وَجهٌ لم يُرسمْ .. واسمٌٌ لم يَغِبْ

تتسلّل الأيام إلى أرواحنا بهدوءٍ خفي، تبتلع ملامح العظماء، وتطوي سِيّر الراحلين في غياهب عتيقة، كأنّ الزمن وُكِّل بمحو كل أثرٍ يشي بأن بشرًا مرّوا من هنا فتركوا ضوءًا.


بقلم .. محمود علام

وحين نفتح صفحات التاريخ، نجد وجوهًا كانت يومًا تملأ الدنيا حضورًا، ثم تمضي بها الأيام، فلا يبقى منها غير صدى اسمٍ هنا, أو ذكرى شاحبة هناك.

ونظن أن الموت هو النهاية، ناسين أن الفناء ليس وحده ما يعصف بالإنسان بعد الرحيل؛ فثمّة نسيانٌ أسوأ يغشاه؛ إذ المرء يموت مرتين: مرة حين يتوقف نبضه، ومرة حين يغيب ذكره حتى في قلوب محبيه.

غير أن في جعبة التاريخ استثناءً؛ عصيًّا على قواعد النسيان، لم تطوِه السنون ولم تبعده القرون؛ بل بقي حاضرًا في قلب الحضور ذاته، قريبًا من النفوس، ساكنًا في القلوب، كأنّ العصور لم تصنع بيننا وبينه مسافة، وكأنّ حضوره وُلد خارج شروط الرحيل.

ذلك الاستثناء هو نبينا الهادي البشير محمدٌ ــ عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم ــ؛ المصطفى الذي غاب وجهه عن الصورة، ولم يغب اسمه عن القلوب.

وهنا تبدأ الحكاية التي تأسر الألباب: كيف يبقى حاضرًا هذا الحضور العظيم، ونحن لا نملك حتى صورةً واحدةً لوجهه الشريف..؟

ولعلّ العجب يتضاعف حين نتأمل زماننا هذا؛ نحن نعيش في عصرٍ لا نكاد نُذعن فيه لشيءٍ ما لم نرَه رأيَ العين؛ ولا نؤمن بوجود شخصٍ ما لم يلاحقنا طيفُه من شاشةٍ إلى أخرى. غدت الصورة شاهد الوجود الأبرز، تُعاد فيها صناعة الوجوه قبل أن تلامس الأبصار، وتبقى الملامح فيه معلّقةً في ذاكرة الضوء, فتُختزل حكايات البشر وسِيَرهم، حتى بات الإنسان يُعرَف بصورته قبل سِيرته، وبملامحه قبل أثره.


في زماننا تسبق الملامح الأسماء، وتصل إلينا الوجوه قبل الأفكار؛ فلكل قائدٍ وفنانٍ ومشهورٍ أرشيفٌ من الصور ومتحفٌ من اللقطات، كأنّ الإنسان الحديث يخشى أن يعبر الدنيا دون أن يترك في ذاكرة العالم شاهدًا على حضوره سوى ما حفظته العدسات؛ حتى غدا الخلود، في هذا الزمان، رهينَ إطارٍ مرئي..!
وهنا، على عتبات هذا التعلق المادي بالصورة، نقف مبهورين أمام مفارقةٍ تكسر كل نواميس الحضور: نبيٌّ عاش في رمال الجزيرة العربية قبل أربعة عشر قرنًا، لم يترك خلفه رسمًا يخلّد ملامحه، ولا نقشًا تصونه يدُ الزمن، ولا وثيقةً بصريةً واحدةً يسكنها خيال المشتاقين.

حتى أصحابه الذين فدوه بأنفسهم، لم يحملوا له صورةً تحرس ملامحه. ومع ذلك، ظلّ اسمه مسكونًا في وجدان أممٍ متعاقبة لم تره، وظلّت وما زالت سيرته تنتقل من قلبٍ إلى قلب، ومن روحٍ إلى روح. وهذا يقودنا إلى السؤال المدهش: كيف استوطن النبيّ الأكرم قلوب المليارات، بلا صورةٍ ولا إطار..؟

لم نرَ وجهه، ولم تحفظ لنا الأيام رسمه؛ غاب الوجه عن الإطار، فاستقرّ في الجوهر، وتوارى عن بصر الدنيا، فامتلك بصيرة الذاكرة. وظلّت نفحاته تسري إلينا كلما ذُكر اسمه، حتى غدا حضوره في الوجدان الإنساني أوسع من أن تحيط به ملامح، وأبقى من أن تحفظه صورة. فلم يكن غياب وجهه عن الصورة غيابًا للحضور، بل غدا غيابه ذاته ضربًا آخر من الحضور.
وهنا تكمن الحيرة: كيف استطاع نبيّنا أن يعبر محيطات الزمن، ويبلغ قلوب الأجيال، دون أن تسبقه صورة، أو تحفظه عدسة، كيف يملك كل هذا الغياب حضورًا أبديًا؟
وكيف يبقى وجهٌ لم يُرسم ... أشدَّ بقاءً من كل وجهٍ رُسِم..؟

