في عالم الشرق الأدنى القديم، كانت الآلهة غالبا مرتبطة بقوة واحدة واضحة: إله للحرب، أو للخصوبة، أو للموت، أو للسماء، لكن هناك إلهة كسرت كل هذه الحدود، إلهة يمكن أن تمنح الحب… ثم تقود الجيوش إلى المذابح، ترتبط بالخصوبة والحياة، لكنها تظهر أيضا وسط الدماء والخراب، يخافها الرجال والملوك والآلهة نفسها أحيانا. إنها عشتار، واحدة من أكثر الشخصيات الدينية تعقيدا وإثارة في تاريخ العراق القديم.
د. دينا إبراهيم سليمان أستاذ اثار مصر والشرق الأدنى القديم كلية الآثار والإرشاد السياحي جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا
من إنانا إلى عشتار
عرف السومريون هذه الإلهة باسم "إنانا"، بينما عرفت لاحقا في الحضارة الأكادية والبابلية والآشورية باسم "عشتار". ومع مرور الزمن اندمجت الصفات والرموز الخاصة بالشخصيتين تقريبا، لتصبح عشتار واحدة من أعظم الآلهة في الشرق الأدنى القديم كله.
وكان مركز عبادتها الأشهر في مدينة "أوروك"، إحدى أهم المدن السومرية القديمة.
ويرى الباحثون أن شعبيتها الواسعة ارتبطت بطبيعتها المركبة؛ فهي ليست إلهة للحب فقط كما يشاع أحيانا، بل قوة كونية تمثل: الرغبة والخصوبة والحرب والسلطة والجمال والفوضى أحيانا وكأنها تجسد التناقضات البشرية كلها في شخصية واحدة.
إلهة الحب… لكن ليس الحب الهادئ
ارتبطت عشتار بالحب والرغبة والجاذبية الجنسية، لكن النصوص القديمة لا تصورها بصورة رومانسية هادئة كما قد نتخيل اليوم، بل تبدو قوة جارفة يصعب السيطرة عليها.
ففي بعض الأساطير، يقع الرجال الذين تحبهم في نهايات مأساوية، حتى إن البطل جلجامش يرفض حبها في الملحمة الشهيرة خوفا من مصير عشاقها السابقين.ويعدد جلجامش أسماء رجال تقول الأسطورة إن عشتار أحبتهم ثم انتهوا بالموت أو الخراب أو التحول إلى كائنات تعيسة.
وهنا تظهر فكرة مهمة: الحب في العالم القديم لم يكن دائما قوة ناعمة، بل قد يكون قوة خطيرة ومدمرة أيضا.
حين قادت عشتار الجيوش
المثير أن الإلهة نفسها التي ارتبطت بالحب والخصوبة كانت أيضا إلهة للحرب. وفي النصوص الآشورية خاصة، تظهر عشتار كإلهة شرسة ترافق الملوك في المعارك وتمنحهم النصر.
وكان بعض الملوك يعتقدون أن عشتار تحمي جيوشهم وتقودهم إلى الانتصار، ولذلك ظهرت في النقوش الملكية وهي تحمل الأسلحة أو تقف فوق الأسود، رمز القوة والسيطرة.إن الجمع بين الحب والحرب داخل شخصية واحدة قد يبدو غريبا، لكنه يكشف فهما عميقا للطبيعة البشرية؛ فكلاهما قوة قادرة على تغيير مصير الإنسان بالكامل.رحلة عشتار إلى العالم السفلي.
تعد أسطورة "نزول عشتار إلى العالم السفلي" واحدة من أشهر نصوص الشرق الأدنى القديم وأكثرها غموضا.
في هذه القصة، تقرر عشتار النزول إلى عالم الموتى الذي تحكمه أختها "إريشكيجال".
لكن للوصول إلى هناك، كان عليها المرور عبر سبع بوابات، وعند كل بوابة تجبر على خلع جزء من ملابسها أو حليّها أو سلطتها، حتى تصل عارية وضعيفة تماما، ثم تحتجز في العالم السفلي، فتتوقف الخصوبة على الأرض وتجف الحياة.
