مصر لن تخوض حربا وأنه لن يحدث أى هجوم من قبل جيشنا على قواتها.
كما اعتمد نجاح خطة الخداع الاستراتيجيى على عنصر فى غاية الأهمية، وهو عنصر المفاجأة من خلال إخفاء توقيت العملية حتى عن الجيش المصرى نفسه.. بمعنى إخفاء ساعة الصفر والتعامل معها فى غايه السرية وعدم إعلانها إلا قبل الحرب بوقت قليل، وإلغاء أيه أعمال للتخطيط والاستطلاع التى تسبق الحرب حتى لا يتم الكشف للجيش الإسرائيلى عن نوايا مصر لاتخاذ قرار الحرب قريبا.
* إجراءات خداع سيادية
ومنها اختيار توقيت ساعة الصفر للهجوم وتحديدا الثانية ظهرا فى العاشر من رمضان والسادس من أكتوبر، وهذا لعدة أسباب:- أولها أن العدو لن يخطر بباله أن الجيش سيخوض الحرب فى شهر الصوم
-ثانيها اختيار الساعة وقت الظهيرة وتعامد الشمس فوق رؤوس العدو بشكل يصعب عليهم الرؤية، وهذا شىء لم يتوقعه العدو حيث إن العمليات العسكرية تكون مع أول ضوء أو آخر ضوء.-ثالثها.. الحرب في أكتوبر مستبعدة حيث تحتفل إسرائيل بعيد الغفران اليهودي، وتغلق خلاله المصالح الحكومية بما فيها الإذاعة والتليفزيون..كما انها تستعد لخوض انتخابات تشريعية.
وفى صباح يوم الحرب نفسه 6 أكتوبر، شوهد الجنود وهم فى حالة استرخاء وخمول، يقضون وقتهم فى مص القصب وأكل البرتقال، وقبل ذلك بيوم اجتمع هنرى كيسنجر وزير الخارجية الأمريكى وقتها، بنظيره المصرى الدكتور محمد حسن الزيات ليتبادلا الحديث حول مبادرة السلام التى كان الأول بصدد التفكير فيها بعد الانتخابات التشريعية فى إسرائيل التى كان مقررا لها أن تجرى فى نهاية الشهر نفسه، ومرت الجلسة فى سلام وجو هادئ ولم يدرك كسينجر الأمر إلا بعد الحرب، عرف أن الدكتور محمد الزيات قد نفذ خطة الخداع على أكمل وجه.
وفى اليوم نفسه أيضا تم الإعلان عن زيارة قائد القوات الجوية وقتها اللواء حسنى مبارك إلى ليبيا، ثم تقرر تأجيلها لعصر يوم 6 أكتوبر، كما وجه المشير أحمد إسماعيل دعوة لوزير الدفاع الرومانى لزيارة مصر فى 8 أكتوبر وأعلن أنه سيكون فى استقباله بنفسه.
ولإخفاء نية القوات البحرية في إغلاق مضيق باب المندب، نشر خبر صغير في شهر سبتمبر عام 1973، عن توجه ثلاث قطع بحرية مصرية إلي أحد الموانئ الباكستانية لإجراء العمرات وأعمال الصيانة الدورية لها، وبالفعل تحركت القطع الثلاث إلى ميناء عدن وهناك أمضت أسبوعاً ثم صدر لهم الأمر بالتوجه إلي أحد الموانئ الصومالية في زيارة رسمية استغرقت أسبوعاً آخر لزيارة بعض الموانئ الصومالية، ثم عادت القطع الثلاث من جديد إلي عدن وهناك جاءتهم الإشارة الكودية في مساء الخامس من أكتوبر 1973 بالتوجه إلى مواقع محددة لها عند مضيق باب المندب في سرية تامة عند نقط تسمح لها بمتابعة حركة جميع السفن العابرة في البحر الأحمر رادارياً وتفتيشها، ومنع السفن الإسرائيلية من عبور مضيق باب المندب طوال الحصار.
* تأمين تحركات واستعدادات القوات المسلحة
ومنها كشف شبكات التجسس بما في ذلك شبكة هبة سليم وشبكة طناش راندوبولو. تحييد دور الملحقين العسكريين وضباط المخابرات بالسفارات بوضعهم تحت رقابة صارمة لمنع وصولهم إلى معلومات تمس سرية الاستعداد للحرب، حتى وصل الأمر إلى ترحيل الملحق العسكري الإسباني مصاباً خلال معركة بالأيدي على متن طائرة إسعاف، لنقله تحركات سلاح الطيران المصري دقيقة بدقيقة.