فإن كانت الصور تحفظ ملامح الشكل، فإنها تعجز عن ضمان بقاء جوهر المعنى. وهنا يتبدى أروع حضور للمصطفى ــ صلوات الله عليه ــ؛ فلم يُحفَظ في صورة، بل حُفِظ في صفاته، ولم تره الأبصار، لكن عرفته البصائر. غاب وجهه الشريف عن مجال النظر، فامتد حضوره في رحاب الذاكرة؛ فمن لم يروا عينيه الكريمتين، أبصروا رحمته في شمائله، ومن لم تخلّد الكاميرات ابتسامته، استشعروا دفئها في مواقفه، ومن لم يجدوا وثيقةً بصريةً تصف هيئته، وجدوا في هديه الشريف ملامح عدله، وصدق تواضعه، وسماحة عفوه، وسعة صفحه, وهيبة وقاره، وجمال حُلمه؛ فكانت هيبته من عِظم قدره، وحلمه من سمو نفسه, وهو ما شهد له به القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.

فما كانت صورته هي التي عبرت إلى الأجيال، وإنما عبرت أخلاقه. وما حفظت الذاكرة ملامح وجهه بقدر ما خلّدت سمو خلقه ونقاء روحه. لقد ترك لنا ــ عليه أزكى التسليم ــ ما هو أبقى من الملامح, وأعصى من أن يطويه النسيان؛ ترك لنا نموذجًا حيًّا لنبيٍّ دعا أُمته إلى اقتفاء أثره، لتُبصر فيه كيف يكون الإنسان حين تسمو به الرحمة، ويُقيمه العدل، ويُزيّنه التواضع.
وإذا كان الإنسان، مهما علا قدره، يدخل بعد رحيله في امتحان الدهر؛ حيث تبهت ملامح ذكراه، وتتحول حياته من حقيقةٍ إلى سِيرة، ومن سِيرةٍ إلى حكاية، ثم لا تلبث الحكاية أن تغدو سطرًا باهتًا في طيات التاريخ؛ فإن محمدًا ــ عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم ــ كان استثناءً عتيًّا على هذا المصير. فكلما ابتعدنا عن زمنه، ازداد اقترابًا وحضورًا فينا، حتى لَيُخيل إلينا أنه يعيش بيننا عيش الحاضر المشهود، ماثلاً في نبض اللحظة، كلما تنفست في رئتينا سنته المعظمة.

وإن غاب جسده الشريف عن دنيانا منذ أربعة عشر قرنًا، فإن أثره ظل راسخًا في تفاصيل حياتنا، حتى غدا اسمه جزءًا من النبض اليومي لأجيالٍ لم تشهده. فالمسلم لا يقرأ سيرته العطرة فحسب، بل يذكره بتوقٍ ومحبةٍ لا يخبو لهما وهج؛ يُصلي عليه كلما ذُكر، يهتدي بسنته, يستضيء بهديه, ويشهد برسالته في كل أذان، حاضرًا, ساكنًا مستقرًا في قلب كل من آمن به غيبًا, وصار الشوق إليه أشدَّ ما يكون في قلوبٍ لم تلتقِ به عينًا، ولقته روحًا.
وهنا تنقلب قواعد الزمن ؛ فالدهر يباعد، بطبعه، بين الإنسان ومن سبقوه، أما سيّد ولد آدم ــ صلوات الله عليه ــ، فما زادتنا الأبعاد عنه إلا قربًا، وما أحدثت السنون بيننا وبينه غيابًا؛ كلما طال العهد، اشتدّ الشوق، وكأنّ المسافة بين القرون لا تزيد القلب إلا توقًا.


ولعل أجمل ما في الحكاية أن هذا الشوق لم يكن يومًا من طرفٍ واحد؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ــ عليه أفضل الصلوات ــ قال: "وَدِدْتُ أني لقيتُ إخواني". قالوا: "أوليس نحن إخوانك يا رسول الله؟" قال: "أنتم أصحابي، ولكن إخواني الذين آمنوا بي ولم يروني". رواه مسلم.
فيا لهذا الحضور الذي يطوي مسافات القرون ليجعلها لحظة قربٍ غامرة؛ نحن الذين لم تحفظ لنا عينٌ صورة وجهه الكريم، كنا من الذين سمّاهم إخوانًا, وحفظ لنا في قلبه مكانًا؛ جئنا بعد غيابه، فإذا بنا في عداد إخوانه؛ فأيُّ سرٍّ هذا الذي جعل سيدًا غاب عن زماننا, حاضرًا في وجدان أجيالٍ لم تره..؟
إنه ليس سرّ التاريخ، وإنما سرّ الأثر الخالد. فإمام المرسلين محمدٌ ــ صلوات الله عليه وسلامه ــ، لم تُحط به الأُطر, ولم ينطوِ اسمه في صحائف الدهر؛ بل امتد حضوره في القلوب امتداد الأفق، وبقي اسمه يُرفع في الأذان، يُهمس به في الأسحار، يُذكر في الصلوات، تُستهلّ به التضرعات، وتُختتم به الدعوات؛ ليظلّ الحضور الأبديّ الذي لا يعتريه غياب، والسرّ الذي لا يطويه زمان.