وترى كثير من الدراسات أن هذه الأسطورة ترتبط بدورة الطبيعة: موت الأرض في موسم الجفاف، ثم عودتها للحياة من جديد، لكنها تحمل أيضا معنى نفسيا أعمق: حتى الآلهة لا تدخل عالم الموت دون أن تفقد شيئا من قوتها.
رمز المرأة القوية في العالم القديم
تختلف عشتار عن كثير من الشخصيات النسائية التقليدية في الحضارات القديمة، فهي ليست تابعة لإله ذكر، ولا تظهر دائما في دور الأم أو الزوجة فقط، بل تتحرك بحرية وتفرض إرادتها على الجميع تقريبا.
ولهذا يرى بعض الباحثين أنها تمثل نموذجا مبكرا للغاية لفكرة القوة الأنثوية المستقلة.
لكن النصوص القديمة نفسها كانت تنظر إلى هذه القوة أحيانا بإعجاب… وأحيانا بخوف واضح.
وكأن المجتمع القديم لم يكن يعرف كيف يتعامل مع شخصية تجمع بين الجمال والسلطة والعنف والرغبة في الوقت نفسه.
من العراق القديم إلى العالم كله
لم تبقِ عشتار داخل حدود بلاد الرافدين، فمع انتقال التجارة والثقافات، انتشرت صورتها وأفكارها إلى مناطق واسعة من الشرق القديم، وظهرت آلهات تحمل صفات مشابهة في حضارات أخرى.
ويرى بعض الباحثين أن تأثيرها امتد إلى شخصيات دينية وأسطورية لاحقة في شرق المتوسط، وإن ظل لكل حضارة طابعها الخاص. وهكذا أصبحت عشتار واحدة من أكثر الشخصيات الأسطورية انتشارا وتأثيرا في العالم القديم.
لماذا ما زالت عشتار تثير الاهتمام حتى اليوم؟
لأنها ليست شخصية بسيطة، إنها إلهة تجمع التناقضات كلها: الحب والدمار، الحياة والموت، الرغبة والعنف، الجمال والخطر، ولهذا تبدو قريبة من النفس البشرية أكثر من كثير من الآلهة الأخرى.
فهي لا تمثل الخير المطلق أو الشر المطلق، بل تمثل الفوضى العاطفية والقوة والرغبة التي يعيشها الإنسان نفسه.
خاتمة: الإلهة التي رفضت أن تحاصر في معنى واحد
ربما لهذا بقيت عشتار حيّة في الذاكرة الإنسانية حتى بعد سقوط المعابد والإمبراطوريات.
لقد كانت أكبر من أن تختصر في وظيفة واحدة أو صورة واحدة.
ففي عالم حاول دائما تقسيم الأشياء بوضوح بين الحب والحرب، والرحمة والعنف، جاءت عشتار لتقول إن الإنسان يحمل كل هذه التناقضات داخله في الوقت نفسه.
وفي المقال القادم من سلسلة «كانوا مثلنا»، سنقترب من إله مختلف تماما…
إله الشمس والعدالة الذي اعتقد أهل العراق القديم أنه يرى كل شيء من السماء: الإله شمش، حارس القوانين وكاشف الأسرار.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في عالم الشرق الأدنى القديم، كانت الآلهة غالبا مرتبطة بقوة واحدة واضحة: إله للحرب، أو للخصوبة، أو للموت، أو للسماء،...
حين يطرح اسم مصر داخل أروقة الأمم المتحدة في مناقشات التنمية المستدامة، لم يعد ينظر إليها بوصفها دولة تعرض رؤيتها...
من السهل أن نلاحظ أن شخصا يقاطع الآخرين أثناء الحديث، أو يبالغ في الدفاع عن رأيه، أو يتسرع في الحكم...
للأوطان تقاويم مغايرة لا تشبه تقاويم البشر.. فقد تقاس أعمارها بالقرون، وقد تختزلها الأيام، وربما تصنع ليلة واحدة ما تعجز...