* توفير المعلومات السرية عن العدو وتضليله
توفير المعلومات السرية عن العدو وتضليله عن طريق عملاء جهاز المخابرات العامة ومنهم أشرف مروان، رفعت الجمال "رأفت الهجان"، أحمد الهوان "جمعة الشوان".
واستخدام اللهجة النوبيةوالتي تم اقتراحها من الصول أحمد إدريس.. كنوع من الخداع والتمويه لتشفير الرسائل الهامة بين القوات أثناء المعركة لتضليل معترضي تلك الرسائل.
المستوى الاقتصاديكما شملت الخطة إظهار ضعف مصر اقتصاديًا وعدم قدرتها على الهجوم، وإظهار حرصها على أن حل الأزمة يجب أن يكون سلميا، واشتمل الحل السياسي بإظهار قبول حالة اللاسلم واللا حرب والإعلان عن عدم الحسم أكثر من مرة.
وجميعها خطط خداع تفسر ما كتبه وزير الخارجية الأمريكى الأسبق "كيسنجر" عندما كتب فى مذكراته "سنوات مضطربة"، فصلا بعنوان "لماذا أخذنا على حين غرة"، وهو اعتراف صريح وواضح بمدى قوة تلك الخطط الاستراتيجية فى خداع إسرائيل وأمريكا نفسها.
خطة الخداع في الإعلام
وسائل الإعلام المصرية لعبت دورا هاما في ساحة المعركة في تلك الفترة الحرجة، حيث كان الإعلام إحدى الأدوات المهمة في خطة الخداع الاستراتيجي أثناء الإعداد لحرب أكتوبر وأثناء الحرب، وكان للدكتور عبد القادر حاتم والذي أنشأ جهازا إعلاميا قويا في مصر والشرق الأوسط ممثلاً في التليفزيون المصري ثم تولى مهمته كنائب رئيس وزراء في الحرب، دور لا يمكن إغفاله في الإعداد لخطة الخداع الاستراتيجى التى جعلت الإعلام المصري بكل وسائله يعزف سيمفونية الخداع، فقام بدور مهم استراتيجيًا ونجح في كسب ثقة الشعب المصرى وتحقيق انتصار كبير على الإعلام المضاد .
وقبل نشوب الحرب بخمسة أشهر تم نشر أخبار سلبية عن الوضع الاقتصادى.. وتصدير فكرة أن مصر لا يمكنها خوض أى معارك، وليس أمامها خيار آخر سوى القبول بحالة السلم.
خطة الخداع في الصحف
في 22 سبتمبر قبل الحرب بأسبوعين.. كانت الصحف المصرية تركز على المناوشات الدبلوماسية والسياسية، بينما كانت الجبهة تستعد لمعركة عنيفة.
وسلطت الأهرام والجمهورية الضوء على قطع بعض الدول الإفريقية علاقتها مع إسرائيل، وعلى سفر وزير الخارجية وقتها محمد حسن الزيات إلى الولايات المتحدة، لإجراء مشاورات في الجمعية العامة للأمم المتحدة.
قبل الحرب بأيام.. صدّرت حكومة الرئيس السادات، من خلال الصحافة، للشعب المصري، صورة البلد المنغمسة في التنمية المحلية، التي تستعد لموسم المدارس ورمضان، دون أن يكون لديها أي وقت لكي تفكر في الحرب؛ لذلك فوجيء الجميع بالحرب، وأولهم الشعب المصري.
حكومة السادات استغلت توقيت رمضان والمدارس، كنوع من الخداع الاستراتيجي، في توفير احتياجات المصريين التموينية، والتأكيد على أن البلد مستمرة في روتينها الطبيعي، مؤكدة في أحد الأخبار عدم السماع للإشاعات المغرضة التي قد تؤدي إلى تخزين بعض السلع ونفادها؛ لأنه لن يحدث أي شيء قريبا.
ضخت الدولة، قبل بداية رمضان، العديد من السلع التموينية للشعب المصري، لشراء كل ما يلزمه خلال الشهر الكريم، ولم يكن الشعب يعلم أن الرئيس كان يريد أن يتزود الشعب بجميع المنتجات الاستهلاكية قبل الحرب المجيدة، حيث قررت الدولة مضاعفة ما يقدم في المجمعات الاستهلاكية يوميا للمواطنين.
كانت الأخبار القادمة من الجبهة شبه منعدمة.