وهنا ندرك حقًّا أن الصورة ليست هي التي تقهر النسيان؛ الصورة تقول: "هكذا كان الوجه"، أما الأثر فيخبرنا: "هكذا كان الفؤاد". فالوجوه تذبل، والصور تصفرّ أطرافها، واللوحات تتشقق، أما ما استقر في القلوب فلا يُخشى عليه من عوادي السنين.

وفي رحاب روضته المطهرة، وارى الثرى جسد الحبيب المصطفى ــ صلوات الله عليه وآله ــ وما توارى ذكره؛ غاب البدن عن أبصارنا، فازداد حضورًا في بصائرنا, مضى الزمن عليه، ولم يمضِ به؛ لم نملك له رسمًا، فامتلك قلوبًا لا تُحصى, لم يطوِ الدهر سيرته، ولم يجد النسيان إلى نفوس مُحبيه سبيلاً. قهر النسيان بلا صورة، وعبر القرون بلا تمثال، وظل في خاطرنا بلا ملامح تحفظها العدسات؛ ليبقى الهادي البشير ــ صلوات الله عليه ــ منتصرًا على الزمن بلا سلاحٍ إلا الذكر، مستوطنًا القلوب بلا شيءٍ إلا الأثر. رحل بالجسد، فأقام بالروح؛ وظل أثره حيًّا يسري في خلجات القلوب المؤمنة, حتى صار ذكره صلاةً، واتباعه حياةً، وسيرته صراطًا مستقيمًا. وفي زمنٍ يُفتن فيه المرء بالصورة كي يُعرَف، يكفي اسم محمد كي يُحَب.

وفي ذكرى مولده الأطهر، لا نستعيد ميلادًا مضى في غابر الزمان، وإنما نُحيي حضورًا يتجدد في الضمائر كلما ذُكر؛ نحتفي بغائبٍ عن زماننا، حاضرٍ في وجداننا، تعاقبت الأزمان، فما استطاعت أن تنزع من مشاعرنا بهاء طَلّته، ولا أن تُذيب من قلوبنا حُبّ جنابه الشريف هو ميلاد نبيّ عبر القرون، ولم يعبره النسيان, ولن تنتزع الدهور منّا أثره.
فوجهُه الشريف لم يُرسم... لكن حضوره لم يَغِب.

ولذلك لم يقل القرآن: حفظنا لك صورتك، ولا أبقينا لك ملامحك؛ وإنما جاءت الكلمة العليا التي اختصه بها المولى, لتختصر الحكاية, وتكشف سر هذا الحضور: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾

 

أخبار مصر

أخبار مصر

موقع أخبار مصر هو موقع أخبارى سياسى اجتماعى فنى رياضى يصدره قطاع الأخبار -بالهيئة الوطنية للإعلام - التليفزيون المصرى سابقاً

أخبار ذات صلة

أيمن عدلي
عبد الوهاب خضر
الاكراد
جزيرة خارك
ايمن عدلي
نهال الشافعي
ايمن عدلي

المزيد من مقالات

وَجهٌ لم يُرسمْ .. واسمٌٌ لم يَغِبْ

تتسلّل الأيام إلى أرواحنا بهدوءٍ خفي، تبتلع ملامح العظماء، وتطوي سِيّر الراحلين في غياهب عتيقة، كأنّ الزمن وُكِّل بمحو كل...

لماذا تبدو مشاكل الآخرين أسهل من مشكلاتنا؟

تجلس صديقة أمامك وتحكى عن موقف يزعجها منذ أسابيع. تسمع التفاصيل، ثم تجد الحل واضحًا أمامك: لماذا لا تقول له...

تعزيز الميتوكوندريا.. سر الطاقة والحياة والمناعة

الميتوكوندريا هي عضيات داخل خلايا الجسم عدا كريات الدم الحمراء، هى مصدر الطاقة المتجددة للإنسان، لذل فمن الأهمية الحفاظ عليها...

حين تبدأ الأزمات من الممرات وتنتهي في الأسواق

قد يبدو البحث عن مسارات جديدة لنقل الطاقة، كما يجري في النقاشات السعودية الفرنسية الأخيرة، مسألة لوجستية هدفها تأمين طرق...