وسلطت الأهرام الضوء على تعاون مصري ليبي في 4 مشروعات اقتصادية، وتعليمية، وإدارية، بهدف تعزيز العلاقات، بينما تحدث الجمهورية عن استعداد الطلاب لدخول المدارس.
الخطة تذهل العالم
وبفضل خطة الخداع الاستراتيجي والخطة العسكرية المحكمة، تحقق العبور العظيم لجيش عظيم وبأقتدار ، جيش خير أجناد الارض، وليسجل التاريخ المعاصر أول أنتصار للعرب على اليهود الصهاينة ويدون في السجلات وفي انصع صفحات التاريخ العسكري المعاصر والتي ظلت مراكز البحوث والاكاديميات العسكرية في انحاء العالم تبحث وتدرس وتتعلم ذلك الدرس العظيم للجندي العربي الجسور والمقدام حين تتوفر له الارادة السياسية والعسكرية.
وبفضل الخطة، تحققت معجزة النصر التي اذهلت العالم وأفقدت العدو الاسرائيلي توازنه وغيرت موازين القوى في العالم بعد مرارة النكسة.
الخداع في تاريخ الحروب
"الحرب خدعة" ..وخطط الخداع العسكرية لم تكن اختراعاً أو ابتكاراً جديداً، فخطط الخداع قديمة قدم الزمن وجرى تنفيذها على مر العصور.. فخلال إعداد خطة الخداع الاستراتيجي قبل حرب أكتوبر، قام فرع التخطيط بهيئة العمليات بالقوات المصرية بدراسة كل خطط الخداع التي تمت في معارك سابقة.
وبات واضحاً وبما لا يدع مجالاً للشك من خلال الدراسة التحليلية للصراع المسلح والحروب التي نشبت عبر التاريخ أن الخداع بجميع أنواعه ومستوياته قد لعب دوراً بارزاً ومؤثراً بل حاسماً في العديد من العمليات العسكرية، وفي كل الحالات جاء بنتائج باهرة كان لها الأثر الكبير في تحقيق النصر.
أخطر 6 خدع عسكرية للمصريين عبر التاريخ
- خطة معركة "مجدو"1468 ق.م.. الجيش المصري بقيادة الملك تحتمس الثالث يغامر باختيار طريق الموت ويباغت القادشيين
فقد كان هناك طريقين للوصول إلى "مجدو" (تل المسلم حاليًا وتقع شمال فلسطين) لملاقاة القادشيين الطريق الأول وهو عبارة عن ممر جبلي ضيق محفوف بالمخاطر لأنه لا يتسع لمرور الجيش كما أنه حال اكتشاف العدو ذلك ستكون خسارة فادحة للمصريين، والطريق الثاني أكثر سهولة وأمنًا من سابقه، ولكن على عكس المنطق اختار تحتمس الثالث الطريق الأصعب على اعتبار أن العدو لن يتوقع اجتياز الجيش المصري لهذا الطريق، وهو ما تأكد عندما باغت الجيش المصري القادشيين في حين كانت طلائعهم الاستكشافية متمركزة على الطريق الثاني فكان النصر حليف الجيش المصري.
- خطة معركة المنصورة 1250م.. ملك فرنسا وقواته يأكلون "طعم"المصريين خطة نفذها المماليك الذين حكموا مصر بالتعاون مع أهالي المنصورة ضد الحملة الصليبيبة السابعة التي قادها ملك فرنسا لويس التاسع على مصر بعد استيلائهم على دمياط وتوجههم للاستيلاء على القاهرة.
وتمثلت الخطة في وضع عدة كمائن ومتاريس داخل مدينة المنصورة والتظاهر بالهدوء والسكينة حتى تطمئن قوات لويس التاسع بأن الأمر قد استتب وأن الأهالي قد انسحبوا من المنصورة كما انسحبوا من دمياط ثم الهجوم والانقضاض على الصليبيين على نحو مباغت لخلخة صفوفهم وهو ما حدث بالفعل حيث أصيب الصليبيون بالفزع والاضطراب وتكبدوا خسائر فادحة وانسحبوا إلى دمياط ولكن المماليك بقيادة توران شاه تعقبوهم وأسروا ملكهم وحبس في دارالقاضي فخرالدين إبراهيم بن لقمان إلى أن تم إجراء مفاوضات مع الصليبين انسحبوا على إثرها من دمياط وتعهدوا بعدم غزو سواحل الإسلام مرة أخرى ودفعوا فدية كبيرة مقدارها 800 ألف دينار مقابل إطلاق أسراهم بما فيهم الملك لويس التاسع.
خدعة معركة "عين جالوت" 1260م.. المصريون يعصفون بالتتار بتكتيك "الكماشة"
خطة نفذها جيش المسلمين وتحت لوائه الجيش المصري الذي كان يشكل التعداد الأكبر من جيش المسلمين بقيادة ملك مصر آنذاك سيف الدين قطز حيث رتب الجيش في سهل عين جالوت الذي يشبه حدوة الحصان، واستغل هذا الوضع الجغرافي للسهل وأخفى جيوشه خلف التلال، ووضع كتيبة من أمهر وأقوى جيوشه بقيادة ركن الدين بيبرس عند شمال السهل لإغراء التتار بالنزول له على أن تثبت أمام التتار فترة طويلة من الزمن، لتنزل بعد ذلك الجيوش الإسلامية ولتطبق على التتار وتحاصرهم من كل الجهات، وقد نجحت الخدعة وكان النصر حليف المسلمين وُقتل "كتبغا" قائد التتار.
4. خدعة معركة رشيد 1807م.. القوات الإنجليزية تقع فريسة في شباك المصريين
بعد نجاح الحملة الإنجليزية بقيادة الجنرال فريزر في احتلال مدينة الإسكندرية أراد الإنجليز أن يبسطوا سطوتهم على باقي المدن المجاورة للإسكندرية فأرسل "فريزر" حملة لرشيد بقيادة الجنرال "ويكوب" لاحتلالها.
وكانت الخطة كالآتي قام على بك السلانكي محافظ المدينة بإبعاد سفنه إلى الشاطئ الشمالي للنيل وأمر الحامية التي كان قوامها 700 جندي بالتراجع إلى داخل المدينة مع الأهالي وبقائهم في المنازل لخداع القوات الإنجليزية ومباغتتهم حينما تصدر الأوامر بذلك، وبالفعل تقدم الإنجليز في 31 مارس 1807 ولم يجدوا أي أثر للمقاومة فحسبوا أن الحامية قد خلت المدينة فدخلوا شوارعها مطمئنين حتى صدرت الأوامر بالاشتباك معهم فأمطرهم الأهالي والجنود وابل من الرصاص والطوب من كافة الاتجاهات وبلغت خسائر الإنجليز 170 قتيل كان بينهم قائد القوات الجنرال "ويكوب" و250 جريح و120 أسير وتقهقر الباقون للإسكندرية حيث كانوا يعسكرون وكانت هذه المعركة أحد أهم العوامل التي حفزت المصريين على المقاومة وفتت في عضد الإنجليز إلى أن فشلت حملتهم ورحلوا عن مصر.
- خطة موقعة "بيلان" 1832م.. الجيش المصري يهزم العثمانيين بتكتيك "الالتفاف"
خطة نفذها الجيش المصري بقيادة إبراهيم باشا ضد الجيش العثماني بعدما تحصن الأخير بمضيق بيلان بسوريا تحصنا منيعا وساعدته طبيعة الأرض على ذلك، حيث أدرك إبراهيم باشا أنه لا سبيل إلى مهاجمة الأتراك أماميا وأنه من الأفضل بدلاً من ذلك أن يقوم بحركة التفاف حول ميسرة وميمنة الجيش التركي وقاد بنفسه القوات التي كلفت بالقيام بحركة الالتفاف وبعد أن اجتاز القوات المصرية مواقع الجناح الأيسر والأيمن للأتراك وهاجموها من الأمام والجنب هجوما شديدا فلم يصمدا وتحرج مركز قلب الجيش العثماني تبعًا لذلك أمام مهاجمة المصريين من الأمام أيضًا وتخلى جنوده عن مواقعهم وتشتتوا في الجبال.
أشهر الخدع في الحروب
- هجوم مصاص الدماء المزيف
على طريقة أفلام السينما.. طإدوارد لانسدال”، أحد أعتى عناصر وكالة الاستخبارات المركزية خلال الحرب الباردة.. أشاع أسطورة في الوسط المحيط عن مخلوق مصاص دماء يستعمل لسانه من أجل استنزاف دم ضحاياه!
كان ذلك خلال حرب فيتنام ..وكانت هذا الحيلة أبرز حيله العبقرية والمجنونة، التي برزت عندما كان يقود العمليات العسكرية ضد المتمردين الشيوعيين في الفلبين..وسار الأمر تماما وفقًا لخطته، فقد انتشرت الإشاعة بين معسكرات القوات الشيوعية على قمة تلة في لوزون، ومن أجل تدعيم الخدعة، قام بتنظيم هجمات وهمية من مصاصي دماء مزيفين على معسكرات العدو. كما قام لانسدال بنصب كمين للعدو، وبعد القضاء على العدو قام بثقب عنق أحد الجنود بثقبين ثم الضغط على عروق جسده لتصفية دمه تماما عبر الثقبين وكأن مصاص دماء قام بعض الجندي وقتله! وألقى الجثة على جانب الطريق.
ومع هذه العمليات المكررة، قامت قوات الشيوعيين بإخلاء المنطقة خلال فترة بسيطة.
- بريطانيا تقنع النازيين بإمكانية إشعال المحيط بالنار!
خلال أول عام من الحرب العالمية الثانية، لم تكن الأمور تسير بشكل جيد مع الجيش البريطاني، حيث تم توجيه صفعة قوية للقوات البريطانية من قبل فرنسا في دنكرك.. كما تمكنت الزوارق الحربية الألمانية من دك مخازن الطعام وكان الجيش البريطاني في مأزق كبير، وللخروج من هذا المأزق، كان لا بد من زعزعة القوات الألمانية، وذلك عبر إشاعة تسرب النفط في البحر وأنه لا يمكن لأي جندي إشعال حتى سيجارة وإلا سيصبح المحيط عبارة عن بركة مشتعلة من اللهب!
كما قامت الاستخبارات البريطانية بنشر القصة في مستشفيات باريس حيث كان الجرحى الألمان يتلقون العلاج، واقتنع الكثيرون أن الإبحار في الساحل سيكون بمثابة تسونامي من النار. وعندما وصلت الإشاعة إلى القيادة النازية العليا، كانت القصة قد نمت إلى ألغام سحرية في البحر، ويبدو أن الخدعة قد سارت بصالح الجيش البريطاني حيث بدأ الجيش الألماني بتغليف زوارقه بالإسبستوس ويجري تجارب عليها في البحر لتكون ضد النيران!
- دبابات وطائرات من "البلالين"!
كان الزعيم النازي هتلر في أوج قوته وإنجازته عام 1944 تعرض لواحدة من أكبر خدع الحروب في التاريخ بعد أن سقط أسيرا لجيش "وهمي" من الطائرات المطاطية ودبابات البلالين التي جعلت الحلفاء يستعيدون فرنسا من بين جيوشه..
تم استخدام كومة من الألعاب الملائمة لطلاب المدارس، مثل الطائرات المطاطية ودبابات التفجير وأجهزة الراديو المزيفة وبعض أنظمة السماعات المتطورة المسجلة مسبقًا بتأثيرات صوتية "تشبه المعركة".. وتم تدريب متقن من الممثلين الماكرين، لانتحال شخصية جيش حقيقي .وكان جزء من الخطة ليس فقط نشر أقسام وهمية بأكملها ولكن أيضًا تجميعها جنبًا إلى جنب مع الدبابات والطائرات الحقيقية.
كل هذا التمويه جعل قوات المدفعية والمقاتلات تبدو أكبر مما كانت عليه في الواقع، كما ظهر الأمر مربكًا بشكل مضاعف بالنسبة للألمان حتى يفصلوا بين الحقيقي والمزيف، إلى جانب أنظمة الراديو ومكبرات الصوت المضبوطة ببراعة، فلم يترك الجندي الشبح أي فجوة في الأعمال المثيرة المخططة بدقة.
وتشير التقديرات إلى أن جيش الأشباح أنقذ حياة ما لا يقل عن عشرة آلاف جندي من جنود الحلفاء، كما حدث لاحقًا.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
بإرادة طموحة.. وملحمة بطولية سطرتها سواعد المصريين.. تحقق الحلم ببناء هرم رابع.. أعظم بناء هندسي في القرن العشرين.. والحصن المنيع...
خلال عام 2025.. شهدت منظومة التعليم العالي والبحث العلمي العديد من الإنجازات والفعاليات في مختلف القطاعات للارتقاء بجودة التعليم لمستوى...
ضمن رؤية الدولة المصرية لبناء الإنسان .. ومن أجل تعليم عصري شامل يواكب متطلبات المستقبل ويستجيب لمتغيرات العصر.. شهدت منظومة...
فعاليات واحتفاليات عديدة شهدها الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية خلال العام 2025.. من أبرزها الافتتاح الاسطوري للمتحف المصري الكبير...